المقالة

الزواج من بنت السلطان

من أعمال التشكيلي محمد بشير
من أعمال التشكيلي محمد بشير

لطالما حلم الرجل العربي بالزواج من بنت السلطان، ومع ذلك فقد كان على يقين باستحالة تحقيق هذا الحلم، لأن قصة الصياد الفقير الذي تزوج من بنت السلطان كانت تروى في نفس الجلسة التي تروى فيها قصة الغول، والدابة ذات الرؤوس السبع، وعائشة بنت الحوَّات، وميمونة التي عجزت عن حفظ سورة الفاتحة ومع ذلك تفوقت على سيدي عبد القادر الجيلاني في معرفة الله.

لقد تربى ذلك العربي منذ نعومة مخالبه على أن مجرد الإقتراب من السلطان أو من إحدى بناته هو معجزة من المعجزات، وخارقة من الخوارق لا يمكن أن تتكرر، ولا تحدث في الكون إلا مرة واحدة.. تماماً كهزيمة الغول أمام أحد بني البشر، أو انقسام عائشة بنت الحوات إلى عائشتين، أو ركض ميمونة على الماء، أو قيام سيدي عبد السلام بإعادة (اعسيلة) من بلاد الروم.

ومنذ ذلك الحين، وإلى هذا الحين وربما إلى أحيان قادمة لا يزال وسيظل ذلك العربي يخشى السلطان كما يخشى الغول، والدابة ذات الرؤوس السبعة، ويحب السلطان كما يحب الأولياء الصالحين.

ورغم أنه تعلم أن يسب ويلعن السلطان في غيابه، إلا أنه لم يتعلم كيف يقبل يد السلطان في حضرته فحسب، بل تعلم أن يلغي حضوره في حضور السلطان، وأن يخضع ويستسلم له كما يخضع ويستسلم للنوم الذي يسلبه إرادته ووعيه.. بل وحياته برمتها!.   

إن ذلك العربي البائس الذي تربى على قصص الخوارق لا يُمكنه أن يتجرأ ويطلب يد بنت السلطان، وحتى وإن حدث ذلك في غفلة من الرقيب وأغمض عينيه وهو يُعانق وسادته الحرشة فإنه يعلم يقيناً أن دوره في هذا الزواج (الحلم) لن يتعدى دور ذكر النحل.

إن ذلك الحلم الذي شغل منام العربي ويقظته؛ تقريباً منذ أكثر من 1500 عام، وتحديداً منذ أول قصة سردتها له جدته (خندف) وإلى نهار اليوم، لم يحدث أن انعكس هذا الحلم صدفة أو عمداً، يقضةً أو مناماً، ولو لمرة واحدة، بحيث تتحول بنت السلطان إلى فتاة من عامة الشعب، ويصبح الزواج منها حدثاً عادياً تماماً كالزواج من ابنة الدبَّاغ أو ابنة الإسكافي أو حتى ابنة بائع الزلابية.

ولكن.. ما الذي يجعل ذلك العربي البائس يتجرأ في حلمه على الزواج من بنت السلطان، رغم يقينه العميق باستحالته، ولا يتجرأ على الحلم بأن تتحول بنت السلطان إلى فتاة عادية لا تستحق عناء الحلم، واعتناء الحالمين؟؟

السبب يرجع إلى تلك القصص التي تشربها ذلك العربي مذ كان طفلاً، وتأسست عليها مفاهيم أعماقه، وتكونت على أساسها شخصيته، وتشكل من وحيها كيانه.

فتلك القصص التي حكت ولمرة واحدة يتيمة أن ابن الصياد قد تزوج من بنت السلطان، دون ذكر لاسم ابن الصياد أو اسم السلطان أو اسم ابنته أو اسم أو تاريخ دولته، هي نفس القصص التي حكت آلاف المرات عن ذلك السلطان كيف كان يقطع الرؤوس دون ذكر لسبب هذا الحكم العنيف، اللهم إلا عدم رضاه عنهم، وكيف يملأ أفواه الشعراء والمادحين ذهباً، دون أن تذكر تلك القصص ولو لمرة واحدة أنه تمت محاسبة أو مساءلة أي من السلاطين عن تلك الأموال التي يلقونها في وجوه مادحيهم.

إن الحلم الذي سمح لذلك العربي بأن يتسور على بنت السلطان ويرى ساقيها، لا يُمكنه أن يسمح له بأن يتخيل نزول الأميرة عن قصرها، لأنه لم يخطر ببال من حاك أو من حكى تلك القصص أن بنت السلطان هي فتاة عادية لا تختلف عن أي فتاة من فتيات العامة سوى في أن أباها استولى على السلطة، وقطع رؤوس معارضيه، واشترى ذمم الشعراء والمادحين بأموال من يحكمهم، بينما بقي أولئك العامة فقراء تعساء مقهورين، لا يتجرأون على الاقتراب من السلطان أو من أسوار قصره إلا في أحلامهم العبيطة.

إن ذلك العربي الذي يحلم بالزواج من بنت السلطان لم يسبق له أن كحل عينيه برؤيتها، لأن بنت السلطان لا تخرج من قصرها، ولا تخالط بنات العامة، بل يأتيها رزقها رغداً، وتُجبى إليها ثمرات كل شيء، وتجد ما أرادت حاضراً قبل أن يرتد إليها طرفها، حتى لو كان المرغوب زوجاً مفصلاً على مقاس رغبتها..

لكن السؤال هنا: كيف يمكن للعربي أن يحلم بشيء لم يره؟

الجواب يكمن في تلك الخلطة من القصص التي تربى عليها، فهو أيضاً لم يرَ الغول والدابة أم سبع رؤوس، ولم يرَ سيدي عبد السلام الأسمر وهو يقطع البحر الأبيض المتوسط مشياً على قدميه من شواطئ (بورقيَّة) إلى شواطئ لامبيدوزا ليحرر (اعسيلة) من السبي رغم أنف الروم وأنف قوانين الفيزياء.. وأنف عقولنا.

إن تلك القصص هي التي رسخت المخاوف من كائنات خرافية، ومن أناس ماتوا وشبعوا موتاً، هي أيضاً التي رسخت في أعماق أعماقه أن السلطان وابنته مخلوقون من خلطة طينية نادرة تختلف اختلافاً جوهرياً وشكلياً عن تلك الطينة الآسنة اللازبة التي خُلق منها عامة الناس.

صحيح أن ذلك الزمن قد ولى، وأن تلك القصص قد صارت من الماضي، لكنها مع ذلك لا تزال تحكم وتتحكم في مفاهيم أعماق المواطن العربي، ويمكنك أن ترى ذلك في عشقه للمستبد، ودفاعه عنه وتبريره لأفعاله، وسكوته عن انتهاكاته!.

مقالات ذات علاقة

مشارف

المشرف العام

معاقل تعذيب الأطفال في ليبيا

محمد علي المبروك

احمل كفنك واتبعني

منصور أبوشناف

اترك تعليق