النقد

السحاتي.. لغة الصمت والبحث عن نوافذ للضوء

غلاف المجموعة القصصية شواطئ الغربة.
غلاف المجموعة القصصية شواطئ الغربة.

يوثق الكاتب خالد السحاتي في مجموعته القصصية «شواطئ الغربة»، ومضات من سيرة إنسانية لمنفاها الداخلي، أو حيث تجهد في فهم عثورتها الأبدية واقتفاء أثر مسارب الخلاص من عذاباتها المتلاحقة.

وكذا كيف يمكن جعل مواقفنا الغامضة وأفكارنا المشوشة أكثر عرضة للتشريح والمساءلة.. ذلك جزء من حكاية لأقاصيص تكتنفها ومضات المجموعة تتجاذبها فيوض داخلية بين الوجد والحضور الإنساني العام مظللا بأنفاسه جسد السرد.

يتناوب صوت البطل بصيغة الراوي أو بفعله المباشر وعلى وقع نصي بضمير المخاطب والمتكلم تتلبس الحالة الاغترابية شخوص القصص ويغلب عليها الطابع الهروبي أو الاستسلام للواقع، كانعكاس لطقس حياتي تلفه النمطية والتكرار والوحدة، فتفر منه الى ذاكرتها، لذلك فهي ماضاوية، مكتفية بالصمت والاستماع الى موسيقاها السالفة تجسده عناوين «أطلال، رحيل، هروب، هجرة…».

> نموذج مقاوم

القاص خالد السحاتي
القاص خالد السحاتي

لكن شواطئ الغربة برغم الإشارات السابقة لا تلتصق تفاصيلها بضعف مطلق، فنموذج المقاوم ربما يظهر في شخص الكاتب الذي يحاول امتصاص ضباب أوغباش الأجواء باللجوء إلى جوانيته بغية إيجاد صيغة لتفادي الوقوع في الوحل.. وحل العالم الفيزيائي، وربما ترتفع هذه اللغة في وجه «السكون» وتتحول في قصة «ضجيج الصمت» إلى فضاء ميتافيزيقي خالص أبطاله الصمت والزمن والسراب، لكأنما ذلك انتظار لرؤية جديدة تنتصر للمستقبل.

كما تنهض بعض نصوص «شواطئ الغربة» مثل «انتظار، طوابير، فرار، زخات» على استحضار الآني أو إحداث هزة في معادلة البناء النفسي للأفكار، فنلحظ نشوة عابرة من الفرح ومحاولة لإزاحة القتامة، صراع مع موجة الإحباط السائدة، وهي أشبه بإلقاء حجر في بركة السكون القاتل، إننا نبحث في الأقاصيص رغم طابعها الحزين عن إرهاصات للضوء والتقدم ولو بخطوات مترددة والصراخ أننا نقول الحقيقة وحسب.

إلا أن تلك الشحنة من الانفعالات المنتصرة للتجديد لا تلبث العودة إلى مدارها الأول، فهي مشدودة بقاموسها الجنائزي الأثير كلما توافرت ظروفه.

وتتشابك القصص في سياقها النفسي مع منحى تعبيري، لا يروم للمبالغة، لكنه يعبر بهذه الكثافة النصية إلى حيث تنجز حضورها بعيدًا عن الإيحاء بتأويل محدد، مقتفيًا شكلا أميبيا مربكا ومتواصل الحركة، هذه التسارع نحو صيرورة المتاهة، يتدفق متحديًا حالة الجمود كما يقول في نص انتقام: «لم يعد يطيق النظر إلى هذه الصورة، ولا البقاء أسير هذا العجز المدمر».

هكذا تنزع اللغة رواسب الزمن، وتعيد تشكيلها مرة أخرى الى نظم يحاكي مسوغات انصهارها وتقلبها وعنفوانها، تشدك إلى التفاصيل، وتقذف بك أيضًا إلى خارج دلالاتها، وفي مقابل ذلك تبقيك متأهبًا لتقبل أي اصطدامات قادمة، فهي تصف مجالًا واسعًا من الأحاسيس والانطباعات والعواطف الجياشة، فجسر التنهدات في الأقاصيص مخزون من المصارحات والمتناقضات المرحلة المسنودة بالوجع.

مقالات ذات علاقة

هل لدينا نقاد؟

أحمد الفيتوري

رواية «بوق»: السرد بوصفه إدانة للحرب وتبجيلا للموسيقى والتسامح

المشرف العام

صورة المرأة في العمل الدرامي… (روبيك) لغز الحياة

المشرف العام

اترك تعليق