حوارات

الروائية الليبية عائشة إبراهيم: الجميع يبحث عن «سحر البوكر»

صحيفة الدستور

الروائية عائشة إبراهيم.
الروائية عائشة إبراهيم.

عوالم من السحر والدهشة فجرتها رواية «حرب الغزالة» للروائية الليبية عائشة إبراهيم، وأهلتها للوصول إلى القائمة الطويلة لجائزة «البوكر»، خاصة أنها تكشف النقاب عن فترة تاريخية مهملة من فترات الحضارة الليبية القديمة.

«الدستور» التقت عائشة إبراهيم، فى حوار عبرت خلاله عن إيمانها بأنه لا يوجد مشروع روائى ناجح إلا ويكون التاريخ جزءًا منه، كاشفة عن أن روايتها المقبلة ستتناول مرحلة زمنية مجهولة، حيث لا تفضل الكتابة عن الحاضر بما يحويه من تشويش ومتناقضات، حسب تعبيرها. وحكت الروائية الليبية جوانب من حياتها الإبداعيةـ وجهودها فى تأسيس مسرح مدرسى فى كل المدارس، التى درست بها، إلى جانب تجربتها مع القراءة والأنشطة الثقافية الأخرى والتثقيف الذاتى.

■ بداية.. كيف تصفين وصولك للقائمة الطويلة لجائزة البوكر؟

– لجائزة البوكر سحرها الخاص ونجوميتها، التى يسعى إليها الكاتب، فهى تحقق له الانتشار فى وقت قصير، حيث لن يصبح عليه أن يبحث عن وسائل للترويج عن روايته، فبمجرد الإعلان عن القائمة الطويلة يبحث القراء عن الروايات المضمنة فيها، وفى زمن قياسى يصل العمل إلى أماكن ما كان ليصل إليها لولا هذا الترشح.

لكن ما أريد قوله على الصعيد الشخصى إن الوصول إلى القائمة الطويلة كان حدثًا فارقًا وبهيجًا جدًا ساعدنى على تخطى كآبة الحرب والنزوح، أذكر أننى تقدمت إلى الجائزة بصعوبة كبيرة، كان الأمر شبه مستحيل، فحين فُتح باب الترشح، اندلعت الحرب فى طرابلس حيث نقيم، وكانت الطبعة الأولى من الرواية قد نفدت، وتوقفت شركات الشحن عن العمل، وخرج المطار عن الخدمة، هكذا اجتمعت الظروف لتحول دون التقدم إلى الجائزة، ثم بعد عناء تمكنت دار النشر من إصدار الطبعة الثانية، وقبل أن يقفل باب الترشح بأسبوع واحد، أى فى الأسبوع الأخير من شهر يونيو، تمكنا من إرسال النسخ المطلوبة برًا إلى تونس العاصمة، ثم قام صديق مقيم هناك بتسليمها إلى مقر البوكر.

كان الأمر أشبه بمعجزة أن تصل النسخ فى آخر ساعات اليوم الأخير للتقدم، كأنها غريق لحظاته محسوبة، كنت سعيدة وقتها وأشعر بالزهو والانتصار، الانتصار على الحرب، وعلى الظروف، قلت فى نفسى: «إذا لم أربح الجائزة فقد ربحت الأمل»، كان الأمل هو الزاد الذى عشت به طيلة ٦ أشهر، وكلما اجتاحتنى مشاعر الإحباط ذكّرت نفسى بأننى فى انتظار شىء عظيم سيتحقق لى فى شهر ديسمبر، ولما حل الموعد، وأعلنت النتيجة، اكتشفت أن الفرح لم يكن لى وحدى، كان هنالك الكثيرون مثلى من المتعطشين للفرح، فاستقبلوا الخبر استقبال ضوء وحيد أشرق بعد شهور مظلمة، وكانت صفحات التواصل الاجتماعى وبعض مواقع الأخبار الليبية، التى كانت منشغلة بنقل وقائع الحرب، اقتطعت لنفسها وقتًا من السلم وأعلنت الخبر بكثير من الابتهاج، وكأنها أدركت أن الفرح والإبداع هما اللذان يوحدان الشتات، كنت سعيدة ليس فقط لأننى ترشحت، بل لأننى كنت سببًا فى بث روح الأمل والسعادة فى قلوب الكثيرين. وبهذا أقول إننى نلت جائزة عظيمة بهذا الترشح، جائزة الفرح والأمل والتفاؤل.

■ هل الجوائز تعيد ترسيم الأدب بين الدول العربية.. بمعنى هل وصول 4 روايات من الجزائر للقائمة الطويلة يجعلها متفوقة أدبيًا؟

– إلى حد ما نعم، هذا بالنظر إلى الدور الذى يلعبه الإعلام حاليًا فى الترويج للأعمال المترشحة، فالإعلام الذى يسلط الضوء على العمل الروائى وجنسية كاتبه هو من يوجه الرأى العام نحو البلد الذى ينتمى إليه الكاتب، خاصة أن الرواية هى ابنة بيئتها الجغرافية وتحمل الكثير من الهوية الثقافية لتلك البيئة. الأمر الواقع الذى نشهده الآن، بغض النظر عن رؤيتى الشخصية، أن هنالك ترسيمًا لخارطة الأدب، فبمجرد إعلان القائمة الطويلة يُشيد إعلام بعض الدول أو يشجب وجود أو عدم وجود كتّابهم ضمن القائمة، وفيما يتعلق بالجزائر تحديدًا لا يمكن إغفال الثراء الأدبى فى الرواية الجزائرية، والنهضة الفكرية فى ظل التغيرات التى تشهدها المنطقة عامة، ونشاط حركة النشر، وتشجيع الدولة برصد جوائز أخرى محلية للرواية «جائزة آسيا جبار وجائزة الطاهر وطار»، كل هذه عوامل تؤهل الجزائر إلى إثراء مدونتها السردية بأعمال ذات حضور متميز.

■ «حرب الغزالة» تناقش تاريخًا مهملًا عن قبائل عاشت منذ آلاف السنين.. كيف كانت رحلتك مع الرواية قبل وأثناء كتابتها؟

– جاءت رواية حرب الغزالة بصدفة غير جادة، ثم تحولت إلى حالة من الاستحواذ واستلاب كامل لمشاعرى وتفكيرى وحواسى، لم أستطع التحرر منه إلا بالكتابة، كنت أعد مخطوط كتاب حول تاريخ الفنون فى ليبيا، وكان الفن الصخرى أحد محاور البحث، حين وجدت نفسى أمام كم هائل من اللوحات الصخرية التى رسمها الليبيون القدماء على جدران الكهوف فى جبال الأكاكوس، جنوب غرب ليبيا، منذ عشرات الآلاف من السنوات، اللوحات تتحدث عن أقوام فى عصر موغل فى القدم، بكامل أناقتهم، يسرحون شعورهم بطريقة مبتكرة، يعزفون الموسيقى ويرقصون فى حلقات جماعية وهم يرفعون أيديهم إلى أعلى فى حالة من التعبد والدعاء، يؤمنون بالبعث ويحنطون موتاهم استعدادًا لحياة الآخرة، كانت الصور مذهلة فى دلالاتها، حتى إن الشخصيات تكاد تقفز من صخورها لتحكى عن أسرارها وأخبارها، طالعت ما كتبه الباحثان: الفرنسى هنرى لوت، والإيطالى فابريزيو مورى فى كتابيهما حول نتائج البعثات الاستكشافية، التى قاما بها فى منطقة الأكاكوس، كانت اللوحات تتحدث عن قوم مجهولين أرادوا أن يقولوا لنا شيئًا عن طريق الأيقونة الرمزية على جدران الكهوف، فبدت لى كأنها قصص تخبر عن نفسها، كأنها تستنجد بى لأنفض الغبار عنها، ومنها تشكل أمامى عالم تخييلى تداعت شخصياته من تلقاء نفسها لتتحدث عن ماضيها، عرفت حينئذ أننى لن أستكمل مخطوط الكتاب، فقد سيطرت علىّ فكرة الرواية وأصبحت شديدة الإلحاح، كانت الغزالة الراقصة ترتع فى عوالمها الموغلة فى التاريخ، وكانت الملكات والحائكات والمحاربون ومربو الأبقار وكل الشخصيات المرسومة على الصخور تتحرر من صخورها وتتجلى على الصفحات لتقول تلك الأشياء التى أراد أن يخبر عنها الأسلاف الغابرون، كأنه جاء اليوم الذى عليها أن تكشف فيه النقاب وتبوح بأسرار تلك الحضارة المجهولة.

■ غالبية أدباء ليبيا يكتبون عن التاريخ الحديث للبلاد.. فهل هناك دوافع ذهبت بكِ إلى تلك الفترات المهملة؟

– يحدث أحيانًا أن تعترى الإنسان حالة من الحنين إلى الماضى، حالة من نوستالجيا عاطفية نستغرق فى دفئها واحتوائها أمام هذا المد الهائل من التشظى النفسى والاجتماعى والسياسى الآنىّ، هذه ليست حالة خاصة بليبيا، بل بالواقع الإقليمى والعربى عامة، وما رواج وانتشار الرواية التاريخية وسيطرتها على قائمة البوكر إلا دليل على أن النوستالجيا حالة عامة تفرض نفسها فى هذا الوقت، إننا ببساطة نقوم بطرد الحاضر البغيض ونستغرق فى ذلك الحنين الغامض إلى حياة دافئة وعوالم خيالية، كانت تلك الحالة فى رواية حرب الغزالة ترفل فى زهائها وسحر أساطيرها وثراء أمكنتها وطقوسها.

رواية حرب الغزالة
رواية حرب الغزالة

أما تلك الفترة المهملة، فهى غامضة، وتسليط الضوء عليها من شأنه أن يعيد ترتيب الحضارات بإعادة قراءة التاريخ. لقد كتب أهل تلك الحضارة برمزية عالية وبلغتهم المنقوشة على الصخور قبل أن ينقش السومريون ألواحهم المسمارية، وقبل أن يخط الفراعنة حجر رشيد بحروفه الهيروغليفية، لم تكن كتابة أهل الأكاكوس على جدران الكهوف صدفة، أو طفرة ثقافية، إنهم شعب عرفوا سر خلطة الطلاء الذى لونوا به لوحاتهم من ١٠ آلاف عام دون أن يفقد بريقه، وعرفوا التحنيط، وهنالك مومياء طفل الموهيجاج التى وجدها فابريزيو مورى مطمورة فى كهفها، وحدد عمرها بما يزيد على ٥٥٠٠ عام، وهنالك زوايا مغيبة فى تاريخ الحضارات القديمة، وهناك أيقونات تتحدث على جدران الكهوف، هناك أكثر من ٢٠ ألف لوحة تمثل أكبر متحف للفن الصخرى فى العالم بانتظار من يكشف شفراته، ولهذا من الإجحاف أن تُحجز منطقة الأكاكوس خارج تقييم الحضارات، لمجرد أن النصوص الهيروغليفية لا تعرف عنها شيئًا. وكانت فكرة استنطاق اللوحات هى المفاتيح الأولى لكشف أسرار تلك الحقبة الزمنية، وسيأتى من بعدى من يحرك ذلك الساكن ويخرج به إلى النور.

■ ما بين «قصيل» و«حرب الغزالة» آلاف السنين فى أحداث العملين.. هل تتبنين مشروعًا روائيًا تاريخيًا؟

– فى تصورى ليس هناك مشروع روائى يتحقق بمعزل عن التاريخ، كل الروايات تنغمس فى التاريخ، وفن الرواية أساسًا كان فن سرد التاريخ، ولكن التاريخ فى الروايتين لم يحضر كوقائع مثبتة، بل كتدفق خيالى منطقى يخرج من السجل الأنثروبولوجى لإنسان المنطقة، ويملأ الفراغات المغيبة عن تلك الحقب، سواء الأزمنة القديمة، كما فى «حرب الغزالة» أو عقد السبعينيات، كما فى روايتى «قصيل»، ويستحضر ملامح تلك الحقب فى ذهن القارئ، ويطرح أسئلة من أجل إعادة قراءتها، وتأتى رسالة أو مشروع الروائى من أجل ترجمة الدلالات الإنسانية والاجتماعية والحضارية للتاريخ، ويقدمها كدعوة لإعادة قراءته، ودور الرواية أنها تقوم بترميم الفراغات وتطرح الأسئلة وتعيد الاعتبار إلى المناطق المنسية من التاريخ، ومن المرجح أن تكون روايتى المقبلة حول مرحلة زمنية أخرى مجهولة، فأنا لست ممن يفضلون الكتابة عن الحاضر بما يحويه من تشويش ومتناقضات، بل إن الكتابة عن الحاضر أساسًا لا تتحقق إلا من خلال الولوج من بوابة التاريخ والقذف بالتساؤلات المتوارثة عبر الأجيال.

■ تبدو اللغة فى «حرب الغزالة» صخرية وكأنكِ كتبتها بالحجر.. هل قصدت هذا؟

– كنت أتمنى أن أتحدث عن هذه التجربة، أنا أعترف بما يحدث لى أثناء الكتابة، وكيف تهجم اللغة بمفرداتها الخاصة التى لا تقبل بغيرها بديلًا، وأن شيئًا يعتصر فى داخلى حين تتجلى أمامى أحداث الرواية، وأحاول نقلها إلى ملف الكتابة، فتتمتع اللغة بعنفوان وتأبى الانسياق إلا بمفردات خاصة جدًا وحميمية جدًا، كأنها قذفت إلى قواميس اللغة من أجل هذا العمل ولا شىء غيره.

وتعبر الفكرة جامحة حارة، مشحونة بحفيف غابات أسطورية وجداول منذ الأزل، وملكات وآلهة وتعاويذ وأجساد أكلتها حروب البقاء، وأزمنة موغلة فى القدم لا يمكن أن تعبّر عنها لغة لا تحمل حرارة عصرها، فى هذه الرواية أيضا نصوص شعرية غناها البطل ميكارت لمحبوبته هيريديس وهو يعزف على قيثارة العاج أمام البحيرة، تبدو النصوص كأنها قصائد مترجمة من العصر الحجرى، ولكل رواية لغتها، ولن يصل المؤلف إلى روح روايته ما لم يبلغ سر اللغة الخاصة بها، إنها مثل ارتقاء المُريد فى مدارج محبته، لا يمنحك النص تجلياته ما لم تحط بأسرار لغته.

■ تعودت على استخدام مفردات تتواءم والثقافة الليبية الدارجة، وكان ذلك واضحًا فى «قصيل».. ألم تخشى عدم استيعاب القارئ العربى لهذه الكلمات؟

– فى حديث جمعنى بصحفى مصرى اطلع على رواية «قصيل» وكتب تقريرًا إخباريًا عنها، سألته كيف وجدت كلماتها العامية وأنت لا تعرف اللهجة الليبية؟، قال معلقًا على جملة تتحدث عن دهس العصفور تحت قدم البطل وهى كلمة «تتمزط»: «ليس لى سابق عهد بكلمة (تتمزط) ولكن ما إن قرأتُها فى السياق حتى شعرت بأنها الكلمة الأنسب لتصوير حالة دهس العصفور تحت القدم». الجملة كانت تقول: «شعرتُ بكتلة دافئة تتمزط تحت قدمى»، بهذا يمكننى القول إن أغلب الكلمات يمكن ترجمتها فى سياق النص، باستثناء كلمات قليلة ذات خصوصية مكانية تم شرحها فى هامش الصفحات.

■ كانت لك تجارب مع المسرح المدرسى ثم فزت بالمركز الأول فى مهرجان مسرحى على مستوى ليبيا.. فهل كانت بداية التمرد من خلال خشبة المسرح؟

– كان هاجسى فى بداية علاقتى بالأدب أن أقول شيئًا مختلفًا للمتلقى، وأن ألحظ التفاعل مباشرة من خلال تأمل الدهشة أو الإعجاب أو التصفيق، ومحاولة نحت أفكار مغايرة فى ذهن المتلقى تتجاوز السائد وتعمل على تنمية قيم جمالية وإنسانية، وفى طفرة جريئة فى بلدتى الريفية كنت حريصة على تأسيس مسرح مدرسى فى كل المدارس التى درست بها خلال المرحلتين الإعدادية والمتوسطة، ساعدنى فى ذلك اهتمامى بالقراءة ونشاطى فى الإذاعة المدرسية والأنشطة الثقافية الأخرى من مجلات ومسابقات، وقراءة الأعمال المترجمة والمحلية من مسرحيات وروايات ودواوين شعر، مع محاولة اكتشاف وتجديد المعرفة بأصول الكتابة وتقنياتها، إلى أن تمكنت من كتابة نصوص ناضجة بإمكانها أن تنافس إلى أعلى المستويات «جائزة الدولة»، حين حزت الترتيب الأول من بين مئات المشاركين، وارتبط اسمى فى بلدتنا بأننى الطالبة التى فازت بالمسابقة، وكان يمكن أن أنطلق بسرعة فارقة لولا بعض الظروف الاجتماعية التى منعتنى من الاستمرار، إلى أن جاءت الفرصة لانطلاقة أدبية جديدة عن طريق الرواية والقصة القصيرة بوعى جديد لأكتشف أن علاقتى بالسرد تتفوق على علاقتى بالمسرح، وإن كانت تتفق معها فى التوق إلى تحقيق الذات والتعبير عن حالة من التمرد الداخلى ورفض التراكمات المقولبة. وبهذا تظل الكتابة هى الوسيلة الأبرز لخلق عالم جميل ينفتح على المعانى ويسمو على القبح والابتذال.


مقطع من رواية «حرب الغزالة»

انفطر قلب هيريديس وهى تستمع إلى صدى دقات قلب ميهلا يرددها الكهف، فسرت فى أوصالها رعدة ألم مباغت، ولكم تمنت وقتئذ أن يتوقف عن الكلام، لكنه بدا كمن يريد أن يقذف بمخزون الحزن كله إلى الخارج وفى مرة واحدة:

– دقت نواقيس الحرب حين داهمتنا جيوش قبائل الماغيوم ذات صباح بدأت المعركة لما أضرموا النيران فى الحقول، ثم نشبت المواجهة بيننا وبينهم عند نهاية وادى تشوينت، كان الدخان يتصاعد، ورجالنا مشتتين ما بين إطفاء الحريق وصد هجوم الأعداء، وتأمين الملاذات الآمنة للأطفال، أما أرمان الذى لم يحمل سلاحًا يومًا ولا يعرف فنون القتال، فقد ركض باتجاه حظائر الماشية، فتح الأبواب واقتاد الخراف والأبقار والجواميس عبر طريق آمن حتى وصل بها إلى هذا المكان، هنا فى هذا الكهف، وفى طريق عودته قبض عليه جنود الماغيوم.

كان ميهلا يتحدث ويغالب عبرته ويختنق تحت نياط ألم بالغ، وأخيرًا أصبح يرتجف مثل ورقة تعبث بها الريح:

– يبدو أن الماغيوم شاهدوه وهو يحوش القطعان، طلبوا إليه أن يخبرهم عن مكانها، فالتزم الصمت، أرسلوا جنودهم فانتشروا فى الغابة الصخرية يرهفون السمع لعل أن يصلهم صوت خوار أو ثغاء، فلم يسمعوا شيئًا، وكأن المغارة ختمت على أقفالها بتميمة سماوية، حينها عادوا إلى أرمان المقيد فى أغلالهم.. حرّقوه بالنار.. عذبوه.. سلخوا جلده، فلم يقل شيئًا.

قذف ميهلا كلماته الأخيره كأنه يلقى جمرة من يده، وهو يشهق باكيًا، غاب بعدها فى نشيج حار.. غاب دون أن يكمل الحكاية، كأن النهاية البديهية للقصة قد أخبرت عن نفسها، ولا أهمية لإكمال السرد، لكن نهاية القصص تبدو أحيانًا مثل بداية قصص أخرى، وبعض الموت يبدو مثل ميلاد جديد للحياة، بل هو الحياة ذاتها، هكذا تراءى لهيريديس التى أرادت أن تشد من أزره إذ استطاعت أن تقتاده إلى لحظة ميلاد جديد.. تنفست عميقًا لتستجمع شجاعتها، ثم قالت: وماذا حدث بعد ذلك؟

سحبها من يدها إلى خارج الكهف، هناك فى المدخل حيث تنتصب قبالتها آلاف الصخور الواقفة وتشمخ برءوسها نحو السماء، وقال:

– هل تشاهدين هذه الصخور الصامتة التى تنظر إلى الأعلى دون أن تقول شيئًا، كذلك وجدنا عينى أرمان تشمخان إلى الأعلى حينما حزوا رأسه وقذفوا به إلينا، كان يحدق إلى الأعلى دون أن يفتح فمه.

مقالات ذات علاقة

القاصة الليبية رحاب شنيب: أنا لا أكتب إلا نفسي

المشرف العام

أسماء حسين بشاشة: اللوحة منبري وسلاحي.. و”تاناروت” مكان لنمو بذور الإبداع وصقل موهبتي

حواء القمودي

نجوى بن شتوان لـ”ليبيا المستقبل”: رغم الإنقسام.. المشهد الثقافي الليبي بقي حيا ونابضا

المشرف العام

اترك تعليق