المقالة

الزي الليبي والزي الإسلامي

جمال صالح الهنيد

الزي الليبي التقليدي

ربما لفت انتباهك أيها القارئ الكريم من عنوان المقال أني عطفتُ الزي الإسلامي على الزي الليبي، فإن استغربت هذا العطف؛ فأنت محق، لأن العطف في اللغة يقتضي المغايرة… أي أن الزي الليبي يُغاير الزي الإسلامي ويختلف عنه. فلا يصح في اللغة بلاغياً أن تعطف أشياءًا على بعض إن كانت من نفس الجنس أو النوع أو الصنف، فمثلاً لا يصح أن تقول: جاء الأولاد والأولاد، بل تكتفي بقول: جاء الأولاد، ولك أن تقول جاء الأولاد والبنات، لأن البنات غير الأولاد؛ وهذا هو معنى “العطف يقتضي المغايرة”. ولذا… فأنت محق إن تساءلت:  لماذا هذا العنوان للمقال؟  أليس الزي الليبي بزي إسلامي؟… وإليك الجواب!

لقد رأيتُ في زيارتي لليبيا بعد الثورة ظاهرة لم تكن موجودة قبل خروجي من ليبيا سنة ١٩٧٩، وهي ظاهرة لبس الليبيين – رجالاً ونساءًا- لأزياء دول الخليج. رأيت النساء متلفعات بالعبايات السوداء ومع العباية إما خمار أو نقاب، ومنهن من لبست قفازات سوداء.

ورأيت بعض الرجال الليبيين يلبسون الثوب السعودي أو الدشداشة الكويتية ومنهم من يلبس في يوم الجمعة في المسجد الدشداشة نص الكم التي هي لباس بيت ولباس نوم عند أصحابها الأصليين ولا يلبسونها للصلاة في المسجد خاصة في يوم الجمعة لأنها ليست من لباس الزينة التي أمر الله به عند ارتياد المساجد، كما لفت انتباهي بعض أئمة وخطباء المساجد الليبيين يلبسون الثوب والغُترة السعودية بدون العقال يقلدون بلباسهم هذا بعض العلماء السعوديين، فأثارت هذه الظاهرة ﺷﻴئاً من الفضول لدي.

لماذا لبست بعض النساء الليبيات العباية والخمار والنقاب والقفازات السوداء؟ وتركت الزي الليبي التقليدي أو الزي المحتشم الحديث الذي تلبسه كثير من النساء الليبيات الملتزمات من جلباب أو فستان طويل أو قميص يصل في طوله للركبتين وتحته بنطلون واسع ووشاح يُغطي الرأس والرقبة والصدر وتتناسق في هذا الزي الألوان ولا يقتصر على اللون الأسود فقط. ولماذا ترك بعض الرجال وأئمة المساجد الزي الليبي من جلابية أو سورية وسروال وفرملة وزبون (بدعية) وشنّة ولبسوا الثوب والغُترة؟ ولماذا تَرَكُوا الجبّة الليبية ولبسوا البشت الخليجي؟ هل هذا التغيير في الزي عند بعض النساء الليبيات لظنهن أن الزي الليبي ليس بزي إسلامي؟

إذا كان هذا هو السبب، فهذا الظن يستحق وقفة… فليس ثمة زي اسمه “زي إسلامي” جاءت السنة به ووُجب اتبّاعه في تفصيله ولونه وموضته، وما سواه يحرم لبسه، فليس الزي السعودي زي إسلامي بل هو زي سعودي، وليس الزي الخليجي بزي إسلامي بل هو زي خليجي.

إن الأصل في اللباس الإباحة، وأي لباس يستوفي الشروط التي جاء القرآن بها وبينتها السنة فهو لباس إسلامي. ولقد بينت السنة ما يجب ستره من عورة الرجل وعورة المرأة، وسوى ذلك من لباس فهو في حكم المباح.

كانت المرأة الليبية الملتزمة قبل تبنّي  العباية السوداء تلبس الجرد أو الفراشية فلا يُرى منها إلاّ عينها اليسرى، أو تلبس جلباب أو فستان طويل أو قميص محتشم وتحته بنطلون وتغطي شعرها ورقبتها وصدرها بوشاح ووجهها سافر مكشوف، وللإثنين أدلة شرعية فيما فعلت الليبيات. أما لبس الجرد أو الفراشية فلا يبان من المرأة إلاّ عين واحدة، فإن عبدالله بن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى {… يُدْنِين عليهن من جلابيبهن} يقول: “أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة، أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب يبدين عيناً واحدة”. وفِي حديث آخر يقول: “أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلاّ عين واحدة تبصر بها”. لذا لا يظن أحد منكم أن ما فعلته أمهاتنا وجداتنا هو زي وطني وتقليد اجتماعي لا يمت للإسلام بصلة، بل هو كما ترى له أصل شرعي.

وأما كشف المرأة لوجهها وأنه ليس بعورة فعليه آراء علماء معتبرون في كل أقطار العالم الإسلامي… وفي كشف الوجه أحاديث كثيرة منها الحديث الصحيح الذي روته عائشة: “أن كان رسول الله ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمُروطِهن ما يُعرفن من الغلس”. والغلس هو اختلاط شدة ظلمة الليل بأول ضياء النهار. وهذا الحديث يُثبت أن النساء كن سافرات الوجوه، ولم يكن متنقبات ولا متخمرات، ولو كن كذلك، لكان الذي يمنع معرفتهن هو النقاب أو الخمار، ولكن الحديث يدل على أن المانع من معرفتهن هو الغلس أي ظلمة الليل.

لذا… ليس على المرأة إثم إذا كشفت عن وجهها، وليست هي أفضل من غيرها إن هي لبست العباية السوداء والخمار أو النقاب والقفازات السوداء. نعم … إن الأصل في اللباس الإباحة كما تقول الشريعة، ولقد لبس الرسول صلى الله عليه وسلم لباس كفار قريش.

______________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

مازال عكازه يقرع بيوت الأصدقاء

سالم العوكلي

ثقافة الصورة لا تتناقض مع ثقافة الكلمة

المشرف العام

فضيلة الكلام

عادل بشير الصاري

اترك تعليق