المقالة

السماح للموت

من أعمال التشكيلي الليبي أسامة النعاس


الموت هو الوجه الآخر للحياة، فلا تتجسد الحياة بدون الموت، ولا يعمل الموت إلا في جسد الحياة، ولا يمكن أن نتصور موت الموت، لأن موت الموت يعني بالضرورة موت الحياة، فالحياة والموت كوجهي عملة، أو كفرسي رهان، ولذا فإنَّ الحياة تقوم على ركنين أساسيين هما: (الموت والحياة)، وهذان الركنان يتبادلان الأدوار كتبادل دواستي الدراجة؛ لينتج عنه دوران العجلة، أو كتبادل الليل والنهار؛ لينتج عنه ميلاد الصباح!.

ويمكن تعريف مرض السرطان بأنه إصرار بعض الخلايا على البقاء ورفضها للموت، ذلك لأن حياة الجسم البشري تقوم على تجدد الخلايا، وهذا التجدد لا بد أن يسبقه موت القديم منها!

من هذا المنطلق يُمكننا أن نعي أن الإخفاق والفشل ينتجان عن التشبث بالأشياء القديمة وعدم السماح لها بالموت، إذ لا يمكنك أن ترتقي درجة دون تتخلى عن درجة أدنى في سلم الحياة.

فالتشبث بالافكار والرؤى والتصورات لا يعني أنك على قيد الحياة بقدر ما يعني أنك قيد على الحياة، ولا يعني أنك على حق، بقدر ما يعني أن الحق عليك!

يعيش الطفل في بداية سنواته الأولى حياةً طبيعية متجددة، ثم لا يلبث نتيجة للقمع والمنع أن يتحول إلى حيوان داجن يسير في خط رُسم له بعناية ليقضي بقية عمره في رعب متواصل من أن يحيد عنه قيد أنملة، وليعيش بقية حياته لا علاقة له بالحياة إلا في كونه لم يُدفن بعد!

إن السحاب يموت حينما يتحول إلى مطر، وإن المطر يموت حينما تبتلعه الأرض، وإن الأرض تموت حينما تتخلى عن مائها لصالح الإنسان والحيوان والنبات، ولو تشبت أيٌ من هؤلاء بالحياة لماتت الحياة نفسها!

وهذا بالضبط ما يحدث للإنسان حينما يتشبث بالقديم من الأفكار، وبالسائد من التصورات، وبالمألوف من العادات، فلا يسمح للحياة أن تكون، فيتحول بذلك إلى قطعة أثرية متخشبة منسية مقلدة عمن سبقوه!

إن الاحتفاظ بالماضي ليس عيباً طالماً أنك تُدرك الفاصل بينه وبين الحاضر، وإن عدم إدراكك لهذا الفاصل هو ما يجعلك الآن تعيش (داحس والغبراء) بتقنيات عصرية جداً!

وإن عدم إدراكك لهذا الفاصل هو ما يجعلك عاجزاً كل العجز عن معرفة أين تقف، وكيف تقف، ومع من تقف، وفي وجه من تقف!

وإن عدم إدراكك لهذا الفاصل هو ما يجعلك غير قادر على أن تخطو خطوة جديدة نحو فاصل جديد يُسمى (المستقبل)!

وإن عدم إدراكك لهذا الفاصل سيجعلك عاجزاً عن فعل أي شيء سوى التسكع في أزمنة الغابرين والعودة منها منتفشاً منتفخاً كفقاعةٍ سرعان ما تتفرقع على دبابيس الواقع؛ فلا يُسمع لها صوت، ولا يُرى لها أثر!

وإن عدم إدراكك لهذا الفاصل سيؤدي بالضرورة إلى عدم سماحك للموت بأن يكون، وإن عدم السماح للموت بأن يكون يعني عدم السماح للحياة بأن تتجدد، وإن ما تحسبه حياةً، وما تراه من مظاهر الحياة ما هو إلا صورة لها، وأثر من آثارها، وبقية من بقاياها.. تماماً كحياة البو؛ يُمكنه أن يدرَّ لبن الناقة، لكنه – أبـــداً – لا يُمكنه أن يشرب منه!.   

مقالات ذات علاقة

الكتابة الشرسة: موجـباتها واستحـقاقـاتها وحاضنتـها

زياد العيساوي

ضرورة الاحتياط من التاريخ

محمد الترهوني

الطريق إلى كابل

حمد المسماري

اترك تعليق