من أعمال التشكيلي عادل الفورتيه.
قصة

السلك

من أعمال التشكيلي عادل الفورتيه.

 

كانت (صابرة) تشرد بعينيها من خلال الأسلاك الشائكة التي ضربت حول معتقل(العقيلة).. كانت تنظر إلى ذلك الأفق الواسع الكبير.. كم هو جميل للإنسان أن يشعر ألا حواجز تقف أمامه فهو ينظر إلى تلك المساحة الواسعة التي لم تقيد بأي حاجز.

(صابرة) زج بها الإيطاليون هي وأسرتها إلى ذلك المعتقل فأصبحت أسيرة له.. كان الإيطاليون يهجرون الأهالي خاصة أولئك سكان الجبل الأخضر ليدفعوا بهم في سجن كبير في منطقة (العقيلة) حتى يمكنهم محاصرة المقاومة الليبية تجاه إيطاليا..وهي تلقي النظر إلى تلك المساحة الواسعة كان يتراءى لها وهي تنظر تلك الحقول الخضراء الممتدة عبر الجبال وكانت تذكر أنها كانت تقفز كالظبي الذي أصابته نشوة  الحرية..كان بيت من الشعر أقيم على سفح التل لا محيط حوله سوى أشجار البلوط والشماري والخروب وشجيرات البطوم المتناثرة في عمق الوادي..كانت الحياة من حولها تعيق بالوجود.. الطيور وهي تصبح وتملأ بأصواتها ذلك الوادي المخضر كانت تستلقي على العشب وتلقي بيديها عبر الفضاء.. كانت جذلي بحريتها وهي تنطلق هنا وهناك لم تفكر قط أن يلقي بها في هذا المكان المهجور من الحياة ما بين   أسلاك شائكة حيث الناس تراصوا دون فسحة من المكان.. كانت نسائم البحر المملوءة بالملح ذهبت بنضارة وجهها فانطفأت الوهجة عن وجهها.. لم تعد تسمع طيور الصباح وهي تزقزق بأصواتها ولم تعد ترى العشب يغطي المكان.. لقد تحول المكان إلى كهف مهجور امتلأ بالبشر..لم تعد تسمع صوت الراعي الذي كان يطلق العنان لصوته بأغاني العلم.. شديدة الولع بتلك الأغاني إنها على استعداد أن تمنح كل شيء من أجل السماع إلى إحدى تلك الأغاني كانت تختلق الحجج حتى تذهب إلى البئر لجب الماء حيث تلتقي بالورادة وقد يسعفها أن يقول لها أحدهم بأغنية عشق.. كانت تلك الأغاني لا تمثل لها السلوى بل روح حياتها..فكان الغناء هو الغذاء الروحي لها..كانت تتخطى الحجاب الذي ضرب عليها حينما وصل عمرها الإثنى عشر ربيعاً منعت من رؤية الناس والحجر معاً..فكان ذهاباً
إلى البئر نوعاً من المغامرة في أن تكون.. لقد تحول ذلك المعتقل إلى قلق دائم يكتم على أنفاسها كانت الكآبة قد رسمت  على محياها من شدة عدم الحركة.. كانت تتسلى بالذهاب إلى السلك وتقف عليه بالساعات الطوال.. وكانت تتمنى أن يرفع هذا الحاجز لتنطلق.. كم من مرة أرادت أن تقفز من فوق السور.. كانت لديها رغبة جامحة حتى تشعر بأن يديها تقطر دماً من شدة القبض على السلك.

المكان اندفع بعضا مع بعض.. صيحات أطفال وأخرى لنسوة ثكلى يولولن.. وأخريات تندبن حظهن العاثر الذي ألقى بهن في هذا المعتقل.. لا شيء أقسى من حبس الروح.. فالمرأة في بلادي طلق كأرنب جميل أودع قفصاً..فهي غير قادرة على الحراك هنا وهناك..لقد شلت حركاتها تماماً وأصبحت غير قادرة على الفعل..كان بجانب السلك جندي إيطالي يرمقها دائماً بنظرات مفترسة..كانت تشعر بالخوف فكانت عندما تقفل راجعة ينتابها الخوف من ذلك الجندي.. ذات يوم أرادت أن تتمرد على ذلك السلك فحاولت القفز من فوقها فرمقها ذلك الجندي واندفع نحوها بقوة كالثور الهائج..لم تقاوم كثيراً لكنها اندفعت بكل قوة لتدفعه خارجاً ثم تهرب إلى الخارج..لكن السلك التوى على رقبتها لم تعد تشعر بذاتها لقد قفزت إلى ناظريها وهي تعاني الألم صورة ذلك الراعي وهو يسرح بأغنامه فوق التلة وهو يصيح بمزماره ذي النغمات الحزينة..انطلق السائل الأحمر بتدفق من رقبتها..ثم غابت (صابرة)  عن الوجود.

________________________

نشر بموقع بوابة أفريقيا الإخبارية.

مقالات ذات علاقة

الـبـحــر

جمعة بوكليب

جدار ناري

سعاد الورفلي

وازا والعجوز الشقراء

المشرف العام

اترك تعليق