قصة

الرمل الخايب

من مسافة بعيدة تبدو كثبان الرمال في الرمل الخايب كأنها دمامل، وشيئاً فشيئاً تكبر وتنتشر حتى تكاد تطبق على القرية وتسد المنافذ، وحين تهب الريح الوحشية فإن الكثبان تنتقل من مكان إلى آخر بهدوء وتكاسل كلبة في شهرها الثاني.. إنهم يطلقون على الكثبان اسم (السـبـل) وهذا لمجرد المزاح، ذلك أن الكثبان هي التي تعزل القرية عن العالم، وتجعل من الحركة داخلها صعبة، ولو حاول أحد أن يمشي لمسافة أطول فسيدركه الإرهاق والتعب كما لو أنه يجرُّ مدينة خلفه.

لا طرق أو ممرات تفضي إلى القرية ولا بد من صعود الكثبان حيث تغوص الأرجل عميقاً في الرمل، وتصبح كل خطوة عذاب لا ينتهي، إما النزول فيتم بسهولة عبر التزحلق على المؤخرات التي كثيراً ما يمزقها شوك بري مختفٍ تحت طبقة رمل خفيفة.

دور القرية تمتد متناثرة بلا نظام، وجدرانها كالحة بلون الرمل، وسقوفها واطية، إنها قرية بائسة ينبت الحزن فيها ويثمر ثماراً متأخراً مرَّ المذاق في أفواه الأهالي، ولا يسمع فيها إلا نباح الريح وهي تطارد الصمت صباحَ مساءَ.

قد تمطر مرة في العام، ونصيب الرمل الخايب من المطر عادة ما يكون شحيحاً، وحين تأتي الغيوم شتاءً فإنها تبدو داكنة ومكتنزة بالماء.. لكن حين تقترب فكثيراً ما تغير مسارها أو تختفي ولا يبقى منها سوى نتف متباعدة وعالية، قد تجتمع وتؤلف في النهاية غيمة عجفاء لا يزيد حجمها عن حجم مثانة طفل.

النبات ينتحر من البؤس هناك وتموت بذوره، إما ما يقاوم فإن الرمال الحارقة والريح القوية تتكفل بالقضاء عليه، ولن ترى إلا نخلة واحدة تـنتصب في وسط القرية نخلة طويلة بلا رأس، تقف هناك منذ سنوات بعيدة تتطلع إلى السماء دون كلل.

هل واجهت الموت يوماً.. هكذا مثلنا الآن.. وجهاً لوجه.. ؟ حسناً، ستجده هناك في انتظارك.. لن يباغتك أو يجهز عليك دفعة واحدة بل يستدرجك ثم يستبقيك رهينة لديه حتى تفقد الأمل تماماً.. سترى ذلك.. هل حقاً ستذهب إلى هناك ؟.

إنها مهوى أفئدة الحمقى.. أولئك المغفلين.. الحالمين بأفق أفضل، والمصدومين بمرأى الموت البطيء الذي يتربص بالجميع.. لا شيء في الرمل الخايب يا سيدي، سوى الرمال والريح في تعاقب يكرر نفسه بلا نهاية.. قلت لك حتى الصمت يموت هناك.

أطبق فمه بغضب.. ثم قام بمحاولة فاشلة لقمع التثاؤب، وهو يحرك رقبته يميناً وشمالاً محدثاً قرقعة.. كان دويُّ السيارات العابرة يصل من بعيد طاغياً على الجلبة الخفيفة لرجال قائمين على إصلاح الحافلة.. وكانت السماء تـتلفع بملاءة سوداء ودبيب الليل يكاد يكون مسموعاً وبين الفينة والأخرى يأتي صفير الريح مذعوراً مثقلاً بأنين الطريق ويسقط فجأة كما لو أنه كرة من صوف أمام الرجلين الجالسين تحت مظلة مقهى صغير بلا اسم فيقطع حبل أفكارهما فينظران إلى بعضهما بعضاً ولم يلبثا طويلاً -وهما يمسحان ما حولهما بنظرات قلقة وجلة- حتى استسلما للصمت والتحديق في الفراغ.

– قل لهم أن يحاولوا إصلاحها سريعاً، لا نريد أن نبيت هنا.. قال الرجل وهو يخاطب أحد عمال المقهى ثم استأنف حديثه:

– في الصيف الطويل، ينسى الواحد أنه حيُّ، فالقبلي ينفخ في الوجوه، وذرات الرمال الملتهبة تسحو الجلد سحواً.. إنه طست كبير من العذاب يفرغ على رأس القرية. وستراهم -في الأيام التي تشتد فيها الحرارة- هائمين على وجوههم، لا أحد يميز أحداً، ولا لسان يلهج بكلمة، ألسنتهم منثنية بين أسنانهم وعيونهم زائغة يتجمعون زرافات أمام دورهم التى سودّ بياضها مرور الأيام وهم هائجون كما لو كانوا يجمعون صفوفهم لمحاربة القبلي.

ارتفع هدير محرك الحافلة ثم خمد فجأة، وتناهت همهمة الرجال فوقف وصاح قائلاً:

– لا تيأسوا، اليأس هو أن نبقى ليلة أخرى في العراء ثم جلس وأردف:

– كما أقول لك، لم أرَ مكاناً يفتك فيه الحزن بالمرء يماثل ما رأيت في الرمل الخايب، تلم بأحدهم مصيبة فلا ينبس بكلمة أو يحدث نأمة، وستراه يوماً كاملاً وهو واقفٌ فاغرٌ فاه، وعيناه الدامعتان لا تطرفان، يحدق في المجهول ثم يحلق رأسه ويرتدي جبة الفقيد ويطلق ساقيه للريح ويتوارى عن الأنظار بين الكثبان وبكائه المتقطع يُسمع على مسيرة يوم، وعادة ما يعود بعد يومين شاحباً منكسر النظرات وهو ينوء بحزنه الثقيل الذي لا فكاك منه أبداً.

بقي بعض الوقت صامتاً رافعاً رأسه شاخصاً في الفراغ ثم نهض من مكانه ودخل المقهى، وأخذ زجاجة بيبسي فتحها بأسنانه وأفرغها في جوفه دفعة واحدة وعاد إلى حيث كان يجلس ثم التحف بعباءته وجلس وأردف:

– لا تنظر إليَّ هكذا.. ودع عنك الأحلام والأفكار، ارمِها خلفك، إنها لن تسقيك رشفة ماء هناك، واسمعني، لن تجد من يصغي إليك.. كنت مثلك قبل سنوات أفيض صحة وحياة، ولو قالوا لي في ذلك الوقت إن ثمة جزءاً من السماء يحتاج إلى رتق لذهبت ولكني الآن وبعد عشر سنوات أدركت أن الكلام لا يثمر ولماذا لا يذهب هؤلاء الذين يملأننا بالأكاذيب ليشاهدوا البؤس كيف يمشي على قدميه..؟

ران على كليهما صمت ثقيل، ولازالت عيونهما تحدق في الرجال وهم يحومون حول الحافلة، وفجأة وقف وقطّب حاجبيه هنيهة كما لو أنـــه أبصر تقـدم الليل ثم جلس وتابع:

– حسنا، انظر وقفت يوماً كاملاً على طريق مثل هذا وفي مساء اليوم التالي جاءت عربة يجرها حمار فنظر إليَّ صاحب العربة طويلاً _حين أخبرته عن وجهتي_ ثم لكز بطن حماره بعقبيه وانطلق مسرعاً.

وهكذا خفت أن أبقى هناك يوماً آخر.. فمشــيت خلفه طوال الهزيع الأول من الليل حتى تمكن منه النوم وبدا رأسه يتمايل في ضوء القمر مع حركة العربة فصعدت وسرعان ما غبت في نوم عميق.

جلست على صخرة وقد خدرني الصمت.

– هل كنت تمشي أمام الحمار يا حمار ؟ قال صاحب العربة غاضباً.

أجبت نافياً برأسي. ركل الصخرة وقال:

– الحمير دائماً تبحث عن بؤسها .

– أين تقع الرمل الخايب ؟

– إذا أردت أن تفسد عقلك كالحمير اصعد ذلك الشيء.. وأشار ناحية الكثبان ورحل مسرعاً وهو يلهب ظهر الحمار بهراوته.

سكت قليلاً وهو يفتل طرف شاربيه ويرمي بنظره نحو الرجال وهم يجلسون الأربعاء أمام الحافلة ولكنه ما لبث ان استأنف:

– وقفت وسط القرية حاملاً معطفي في يدي، ولا شيء يتحرك إلا الريح تكثح ذرات الرمال في جنون، ارتديت معطفي وتقدمت، وجدت نفسي وسط دار خربة تكاد تتهدم جدرانها همهمات تترامى من الشقوق مصحوبة بأصوات مخيفة.. وفجأة هبط الهدوء كصخرة وارتفعت جلبة الصوت خارج الدار.. سرت بخطوات حذرة على رؤوس أصابعي ونظرت من ركن مهدم فرأيت نساء القرية وهنّ يقضين حاجتهنّ في جزء ملحقٍ بالدار كنّ هزيلات مثل أشباح هرمة يبتسمنّ لبعضهنّ البعض بفتح أفواههن كما لو كنا يتثاءبن وهنّ مقعيات مثل إناث الخراف مرخياتٍ طرفاً من أرديتهن على مؤخراتهن.

تناول قارورة الماء وشرب بلهفة فانسكب الماء على ذقنه مبللاً لحيته.. فمسحه بطرف عباءته وقال بعصبية:

– مجرد كلمات.. العودة إلى القرى، الهجرة العكسية. ها قد عدت.. هربت.. نعم.. وماذا سيفعل طبيب أسنان في مقبرة ؟ لقد حاولت ولكني فشلت، قلت لهم هيا لنفعل شيئاً لنصرع الكثبان ونقلب التربة بأسنانا ونذهب إلى هناك، ونأتي بهم ليضربوا حول القرية سياجاً من السبط أو نبات يقاوم ونتحدث معهم عن المستقبل فأخذوا يتقهقرون إلى الوراء وهم ينظرون إلي مقطبين حواجبهم محدثين صوتاً كرغاء الإبل، ثم تقدم أكبرهم سناً وهو يحك رأسه، وجأر بصوت أبح:

– تيت يا.

وأخذ يكثح عليّ التراب بقدمه.

ثم ركض إلى الأعمدة التي غرزتها في الأرض كعلامات لبناء عيادة، وراح يمشي من عمود إلى آخر، وينزعها ويلقي بها بعيداً وهو يجأر:

– تيت يا. تيت يا.

هل تعتقد أنهم يعرفون شيئاً عن القرى البائسة ؟ أنهم يعبرون السماء فوقها مثل الطيور صامتين مغمضين عيونهم.

لملم أطراف عباءته حوله تماماً ولم يظهر منه إلا رأسه ويداه. كانت السماء تكاد تهوي على الأرض والريح تهب مسرعة وتحرك شعره المشعث،وهو يرى إلى الرجال جالسين ساهمين أمام الحافلة بعينين كليلتين..!

مقالات ذات علاقة

تَكَدُّسٌ ..

جمعة الفاخري

عـزف على أوتـار المـاضي

محمد المغبوب

اللـوحــة

أسماء الأسطى

اترك تعليق