من أعمال التشكيلي عادل الفورتية
قصة

الزعيم

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

بعد منتصف الثمانينات بقليل استلمت أول وظيفة ‎لي في سوق الشغل، كمشغل بدالة في فندق الواحات الذي يتوسط شارع عمر المختار في طرابلس، وكان الواحات في تلك الفترة واحداً من أهم الفنادق في البلاد بأدواره الستة عشر وواجهته الزجاجية الجميلة العالية. وبسبب ظروف دراستي الجامعية كنت أداوم بالوردية المسائية من الساعة الرابعة إلى ما قبل منتصف الليل، أو بالوردية الليلية من الليل حتى الصباح.

منذ أول يوم في الدوام، تكرر اسم الزعيم مرات ومرات، على نحو (خليها توا إيجي الزعيم يوقعها) (لا لا حتى الزعيم قال هكي صح) (الزعيم حل مشكلة الغرفة) (منو شاف فاتورة الزعيم) (الزعيم بيحول العشية) (الزعيم بيحول الصبح) (مفتاح الخزنة عند الزعيم).. واستمر هذا الاسم يتردد حتى كرهت الزعيم قبل ان التقيه، وبطبيعة البدوي الوافد على العاصمة جديد، تجنبت أن أسال: من هو هذا الزعيم؟؟، وانا الذي كان لا يسمع الا بزعيم واحد للبلاد، لذلك قررت أن اكتشف شخصية الزعيم بنفسي، معتمداً على وظيفتي في البدالة، فلابد أن يتصل زعيمهم، وهكذا قررت انه زعيم على نفسه وعليهم.

فقط لو يتصل هذا الزعيم بالبدالة، سوف أضعه في حجمه، وسوف يعرف أن زعامته لا تعنيني، وسوف أقفل السماعة في وجهه. لا..لا.. سوف أتجاهل الرد عليه بسرعة، ثم أطلب منه وبحدة أن يرفع صوته، حتى وإن كان صوته مسموعا، فالمهم أن اصرخ في وجه الزعيم..!!، سوف اطلب منه بكل تعالٍ أن يُعرِف بنفسه وإذا قال انه الزعيم عندها سوف أطيح ببرجه العاجي بلمسة زر واحدة: انت زعيم على روحك.. وخوفا من أن يكون مخابرات او أمن الداخلي وهذا أمر ليس بعيد الاحتمال، فلابد من الاحتياط، ببحة صوت مختلفة وبجملة قصيرة بسيطة فقط نختم بيها قبل ما نقفل السماعة: البلاد فيها زعيم واحد بس (وطب) نسكر السماعة.. وهكذا لا مجال له ان يستدعيني للتحقيق وأنا ما خاسر شيء بالعكس أكون قد اطحت بالزعيم قبل ان اراه. هكذا خططت وترقبت اتصالاً.

لكن الزعيم لم يتصل، وصبري بدأ ينفذ، وأنا الذي قررت مجابهته بمجرد سماع صوته قبل ان أراه، وطالت المدة مر الشهر الأول طويلاً دون أن يظهر الزعيم، ولكنه كان حاضراً دائما أسمه الذي يتردد بات يزعجني، رغم أنه موظف خزينة عادي مثله مثل أي موظف خزينه بفندق محشور في مكتبه الزجاجي مع كرسي وطاولة وماكينة (أن سي أر).

الزعيم يصل بعد منتصف الليل، فكرت مرة في انتظاره، لكن حافلة الفندق لا يمكنها أن تنتظرني حتى يصل بسلامته. وذات يوم أخدت الأمور منحى أخر مختلفاً تماماً، وتحول الفضول لرؤية الزعيم من مجرد فضول ورغبة مؤجلة للتشفي منه، إلى كابوس حقيقي وضرورة ملحة لم تعد تحتمل التأجيل، وذلك حين طلبني المدير مرة لمكتبه لمراجعة بعض فواتير الاتصالات المتراكمة على بعض الجهات العامة وبعض الزبائن، دخلت وجدته يتحدث بسماعة الهاتف الداخلي يرغي ويزبد. وأشار لي بيده جلست وأنا اسمعه: (ليش ال…..).. (شنو هالم..) (قول للتيتاح يجيني توا في مكتبي)…

أخيراً اقفل السماعة .. لكنه أستمر يحدثني بحدة اقل مستعرضا (تموديره) وعدم رضاه من وردية البدالة في العشية .. وأنا أستعد للرد طرق خفيف ع الباب، فوت الفرصة على المدير ليسمع ردي… دخل التيتاح مشرف المطعم المغربي ببدلته الزرقاء المخططة، وبوجه الملون بكل اشكال الارتباك، ودون ان يتكلم مد الفاتورة للمدير…

– شنو اللعب هذا ؟؟ هاذي مش خدمة، ، شنو ها الفوضى، معقولة يا تيتاح تفوت لازم تلغيها…  لكن التيتاح رد بكل ثقة.

– لا يا أستاذ شافها الزعيم وقال عادي تقعد كما هي..!!

ضربة غير متوقعه من التيتاح أصابت راس المدير فزم شفتيه.. أمم. أمم ومرة أخرى أمم أمم.. واخيراً نطق:

– متأكد ان الزعيم شافها… هز التيتاح راسه مؤكداً

لم يرد المدير لكنه طلب مني أنا والتيتاح مغادرة مكتبه وغادرنا..!!

لا لا (هكي خلاص) لم أعد احتمل حتى أنت يا سيادة المدير، الفندقي المخضرم بشهاداتك الفندقية من النمسا، أنت يا سيادة المدير الذي قضينا ساعات ونحن نخمن من تكون؟ عقيد في الخارجي؟ والا مقدم في الداخلي؟ والا استخبارات؟ والا من المتحركين؟ والا من الرفاق؟،، المهم كنت حاجة كبيره توا خلاص انت مدير عليهم هما بس اللي يخمنوا ومش عارفينك من تكون بالنسبة ليا بعد ورقة التيتاح أنت مديرك الزعيم.!!!

قررت أن انتقل للعمل بوردية الليل، وتحججت بكل الوسائل فتم رفض طلبي بعدم وجود بديل، وأشار بعض زملائي على بالاستعانة بالزعيم..!! أنا أستعين بالزعيم.. صبركم بس توا تشوفوا زعيمكم هذا كيف نقرا اوراقيه كلها… المهم أخيرا وافقت الإدارة على طلبي وثم نقلي وباشرت العمل بوردية الليل وردية الزعيم.

أول ليلة لي في العمل، وصلت قبل أن تبدأ ورديتي، وكنت مرتبكاً جداً، وأنا اترقب وصول الزعيم، حتى أنني تجاهلت دونما ان اقصد ترحيب الزملاء بي، وأيضا عاملت الزبائن بجفاء، والغيت عدة مكالمات دولية وداخلية، المشكلة ان اسم الزعيم تكرر كثيرا جداً جداً في أول ليلة، فالمفروض ان الزعيم وصل الان لكن الغريب حسبما فهمت من الزملاء ان ليس من عادته ان يتأخر…

فجاءة سألني أحدهم هل اتصل بك الزعيم؟ وأجبت بسرعة وبقلق لا شنو فيه!! حتى انا قلقت على الزعيم قبل أن اراه، وتوالت المكالمات تسال على الزعيم ولماذا تأخر؟ قسم الحركة، قسم الخزينة وقسم الصيانة، من النادل في المقهى، من موظف أمن الفندق في الباب الرئيسي، ومن زميله في الباب الخلفي ..!! كل وردية الليل تقريبا قلقة بسبب عدم وصول الزعيم….!!!

مرت ساعة وساعة أخرى ولم يصل، تغيرت الأجواء في قسم الاستقبال والخزينة والمقهى الأرضي من الكآبة الى القلق والخوف، وأنا راسي يكاد ينفجر كيف يسال كل هؤلاء بقلق حقيقي وخوف عن سبب تأخر الزعيم؟؟ ورغم تظاهري بعدم الاكتراث كنت أنا أكثرهم قلقا..!! أحدهم رمقني بنظرة غريبة مفادها ان قدومي نذير شؤم..!!
في الصباح وقبل أن اغادر بقليل استقبلت مكالمة:

– الو
– الو صباح الخير فندق الواحات تفضل.
– بلغ الزملاء ان الزعيم مات…..
– الو… الو
– طوط.. طوط.. طوط..

_______________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

الـسـوق

يوسف الشريف

العِقْد…

أحمد يوسف عقيلة

القلم

فتحي محمد مسعود

اترك تعليق