قصة

الرمــاد لا يـلد شـــيـئاً

 

الغريب أنني لم أندهش أو استغرب.. كنت ماراً بالقرب من الحجرة.. استوقفني الباب الموارب قليلاً.. وخيط النور يرسم سكينا ًحادة على الأرض المظلمة في الردهة، كان النور يدعوني للدخول.. كان شق الباب يصرخ بي لأن أتي وأفتح الغموض.. كان قلبي عصفوراً عجوزاً يمتهن جمع الدراهم المعدنية على تقاطع الطرق.. وضعت قدميّ على السكين، رحت أسير محاذراً أن أحيد عن الطريق مددت يدي لأدفع الباب، فتح دون أدنى جهد مني.. لم استغرب عندما رأيتها جالسة على الكرسي أمام المكتب.. لم يخفق قلبي ولم تتدفق الدماء بقوة إلى جمجمتي، لم يتدلى فكي ببلاهة.. لم يحدث شيء، كان البرود يعلو الغرفة والكآبة بقايا عطر ياسمين متعفن منذ سنين.. تقدمت، توجهت صوبها.. تأملتها من بعد.. تجلس تتأمل شيئاً بين يديها أو هكذا بدا المشهد أمامي.. تجلس، السواد يكسو جسدها، معطفها على ظهر الكرسي وعينيها لا تصل إلى مكان.. كان الياسمين ينمو على جبينها الأبيض الناصع والكستناء يعرش فوق رأسها جدائل لا تنتهي من الحلم والحزن.. وجنتاها كانتا سفر نحو عوالم وردية لا تقبل البداية ولا النهاية.

لا أدري كم مر من الوقت وأنا أسير نحوها ولا أدري متى قررت أن آمر قدميّ بالتوجه إليها.. لم استغرب لأنني رأيتها في حجرتي وكأنني كنت أنتظرها هناك أو كأنها كانت هنا منذ زمن طويل.. شوق إليها ينمو في الأرض الموات وحب مهترئ يحاول أن يلملم بعض أجزائه ليهرب من المكان قبل أن يقضي عليه..وحنين يلهو كالطفل بكرات الثلج الباردة وهو يضحك موزعاً الدموع على الغرفة.. تجلس منكفئة على الكرسي غارقة في تأمل ما لا أريد أن أدريه.. مر قرن قبل أن أقرر التوجه إليها..وبعد عدة قرون أخرى بدأت التحرك، وضعت أولى خطواتي نحوها.. ولكنني في ثوانٍ معدودة وجدت نفسي أمامها وفي تلك اللحظة.. ارتفعت درجة الحرارة وشعرت بالانتشاء وغاب القمر وراء محاقه في سماء ليلة مغيمة.. خاطبتها وأنا لا أشعر بشيء مميز (صباح الخير).. هل كان صباحاً أم مساءً لا يهم.. نظرت إلي ببطء وكأنني أيقظتها من سبات..ارتعشت وجنتها الوردية وتمتمت بعبارة لا أدريها وقالت شيئاً يشابه (صباح الخير).. وعادت إلى تأملها فيما لا أدريه.. جلستُ على حافة السرير نظرت إليها.. ثم رحت أتأمل تلك النقطة في السقف حيث تلتقي الجدران.. (مضى وقت طويل.. منذ متى وأنت هنا).. ارتعشت أناملها المنسكبة نهراً على خشب المكتب، التفتت وتمتمت بشيء لم أفقهه وقالت ما يشابه (وقت طويل قد مضى.. لا أدري منذ متى وأنا هنا).. سافرتُ في الزمن المنسي عند لحظة البداية حيث قبل القبل كان اللاشيء وظهرت صور طفلة تقف عند الباب تحاول أن تجد بين الأطفال من يحميها من يشجعها على الجري وراء شعاع الشمس المشرقة في صباح بارد.. صباح أو يوم ما بعد التكون.. (هل تتذكرين لحظة البداية.. هل تذكرين ذاك الصباح) توجهت ببصري نحوها ولكنها عادت إلى النأي بعينيها في عوالم لا أدريها.. لكنها قالت شيئاً يشابه (البداية.. البداية.. ذلك الصباح)، كان صدى كلماتي يخرج من داخلها بخفوت مستفز.. وقفت، استندت على المكتب اقتربت منها أكثر، صفعني الياسمين بعطره ولكن البرودة كانت تنمو وتغتال لحظات البداية البريئة (هل تذكرين ذلك الصباح.. حاولي التذكر) بدا عليها الارتباك وهي تحاول أن تتجنب النظر إليّ.. استلقيت على السرير بعد أن انتشر صوت المظاهرات من أرجاء أجزائه القديمة.. شبكت ذراعيّ خلف رأسي واستدنت عليهما، رحت أتأمل الخطوط التي صنعتها الرطوبة على سقف الحجرة.. طرق وأخاديد.. (حاولي التذكر.. كان رائعاً.. كانت بداية رائعة.. لا أتذكر ما ارتديه.. ولكن كل ما اذكره أنه كان صباحاً بارداً).. لم تقل شيئاً هذه المرة ولم أسمع ما يشابه أي شيء.. المطر في الخارج يتهاطل بخفة وبعمق.. (سيكون ربيعاً رائعاً هذه السنة.. هل تعتقدين ذلك).. نظرت إليها وانتظرت أي كلمة أي همسة.. سمعتها تتمتم (أتعتقد ذلك؟).. كان السقف مليئاً بلوحات تشكيلية لأحد أولئك المجانين وأنا أحاول أن أبعد ناظري عن كم الفوضى هناك، لماذا لم أطلِ هذا السقف من قبل؟! لا أدري، ولكن حين تأتي النهاية قد أقوم بذلك.. ولكن أي نهاية؟!.. (نعم أعتقد أنه سيكون ربيعاً رائعاً.. كذاك الربيع قبل.. قبل.. يا ترى كم مضى على ذلك الربيع.. هل تعرفين ذلك؟) صمت.. المطر يزداد حدة أعدها.. واحد، اثنان، عشرة، مائة ثلاثمائة وعشرون خمسون ألفاًً خمسمائة ألف وثلاثة وعشرون، لا يمكن عدها.. كنت أعد السنوات أم الأيام أم كنت أعد قطرات المطر؟!.. اظنني كنت أحاول عدّ قطرات المطر.. يالي من أحمق لقد قمت بذلك منذ زمن وما زلت أستمتع بإعادة الكرة في كل مرة تهطل فيها الأمطار.. أعدت سؤالها (هل تعلمين متى كان ذلك الربيع) ارتعشت وجنتاها وتأملتني للحظة ميتة (ذلك الربيع الجميل) اعتقدت أنني رأيت ابتسامة على ثغرها الوردي القاني.. ولكنني لم أعد أثق بحواسي الحمقاء.. هل ابتسمت حقاً.. خرجت ابتسامة من قلبي، ابتسامة طفلة الأمس.. غمرتني بلحظة تناقض لمشاعر من الحنين والغضب.. نظرت نحو السقف مرة أخرى.. كان ذلك الصيني العجوز بجبهته المائلة يقف هناك بين الخطوط العشوائية، كانت ابتسامة صغيرة تخرج من خلف لحيته وشاربه الكثين.. ابتسامة مستفزة.. ازداد الغضب في داخلي وارتفعت درجة حرارة المكان.. شعرت بالاختناق من الحرارة التي كانت تخرج من داخلي كان اللهب يرتفع في أرجاء جسدي.. توقف المطر عن الهطول.. وظهر القمر من وراء محاقه أسودٌ يوحي بالأمل اللام جدي، وقفت فجأة على قدميّ، شعرت بالدوار، أمسكت رأسي.. راح قلبي ينتفض وعقلي ينبض.. نظرت إليها وصورتها باهتة غامضة.. (هل تتذكرين شيئاً، أجيبيني).. صمت.. حريق يندلع في جسدي (هل تذكرين البداية، ذلك الصباح).. كنت سأشتعل بعد قليل وهي لا تصل بعينيها إلى مكان وأنا لا أستطيع النفاذ إليها.. (كان صباحاً بارداً).. (كان ذلك الربيع قبل!.. لا أتذكر قبل كممن السنين أو القرون أو قطرات المطر).. (قولي لي منذ متى كان ذلك.. أنا لا أتذكر.. إنني احترق، أرجوك تكلمي).. (كان ربيعاً رائعاً.. هل سيكون الربيع القادم كذلك؟)، لم تتكلم، لم تقل شيئاً، لم أسمع ما يشابه ما قد تقوله.. ارتميت في ركن الحجرة الباردة، اشتعلت النار في ثيابي، وراحت تأكل جسدي.. وأنا لا أستطيع فعل شيء.. بدأت أتآكل وأذوب في النار.. وفي تلك اللحظة.. وقفت نظرت إليّ، تراجعت حاملة معطفها.. راحت تتمتم وأنا أنظر إلى عينيها الفارغتين من كل شعور أو غضب أو حتى شفقة.. (الصباح.. البداية.. البرد.. هل تعتقد أنه سيكون ربيعاً جميلاً.. متى كان ذلك الربيع يا ترى.. متى كان ذلك).. ابتسمت برقة، توقفت النار، شعرت بالفرح للحظات.. منذ القرن الذي مضى لم أشعر بذلك.. رأيتها تتجه نحو الباب وقفت عند العتبة.. رمقتني بحيرة واسعة.. همست بها (قولي شيئاً إنني لا أسمعك جيداً).. واقفة هناك ترفرف حولها طيور السنونو وتنشر عبق الياسمين تمتمت بصوت صارخ (أنا.. أنا لا أتذكر شيئاً.. لقد نسيت كل شيء).. صمت تأملتها للحظات اختفت بعدها من أمامي.. ارتسمت ابتسامة مقيتة على شفتيّ.. وقلت للفراغ المتخلف من جسدها (شكراً جزيلاً لك).. كانت النار تأكل باقي الجسد المهترئ لم يبقْ في الحجرة سوى طيف وهمس وعبق لياسمين تعفن منذ ما لا أحصيه من السنين.. عندما حلّ النهار كان الرماد يملأ الحجرة.. رماد الجسد المحترق..

5/2/2000

مقالات ذات علاقة

الطنطونة

عزة المقهور

جسد مُطفأ

وفاء البوعيسي

شارع القطن

إبراهيم بن عثمونة

اترك تعليق