النقد

الروائي الليبي “إبراهيم الكُوني”.. في رواية (التِّبْر)

مملكةُ الصحْراءِ المهيبة

تكشف أن الإنسان أكثرَ خطراً على الإنسان من الموت أو الشيطان !!

 

مدثر حسن ياسين-السودان

ترتدي أغلبُ -إن لم يكن جلُّ- أعمالِ الروائي (إبراهيم الكُوني) أثوابَ الصَّحْرَاءِ.. وشَرَانِقَ سَرَابِها الزَّاحفِ على الأُفق بامتداداتِه الشاسِعة.. تَنْغَمِس لغتُه المُدْهِشَةُ في مُحيطِ الظِّلالِ الُمنْفَرِشَة على حَوَاف التلال الرمليَّةِ مباغتةً القارئ بسِحْرٍ مُمَيَّزٍ.. آسِرٍ.. جاذبٍ.. ومُؤَثِّرٍ.. يُشرع للعينِ ناصيةً رحيبةً لرؤيةِ (مملكة الصحراء).. الطوارقُ بعمائمِهم بسُحَنِهم البيضاء والسوداء وأثوابهم المُلَثِّمَةِ الخانِقَةِ…. بِيُوْتُ الجان.. كُهوفُ السَّحَرةِ.. مخابئُ المتصوفةِ (تيجانية وقادرية).. تتناثر في الصحراء كالأضرحةِ.. كالأزلام.. نصف غارقة في بحر الرمل وكحبات ياقوت انفرطت من عقدِ بدويَّةٍ حسناء تبعثرت في قِعُور الأودية السحيقة ونامت على راحة التسابيح والخطرفات والطقوس الغريبة.

مع أنَّ اجْتِذَابَ الصحراء لأعمال (الكوني) الروائيَّة يُفْقِدها مشَاهد المدينة المُتْرَفةِ بخضرة الشَّجَرِ وصَخبِ الأُمْسَياتْ.. إلا أنها تظلُّ أكثر سخاء بمعطياتها من دراما الحياة على الهوامش النائية المنعزلة.. تمتزج فيها الأحزانُ بترانيم الموسيقى الحزينة أو تتشح بضياء الشمس عندما تترنح عائدة الى مغربها الحزين.. فيكوِّن كلُّ ذلك خلفية رائعة لحوارات تتصف بالوعي تَجْسِرُ بيَن (العُزْلَةِ) و(الاجتماع) ، وتُصوِّرُ قوَّةَ الإرادةِ الحديديةِ لسكان هذه المملكة الذين تفتَّحت عيونهم على فناءات الخَبْتِ فاحشة الوحشة.. أبَت إرادتُهم النزوحَ عنها الى المُدن والبلدات القريبة من تخُوم الصَّحْراء.. هؤلاءِ القومُ الذين مثَّلت غرائزُ نشأتهم المعزولةِ وطبيعةُ طفولتهم الخشنة أبجديةَ تعلقهم بالصحراء بحسبانها وطنهم الفسيح الممتد.. ألِفوا الصحراءَ وعشقوها وأصبحَ الإصرارُ على تشبُّثِهم بكُل حبَّةِ رملٍ فيها رهانََهم الذي لن يَنْدحرَ أبداً ولن ينفلِتَ من عزيمتهم وإرادتهم مهما تكالبت عليهم الكوارثُ والفجائعُ.. (الصحراء) هذا الحيد المكاني المنفرج على رحابة الخوف والرهبة والوحشة.. يهيمن فيه المنْطُوقُ الجمعي للقبيلةِ على رُؤى الأفرادِ مؤسِّسا سلطةً جَمْعِيَّةً قد يكون جزاءُ الخارج عليها الحرمانَ من المجتمع الحميم والإفلاتَ في مَفَازةِ العُزْلَةِ والتعرُّض لشرور نزوات الأغراب من المرابيين والأوباش وحثالة مجتمع الصحراء من جهةٍ والتعرُّض لجبروت الطبيعة المتمثل في معاناة البرد القارس أو القيظ الحارق… فسلطةُ الَجْمع تحمي العشيرةَ وتَسِمُها بطابع السيادة وتنظِّم شئونَ أفرادها وتجعل لهم وطناً مأموناً وسط فجاج الصحراء.

أدبُ الصحراءِ.. أدبٌ واسعٌ سعةَ أرضِها.. غريبٌ غرابةَ طقُوسِها وحميمٌ كما تجسده حياةُ مجتمعات (الطوارق) فيها.. أدبٌ مخيف بقدر ما هي مخيفةٌ الصحراء.. الموتٌ الملِّوحُ بِلَسانِ الأفعى القَرْنِية المخيفةِ المندسة تحت الرمل.. ينتظرك خلف كل فصل من فصول روايات (الكُوني).. والحياة في كثير من الفصول سقيمةٌ.. باردةٌ.. غير واعدة بعطاءٍ مالم تتدخل الإرادةُ والعزيمةُ لتساند المقادير بقدرٍ من الحَظِّ لتجاوز كل هذه الامتدادات المذهلةِ للطبيعةِ.. ما دُمْتَ تتابع ملامحَ من حياة (الطوارق) معاناتهم وفلسفتهم عبر قنوات فضائية عريقة ومتخصصة ورفيعة المستوى في مجالات الكشف والتحليل الديموغرافي (مثل قناة Animal Planet أو قناة National Geographic ) فليس من الصعب عليك أن تندمجَ في حياة الشخوص في أعمال (الكُوني) الروائية.. فهي حياةٌ تستلهم قدرتها على البقاء من الواقع والخيال في آنٍ واحدٍ.. فالواقع الذي تجسده الصحراءُ وصعوبةُ الحياة فيها يماثله الخيالُ الذي تُجَسِّده أساطيرُ الصحراء ولياليها المليئة بالرهبة والظلمة والوهم.. فكأنما الواقع كلما أنهكه طولُ الصِّراع تريَّثَ قليلاً ليقتبسَ من الخيال جنوناًً يُعِيْنه على بقية المشوار المتبقي والذي هو سَفَرٌ أبديٌّ ليس إلا.. قد لا ينتهي الى محطةٍ سوى التي التي تقاطع عندها السماء مع الأرض.. خط الأفق حيث ترسم السماء قُبْلَةً أبديَّةً على خدِّ الأرض.

في روايته (التِبْر).. لم يجعل (الكوني) الإطارَ المكاني محدوداً مع أنه استخدم دائرةً حواريةً قصيرة محدودة بقلَّة الشخوص فقد اختار كلَّ الصحراء لتكون عالمه المحكي.. فالحوار في الغالب بين بطل الرواية (أوخيِّد) و جمله (المهري الأبلق) الذي لا يوجد مثيلٌ له بين كل إبل الصحراء.. وقد أفلح (الكوني) كثيرا في التحكم بالمساحةِ الزمنيَّة حيث يبرق من منظورها القصصي أكثرُ من زمان وأكثر من حزن وأكثر من ضعف وأكثر من تداعٍ وأكثر من حياة وأكثر من موت.. من خلال صور وصفية مقربة للأحداث.. تتواتر بين هذه المقاطع سجالات الحوار الغنية بالفلسفة والوسوسة والوعود التي يجافيها الصدق في أكثر من مشهد عندما يصور الراوي مدى محدودية قدرة الإنسان ومدى لا محدودية إرادته في آن واحد فاتحا الذهن على ناموس الحياة في الصحراء.. والعلاقة في (التِبْر) حميمة بين بطل الرواية (أوخيِّد) و(جمله الأبلق).. حتى لكأنها تبوحُ بأن ثمَّةَ حيوان قد يكون أوفى صداقةً وأدفأ محبةٍ للإنسان من الإنسان.. وربما يمتد البوَْحُ أكثر من ذلك مجسّداً في فوز الحيوان بتضحية الإنسان من خلال عذاباته ونذره وهمومه المتكوِّرة عندما يتعرض هذا الحيوان المحبوب الى مكروه.. وهو ما حدث عندما أصاب (المهري الأبلق) الجربُ.. فقد تعذَّبت روح (أوخيِّد) وطفق في جنون يلتمس الترياقَ الذي يعيد إلى أبلقِه العافيةَ والشفاءَ.. ولعدمية الصحراء يلجأ الناسُ هناك الى ترياقات لابد منها.. أدعية وكتابات الصوفية من الأذكار والرقيات.. الأعشاب البرية خاصة تلك النادرة التي يعتقد أنها مملوكة للجان، وطقوس وتعاويذ السحر.. و يصاب الجمل بالجنون نتيجة لإطعامه بنبتة (آسيار) والتي هي نبتة من نبتات الجان أشيع بأن الفراعنة استخدموها في تحضير خلطة تحنيط موتاهم… يتمرد على صاحبه.. يعالج الراوي المشاهد بموسيقى ضاجة بمضامين الحركة المجنونة.. في بناء الموسيقى التصويرية.. فيصف الأودية.. والنبتات الصحراوية الشوكية.. والماء الذي يندر وجوده.. جميعها تتواتر مع هروب الجمل واستماتة صاحبه في التشبث به والاضطرار إلى ربط ساعدِه بذيله إعراباً عن الاستعداد للموت معه.

توحي اقتباسات الكوني من أسفار العهود القديمة وسور القرءان الكريم وأقوال الحكماء والفلاسفة اتجاهه الدائم لإخضاع محكياته الصحراوية لأتون الحكمة وفلسفاتها.. فبيئته في رواية (التبر) هي عالم هامشي منحسر بين النقاط الصحراوية حيث يعيش الطوارق.. أجزاء منهم طوارق الصحراء الليبية وطوارق موريتانيا وطوارق مالي وكانو.. جميعهم ينحسرون إلى مكان واحد هو مملكة الصحراء ويتوزعون جيلا عن جيل على أزمنة عدة هي رزنامة معاناتهم وأحلامهم وتطلعاتهم وقضايا مجتمعاتهم الأساسية.

حوار بطل الرواية (أوخيِّد) مع جمله (المهري الأبلق) ميز رواية (التبر) كونه يعتبر منحىً موضوعياً لم يسبقه اليه كثيرون.. وهو حوار فخم بلغته البسيطة وثري بفلسفته العميقة ومنطقي ببساطته الملموسة في كل مشهد من مشاهد الرواية.. مهارة وحنكة وحذق الكوني في مجال التخليق الدرامي وتوظيف الخلفيات المناسبة – والتي لا تكون مجدولة إلا من نسيج الصحراء برمالها الناعمة التي يعربد فوق تلالها بريق السراب الكاذب ويجوس الموت في ردهاتها التبرية بسلطته وقوته الكاسرة – تظل هي المدهشة كثيرا خاصة في محكياته التي تدور أحداثها في الصحراء.. فهو في (التبر) قد جعل من الجمل شخصا من شخوص الرواية يقاسم (أوخيِّد) البطولةَ.. مع (أوخيِّد و مهريه الأبلق) قد تكون الصورة واضحة لإمكانية (أنسنة) علاقتنا مع الحيوان.. واتحادنا مع مشاعره ما دام يقاسمنا حياتنا بمرارتها وحلاوتها.. ومثلما يضحي من أجلنا يمكن أيضا أن نقدم التضحيات من أجله فهو جدير بها.. وذلك ما سبقنا إليه الغرب في التعامل مع الحيوان والعناية به والعطف عليه.. برغم أن ديننا الحنيف سبق الغرب في الحض على العطف على الحيوان.. وتمضي الرواية لتكون هذه الحميمية في العلاقة بينهما أكثرَ تجليَّاً ووضوحاً في الشحنات العاطفيَّة القوية التي تفجِّرها العلاقَةُ الجامعةُ بين (أوخيِّد) و (مهريه الأبلق) حين يكتشف الأول أن الثاني يقاسمه حتى غرائزه الغرامية ونزواته الجنسية.. فعندما يتسلل في بهمة الليل الى خدور حسان بعض الأهالي المجاورين.. يطفق (المهري الأبلق) متغزلا في نوق هؤلاء القوم.. مُوقعا صاحبه في مآزق حرجة.

ومن أوجُهِ الصِّراع في رواية (التِبْر).. اندلاعُ الحروب.. وارتفاعُ أسْعَار المواد الغذائية الضرورية بل وعدم توفُّرها في أكثر الأحيان.. وشُحُّ المياه واقتصار توفرها في بعض الواحات التي أصبحت ممالك محمية من قبل المرابيين والتجار الجشعين المحاطين بمجموعات الحماية من الأوباش.. وبتمرد (أوخيِّد) على قوانين القبيلة يكون قد أسلم نفسه للعزلة ومواجهة المعاناة والخطر.. ويظهر على مسرح الصحراء (دودو).. ذلك الشرير الذي جمع ثروة من نشاطات مشبوهة ثم أصبح من عتاة المتسلطين على الأهالي.. إدعى قرابته بزوجة (أوخيِّد).. ثم استغل حالة الجفاف والفقر والحاجة الملحة للغذاء التي يمر بها (أوخيد).. ليرهن جمله (المهري) الذي يماثل بالنسبة له شخص الحبيبة.. ثم في مشاهد أخرى غاية في الابتزاز يعرض عليه منحه الكثير من (التبر) شريطة التنازل له عن زوجته وتطليقها لتكون عروسا له على الشرع والسنة.. يضطر (أوخيد) للاذعان أمام ضغوط كثيرة وتحت تأثير جنون (آسيار) فتجلجل كافة أنحاء الصحراء فضيحته كونه باع زوجته مقابل الحصول على (التِبْر).. التبر الملعون الذي هو (الذهب) والذي هو في النهاية (المال والبسطة) جسَّد به الكوني (الفتنة) والتي هي الباعث الأزلي للحقد والكراهية والنفاق والبشاعة والفرقة والاحتراب.. المال الذي يجسده (التبر) هو الذي يحكم عالمنا كله.. وليس فقط عالم الصحراء.. كل ما نراه على مختلف مستويات الواقع هو نتاجا طبيعيا للصراع المجنون وراء المادة بصورة تسقط معها كل الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية.. وتنفرج عدسة (الكوني) لتضع العين على مناظر مؤلمة تضبط الإنسان خارجا من جلدته الإنسانية متمردا عليها مثلما يفعل كثيرون على رأس كل ساعة في عالمنا الفسيح.. مما يخلق إمكانية للمفاضلة ما بين الإنسان والحيوان في كثير من الفرضيات.. وبذلك تكون الحقيقة المزعجة.. أن الإنسان أكثر خطرا على الإنسان من الشيطان أو الموت أو المرض.. ليس عدو الإنسان إلا الإنسان..

وصور الراوي تلك البشاعة بوصفه لـ(دودو) عندما أفاق (أوخيِّد) من سكرة جنونه.. واستعاد مرارة ما حدث من تنازل عن أهله وأبلقه أمام بريق (التبر).. و تسلل ببندقيته ليفاجئه عائما في بركة الماء (توقف دودو عن العبث بالماء ورفع نحوه نظرة بلهاء.. رأسه حاسر من اللثام ، عيناه أيضا ، نظرته الآن تختلف ، أذناه كبيرتان متدليتان كأذني جحش.. رأسه أصلع.. مستطيل.. لحيته مثل لحية التيس وعظام صدره بارزة جسده نحيل لا يبدو بهذا النحول عندما يكون لابسا ثيابه الفضفاضة.. ثياب الطواويس تنفخ في جثته فيبدو ماردا مزيف.. كل شي فيه مزيف.. واستغرب الآن كيف استطاع ان يخدعه هذا الحيوان الأبله بهذه السهولة.. كيف أعمى بصره وبصيرته.. ساحر.. لا شك أنه ساحر.

وبعد أن ينتقم منه (أوخيِّد) ويرديه قتيلاً في بركة الماء يرمي بالذهب في النُّقطة التي تجمعت فيها الدماء بعد غطس الجثة.. تنسدل شمس العشيَّة على منظر الماء الذي عامت فوقه صفرة الذهب مع حمرة الدم ويتلاشى المشهد مع صوت زغرودة بعيدة تؤدي وصلتها ضمن جوقة (الجنادب).. ثم يفرُّ هارباً الى الصحراء ليلوذ بجبل (الحساونة) مختبئا في أحد الكهوف مع هارب آخر من عالم الحيوان هو (الودَّان).. وقد هَبَّ في طلبه مجموعةٌ من الأوباش المنتفعين من تراجيديا الصراع بغيةَ الحصول على نصيب من المكافأة المرصودة لمن يفوز بالإنتقام لـ (دودو) من (أوخيِّد).. يضطر بطل الرواية للاستسلام بعد تضييق الخناق عليه وتعذيب (مهريه الأبلق) الذي ارتفع صوتُه منتحباً في استغاثةٍ حزينةٍ.. مشهدُ الاستسلام صوَّره الراوي أسفلَ جبل الحساونة الذي تراءى لـ (أوخيِّد) في المشهد الأخير قبل مقتلِه على يد الأوباش (جبلٌ جليلٌ يمتد من الغرب خاشعاً ساجداً نحو الشرق صوب القبلة.. ينسج لقِمَّتِه العاليةِ عمامةً زرقاءَ من قبَسِ الفجر الصحراوي المسحور.. يكتب مع الشروق ، ويكتم السرَّ الذي حفظه من فم الملكوت في اللَّيل).

مقالات ذات علاقة

صورة المرأة في العمل الدرامي… (روبيك) لغز الحياة

المشرف العام

جمال التناقضات

غازي القبلاوي

والكثير يحدث في زمن الحرب

رامز النويصري

اترك تعليق