من مجموعة تواصل للنحات عبدالله سعيد.
قصة

الساعة

من مجموعة تواصل للنحات عبدالله سعيد.
من مجموعة تواصل للنحات عبدالله سعيد.
تصوير: حسن المتربح.

1

كنا في انتظار الساعة الخامسة مساءً.. أو بالأصح في انتظار الجنرال.. نروح ونجيء.. نتفقَّد المنصة.. والزينة.. صحيح أنَّ المنصة متواضعة بعض الشيء.. وبالكاد تتسع للجنرال ومرافقيه.. لكن ماذا بوسعنا أن نفعل أكثر من ذلك.. فنحن في القرية لا دراية لنا بتجهيز الاحتفالات.. ورغم هذا أخذ منظِّمو الاحتفال يُنبِّه بعضهم بعضاً إلى أي خلل.. مهما كان طفيفاً.. فالجنرال ـــ والحق يُقال ـــ دقيق في مثل هذه الأمور.. يتفطن إلى أيّ شيء.. لا يسمح بأي تسيُّب.. هكذا علَّمته الحياة العسكرية الصارمة.. فالأمور يجب أن تكون من الدقة بحيث تكون كالساعة.
على ذكر الساعة.. فقد تجاوزت الثانية بقليل.. ثم انظروا إلى ذلك العَلَم الذي الْتَوَى بفعل الريح.. يجب أن يصعد أحدكم لإصلاحه.. فالعَلَم المرفرف يجعل المرء يُحسّ بالزهو.. وإلا فلماذا وُضعت الأعلام أصلاً؟ هل انتهيتم من طباعة الطلب.. فالجنرال في عجلة.. هل فِرَق الكَشّاف والفِرَق الرياضية والفنون الشعبية جاهزة.. إنه لا يريد أن يتجاوز الاحتفال ساعةً واحدة.. كم بلغت الساعة؟ الثالثة؟ هل انتهيتم من طباعة الورقة؟ كل شيء واضح في الطلب؟ المدرسة والمستوصف والبئر والخزان العلوي؟

2

… وصل موكب الجنرال..
ـــ كيف؟ الساعة أربعة بَسّ!
ـــ تأكَّدتم أنه قال الخامسة؟
ـــ بكل تأكيد.
ـــ كارثة.. لم تصل الفِرَق بعد.
ـــ ولا حتى الخَيّالة.
ـــ الجنرال يموت في الخيل.
ـــ ما العمل؟
ـــ فيه خلل ما.
ـــ لكن الطلب جاهز.
ـــ فيه الخَزّان العلوي؟
ـــ أي خزَّان علوي!
ضاعت الأصوات في زخم الهتاف.. والتصفيق.. والزغاريد.

3

ترجَّل الجنرال.. بذلة بيضاء لامعة مَكْوية بعناية.. لو خرج منها الجنرال لوقفت لوحدها! صدر مُرصَّع بالأنواط الملونة.. فوق رأسه (كاب).. تحت إبطه عصا الشرف.. في قدميه حذاء أسود لامع هو الآخر.. باختصار كل شيء في قيافته يلمع.. بل ويُغري باللمس! إذا أردتَ أن تضع عنواناً لتلك اللحظة فهو (البريق والجاذبية).. التفَّ حوله وجهاء قريتنا.. اتّجه ناحية المنصة وهو يُلوِّح للجماهير.. يلمس أيديهم بكلتا يديه على الجانبين.. انحنى على طفلة صغيرة وقبَّلها.. قبَّل رأس إحدى العجائز.. ثم جلس على الكرسي.. أخذ يتلفَّت.. وينظر إلى ساعته.. أشار إلى أحد حُرّاسه.. فانحنى على كتفه.. فهمس الجنرال في أذنه شيئاً.
هل لاحظ قِلّة الجمهور؟ أم لاحظ غياب الفَرِق؟ ربما يتساءل عن عدم وجود الخَيّالة؟ نزل الحارس من فوق المنصة قاطعاً كل الشكوك:
ـــ المفروض أن يبدأ الاحتفال الآن.
ـــ الآن؟!
ـــ تَوّا.
تلعثم المختار:
ـــ لَم نستعدّ بعد.. مازالت ساعة كاملة.. الساعة الآن الرابعة فقط.
نظر الحارس إلى ساعته.. هَزَّ رأسه.. عاد مسرعاً إلى المنصة.. انحنى على أذن الجنرال.. فنظر إلى ساعته.. زَمَّ شفتيه.. وفتح كفيه علامةً على الاستغراب.

4

ـــ ما فيش حَلّ ـــ قال الحارس ـــ ساعة الجنرال خمسة.
نظرْنا إلى بعضنا في حيرة.. لم يجرؤ أحد على القول بأنَّ ساعة الجنرال متقدِّمة ساعة كاملة.. كثر التلفُّت.. والنظر في وجوه بعضنا البعض.. في تلك اللحظة كان الجنرال ينظر ناحيتنا.. أو بالأصحّ ينظر إلى حارسه الواقف بيننا.. ثم نقر بسبَّابته على الساعة عدة نقرات سريعة.. فاقترح الحارس على المختار أن يصارح الجنرال بالأمر.. وليكن ما يكون.
بلع المختار ريقه..
ـــ آه.. ليكُن ما يكون.. من السهل قول ذلك.. ماذا تخسر أنت؟! سأفعل.. سأصارحه.. هل سيأكلني.. أو يأخذ ثَوبِي؟!
قدَّم رِجلاً وأخَّر أخرى.. أو على وجه الدقَّة قدَّم عنقاً وأخَّر أخرى.. نفخ صدره.. ثَّم اتّجه إلى المنصة.. وحين أراد الصعود تعثَّر في الدرَج.. وفي لحظة يحار المرء في تسميتها.. أهي إلهام؟ فتح؟ لحظة ربّانية؟ أو ربّما شيطانية؟ قام مختارنا بضبط ساعته على ساعة الجنرال.
***

(2000)

مقالات ذات علاقة

قصة قصيرة

مريم الأحرش

الــــــــــــــوداع

إبراهيم الككلي

شعر مستعار

هدى القرقني

اترك تعليق