تجارب سيرة

السنوات العجاف

فقه التدوين

المؤسسة العامة للصحافة 1993-2015

تاريخ للألم وذهب المحابر

حلقة (3)

السنوات العجاف

الفصل الأول

عود على بدء.. وكيف ظهرت للعيان صورة للعقيد على سطح القمر

بعد فترة الاحلام (بعودة المؤسسة العامة للصحافة)، التي أفرزتها الضغوط السابقة التي اجتهد الصحفيون والكتاب والمثقفون الوطنيين بليبيا، وذلك بتصعيدهم سلمياً لنضال محابرهم فهم بغالبيتهم (خريجو سجون!!!!)، وشبه مهمشين، أو غيرهم، ممن أتخذوا مسلك كل الليبيين طوال أربعه عقود وانضوا تحت دولة النظام، وليس تحت رايته (فالليبي بطبيعته يرفض وصاية الافراد)، فما بالك بنخبته المثقفة، وذلك بجهرهم بالدعوة علنا بظهور مجلة (لا)، كون لها هذا الصدى بل والتأثير الاكبر على صانع القرار في النظام (خوفاً وتحسباً، وليس احتراماً وتقديراً)، عبر تفردهم بإدارة سياسة تحريرها على عكس ما كان مخططا لها، وهي التي أسسها “القذافي” نفسه، لعرض المغريات على ضحاياه، التي رفضها أغلب هؤلاء، ومحاولة منه لاحتواء صوت المثقف الذي كان يشكل أغلب هواجسه؛ خاصة وأنه يقدم نفسه للعالم كمفكر وحيد، بل ومخلص، فما بالك ببلد من بوادي ورعاة أغنام (الغريب في الامر؛ أنه كان ينظّر عبر كل اصدارته بأنه نبي للصحراء وملهم من ملهميها).

كذلك كان للعدد الوحيد لجريدة (الصحافة)، والذي ذكرناه بالحلقات الأولى، حافزاً مهماً ورافداً قوياً، جعلت منه مجلة (لا ) بصدورها بعده، نهراً محملاً بصوت الناس، صوت الجماهير.

أكثر ما يخشاه “العقيد” هذا ما دونه في أوراقه (توكد صدقه لاحقاً)، كانت جريدة (الصحافة) تمثل توق الليبيين لصحافة حقيقية، تروي عطشهم لعقود، لصحيفة تستحق مشاركتهم قهوة صباحهم. لكنها لم تتجاوز الحلم كانت (الصحافة) عدداً وحيداً، لكن (ثبت) لاحقاً، إنه ربما العدد الصفر الوحيد في العالم، الذي كانت له تلك القدرة على قلب الموازيين، رغم أن صافرة الإنذار بمكتب قلم “القذافي”، لم يكفها العدد المتوفر لديها من العاملين، فاستدعت فرق للطواري بل ومتطوعين، تثبت زخم الحشد المستعمل لمصادرة الصحيفة، من خلال اختفاء أعدادها كلها، إلا القليل الذي تسرب وقيد ضد مجهول، فلم يعرفوا طرقاً إليه وإلا لصادروه هو الآخر.

لذا ولكي اجتاز كل هذا المدخل، أؤكد بأن الأساس لقرار عودة المؤسسة العامة للصحافة، كان نتيجة ضغوط النخب الوطنية للمثقفين والصحفيين والكتبة، على النظام بعد إفراجه عن معظمهم سنة 88، وإحساسه بضرورة محاولة طيهم تحت جناحه من جديد، بعد الفشل الذريع لمحاولته الأولى بمجلة (لا). لكن مع هذا الأساس كان ثمة خبث يحاك، بمغازل من هواجس ومخاوف، فمنظومة حكم عماد قيامها واستمرارها جهل مقيم وانعدام وعي أزيى المقام. ففي عرف “العقيد” لا يجوز أن يكون في جغرافية ليبيا ولا في سماها (ليبياً آخراً) بمقامه فكراً، ولا بهيبته نجماً يسطع في سماها سواه، كان الليبيون بالنسبة إليه، لا يستحقون أكثر من رفع (جزمته) بوجوههم بالتلفاز .

الأمر الذي دفع بالكثير ممن لم تطالهم السجون للهروب للمنافي، يكفي إن ليبيا حينها خسرت مفكراً كبيراً بقيمة “الصادق النيهوم”، وتلاه بعد ذلك “إبراهيم الكوني”، والذي كانت له حالته الخاصة كأمير طارقي (نجحت في أن تكون حائلاً بينه وبين حبائل النظام)، ثم إنه صنع لنفسه دربه الثقافي الخاص، منهج لا يتعارض مع سياسة “العقيد” (كان “الكوني” بحاجة لأن يمر بمشروعه للعالم دون إثارة رمال القبلي، خوفاً على أوراقه أن تذروها رياح زوار الليل)، وكان آخرهم “أحمد إبراهيم الفقي”، بعد صدور ثلاثية (هذه تخوم مملكتي). والتي كانت جواز سفره للخروج من تحت مظلة ““العقيد”” .

الصادق النيهوم - إبراهيم الكوني - أحمد إبراهيم الفقيه الصور عن الشبكة
الصادق النيهوم – إبراهيم الكوني – أحمد إبراهيم الفقيه
الصور عن الشبكة

كان “القذافي” حاداً في هذا الامر. يروي أحد الساسة الفلسطينيين المنتمين لليسار الفلسطيني، إنه وحين شاءت الظروف السياسية، وحاجة المقاومة للدعم، أجلسه الأمر رفقة زملائه الفلسطينيين في مواجهة “القذافي”، وأنه زل به لسانه بالكلام فهو كان رفيق (للمفكر الكبير “د.عمر النامي” بجامعة شيكاغو، جامعة النخبة بالعالم حينها)، فتحدث قائلاً: بعدما استمعت للـ”قذافي” وهو ينظر لنفسه كفيلسوف ومفكر ومخلص للعالم، لم أملك لساني، فأخبرته حينها أن بلاداً فيها مفكر بعظمة الدكتور “عمر النامي”، ليست بحاجة للعديد من المفكرين، فأمثال “النامي” قلة على مستوى العالم. ختم حديثه عن تلك الواقعة، بأنه رأى كيف اسّود وجه ““العقيد”” إثر تلك الكلمات، ووقف مكفهراً منهياً بإشارة منه الحوار قبل أن يبدأ.

كانت زلة اللسان الأغلى ثمناً، فقد كلفتنا تغييب العلامة والمفكر والشاعر “عمر النامي”، لتحرم ليبيا نجماً انبثق من رحمها، وكان ليضيء لعقود آفقها وسماها .

د.عمرو النامي - سعيد المحروق الصور عن الشبكة
د.عمرو النامي – سعيد المحروق
الصور عن الشبكة

كثر هم ضحايا ““العقيد””، وإن اختلفت وسائل القتل والاخفاء والسجن والتعذيب، فمن منّا لا يذكر كيف كانت نهاية كاتب بحجم “سعيد المحروق”، والذي نجى من جدران السجن ككاتب بالأسبوع السياسي من دون الرفاق، ليس رأفة به ولا شفقة عليه، بل أختار له نهاية على وزن تماديه، حين ووضع نفسه نداً للسلطان، فلم يكن عدم ضمه لقائمة من شملتهم الزنازين، إلا لأجل تراجيدي (شكسبيري)، لنهاية كاتب وضع نفسه نداً (لعظيم الشان)، نهاية أكثر بؤساً وفتكاً، وأشد إيلاماً، لأن ما كتبه “المحروق” في مقالته (عن الاستلاب التاريخي.. لكي لا تصبح العروبة احتكاراً مشرقياً أو شعوبية جديدة)، كرسالة موجهة مباشرة للـ”قذافي” على صفحات الأسبوع السياسي، لم يكن ليشفي غليلها عزل كاتبنا بين جدران، بالقدر الذي كان يفعله قراراه بإنهاء حياته بأبشع صورة (وقمة تصاعد التراجيدي)، تمثلت بإشارة مسرحية لعربة بدهسه، وتحطيم ظهره، وتهشيم عظامه وتركه على قارعه الطريق، كان للقتل عند “العقيد” فلسفة “هوبكنز” في (صمت الحملان)، لكن رائعة “هوبكنز” لم تتجاوز ساعات العرض، في حين ظل عرضنا قائماً لأربع عقود.

في الثمانينات كنت بالإعدادية، حين شرعت منظومة حكمه للترويج بين البسطاء عبر مكتب للإشاعات، كان في طور التأسيس في تلك الفترة (هذا ما تبين لنا لاحقاً ونحن أكثر نضجاً)، أن صورته كانت تظهر علي سطح القمر، كلما اكتملت دائرته، وكنت أتابع جنون الناس، وكيف يتم بشكل ممنهج استثمار عدم معرفتهم، بحيث كانوا يحلفون الأيمان على رؤية قبعته على الوجه المضي للقمر، والتي علمتني القصص حينها، إنه مجرد وجه صخري يعكس ضوء الشمس، كي ينير الليالي المظلمة للأرض، والامر الذي يثير حفيظة البحر فيتناغم في حركته بين مد وجزر.

الأمر لا يحتاج مني للتدليل أكثر، كما أنه لم يكن يخص النخب المثقفة والمفكرين وممتهني الكتابة والفنانين، والذين يكفي أن أذكر بأن مشروع الأغنية العربية الحديثة، أول من صاغه كان الفنانون الليبيين بداية السبعينات (ناصر المزداوي، أحمد فكرون، الحسناوي والهوش، وغيرهم)، لكن لا نجم يمر في بلد لا تسمح إلا (بنجم وحيد)، وحده نجح “حميد الشاعري” في الهروب بحلمه وبحقيبة قيثار، وبعض لزوم السفر للقاهرة (والتي كان كاسيته الأول فيهاـ بمجمله أغاني ليبية، ولم يصدر الكاسيت باسمه، بل باسم فرقة أسماها حينها بالمزداوية!!!)، فكان المناخ القاهري الفني فرصته الذهبية ليحوز ذلك الكاسيت السبق، ويفتح آفاقاً جديدة للأغنية العربية عموماً، بل ليدخل مصطلح جديد على ثلاثية الأغنية العربية، زمن رتابتها التي لم يعد العصر وسرعته ليقبل باستمرارها فكان دور (الموزع) والذي أعاد الروح لمشروع الأغنية العربية. هذا الدور الموسيقي سبق إليه “فكرون” ورفاقه من زمن طويل (لكن للأسف، لم يسمح المصريين لذلك المشروع بأن يكون بجنسية غير قاهرية)، لذلك خسرنا مشروعنا مقابل كسبنا لانتماء “الشاعري” لنا كليبيين، فقد كان له العذر، فلم يكن ليسطع نجمه في سماء لا تتسع إلا لنجم واحد ووحيد.

ناصر المزداوي - حميد الشاعري - أحمد فكرون - نجيب الهوش - إبراهيم الحسناوي الصور عن الشبكة
ناصر المزداوي – حميد الشاعري – أحمد فكرون – نجيب الهوش – إبراهيم الحسناوي
الصور عن الشبكة

لم تكن هذه النخب لوحدها بضحايا هوس ““العقيد”” بالنجومية، وشطحاته كـ”نيرون” على خشبة مسرح يجلس جمهوره وأعناقهم تحت نصال السيوف. محامون، قضاة، مهندسون، دكاترة، وطلبة، و، و…، فقط لكونهم متفوقون وكانوا مشاريع نجوم.

وكي لا أطيل في تفصيل تلك السنوات، والتي سبقت ما نعيشه في نعيم وأضواء التقنية، والذى نجح وبامتياز زعيمنا في استغلال عتمة انعدام وجودها، يكفيني التذكير بما يعلمه وعاشه أغلب الليبيون، وبالتحديد التعليق على مباريات كرة القدم والإشارة للاعبين بالأرقام، وحرمانهم من أقل حقوقهم بذكر أسمائهم، بل ومعاقبة كل معلق رياضي يخطئ وبدون دراية وينطق على حين غفلة اسم أحدهم. بل والأمر كان يطال جموع المتفرجين والكتابة على صورهم بالتلفزيون، ما صاغه بكتابه الاخضر، فكر الخلاص للعالم بأنهم مجموعة من المغفلين .

أخيراً.. وفي خاتمة الفصل الأول (للسنوات العجاف) كان لابد من هذا العود على بدء كي، يستوعب قاري هذه الورقات ما سأورده لاحقاً، وكي يصل الى ملخص مفاده؛ بأن قرار إنشاء المؤسسة العامة للصحافة سنة 1993، لم يكن فقط نتيجة ضغط مستمر لمجموعة الوطنيين من كتاب ليبيا ومثقفيها، وإن كان هذا السبب الاهم، بل كان أيضاً السبب في إثارة هواجس المنظومة الحاكمة، والتي رمت بعيداً بصك غفران (كان سيسجله التاريخ لصالحها)، لذا لم يكن القرار بريئاً، وإن كان يلوح بشعارات تاقت وناضلت ودفعت في سبيلها دماً وسجناً، لأجلها كل الاقلام الوطنية الشريفة بليبيا، بخصوص حرية الصحافة وحقوق التعبير، وحلم بدولة مؤسسات وديمقراطية، تكون أول طريق لها، مؤسسة تجمع كل أولئك الحالمين ليتمسكوا بأول خيط أمل. لكن المنظومة خاصة وبعد أن بدأت التقنية تقترب رويداً (فقد شرعت الفضائيات شاشاتها، وكان الطريق لعوالم الانترنت على بعد خطوات)، لذا وهذا ما اتضح لاحقاً، فقد كان كل الأمر محاولة منه لتدارك ما تسرب من بين يديه (بعد أصبح الصبح)، ومحاولته الاستحواذ ووضع يديه على كل أدوات مفهوم حرية الرأي، بالتالي حرية التعبير وما تبع ذلك من علو شأن كلمة المثقف والمفكر، وما سيلحق ذلك من معرفة تسيل حبراً على الورق، لأجل إنقاذ شعب كامل عانى لعقود طوال من التجهيل.

لكن، كان الزمن غير الزمن (أخطأت تلك المنظومة في تعديل ساعاتها حسب توقيت الفضاء الافتراضي وصفحات الويب)، حين اكتفت بتوحيد مواعيد ساعاتها حسب مواعيد ساعة “العقيد”. والذي للأسف فاته أن يدرك مبكراً أنه هو نفسه (صار خارج التوقيت)، وأن مدونة الحبر لم تعد ملكه بمجرد احتكاره لآلة طباعه وحيدة (لازلت ليومنا هذا)، وكتيبة من كتبة التقارير صارت تحس بالوهن والضعف، خاصة أن لا جديد ليكتبوه، وأن هناك “ستيف جوبز” و”بيل غيتس”، يصوغان وفي غفلة منه آفاقاً جديدة لأعوام قادمة من الحبر وصفحات التدوين، وأن زمن النجم الوحيد أفل وانتهى إلى غير رجعة.

فقط كان قدرنا نحتمل كليبيين السنوات العجاف، وأن يكون صبرنا طويلاً، فإن كانت أولى الفضائيات شرعت أبوابها، لكن أغلب مفردات التقنية كانت تحت الانجاز والتكوين.

يـتـبـع

طرابلس 2015

مقالات ذات علاقة

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (17)

حواء القمودي

حدث أبي قال

فاطمة غندور

امرأة خارج العزلة (الجزء الثاني)

فاطمة غندور

اترك تعليق