المقالة

الركود الثقافي في مجتمعاتنا العربية

تعج حياتنا بالكثير من الكتب والمؤلفات،والمطلوب هو استخدام تلك المؤلفات قراءة ودراسة مع الإمعان والتدبر والعيش في سطور المقروء والمكتوب.

وإذا أحصينا المكتبات التي تتوزع طولا وعرضا في كل البلدان العربية على وجه الخصوص ..وأوغلنا في بطون تلك المكتبات لوجدنا ما فيها من مدونات تفوق أعداد البشر الذين يعيشون في تلك المنطقة ..ولكن السؤال الذي يطرح نفسه : هل لتلك المكتبات مكانة أو مركز في حياة أولئك البشر.؟

ذات يوم تحدثنا مع باعة كتب وكان الحوار يسيطر عليه نوع من الركود والفتور كتجارة الكتاب نفسه ، قال البائع: لا أحد يشتري الكتاب ..وقد تجد من يشتري أشياء تافهة ويضع أمواله في أمور سرعان ما تتلاشى مع الأيام على أن يضعها في قصة أو كتاب ثقافي بل ترى المشتري حينما تشير إليه أن يدخل مكتبة وهو في طريقه للسوق ، فسيرد عليك أنه لا يريد أن يضيع وقته …أو أنه لا يحب قراءة الكتب ولا يحب اقتناءها !!!

العجب أن القراءة في الوطن العربي باتت تشكل أزمة حقيقية فالقارئ العربي صار شذوذا في مجتمع يعج بالماديات .وبالمقابل تجد النخبة المثقفة بالمجتمع الذين يهتمون بشأن الكتاب، يحتجون على ارتفاع سعر الكتاب …بل إنهم يذهبون للمكتبات ويحضُرون معارض الكتاب إلا أن الأسعار تكاد تلتهم الأوراق كما تلتهم النار الهشيم ….فيعودون من تلك الرحلة الصاخبة بالثقافة والكتب بحوصلة قليلة من كتب ومجلات ثقافية …وربما يعجزون عن شراء المصادر وأمهات الكتب .

فالكتاب يتأرجح بين العزوف عنه ..وارتفاع سعره لدى المقبل عليه والمثقفين داخل المجتمع ..

وعلى الصعيد الآخر وبين أروقة الجامعات التي تعد المنارة الثانية لوجوه الثقافة والمثقفين وتعدد المنابع والمصادر : فإن الطالب الجامعي يهتم بالكتاب والقراءة التي تكون في تخصصه ..وسرعان ما يهجر الكتاب والقراءة والاطلاع بمجرد أن يتخرج من الجامعة .

وداخل المدارس تجمد القريحة …حيث المعلم يعتمد فقط على المنهج المقرر ليصبه في الأذهان صبا …ويتأكد من حفظه ليتم بالتالي دور الطالب عندما يفرغ ما شحن في ذهنه من معلومات في ورقة إجابة الامتحانات ،ويستمر مسلسل الركود الثقافي والنفور من شراء الكتب حتى أصبح مشتري الكتاب في وضع لايُحسد عليه من الاستهزاء والإشارة إليه على أنه لاشيء وراءه غير الكتب .

وهذا الوضع مؤسف جدا خاصة إذا استشرت الحالة وصار وضع الكتاب بهذه الصورة في أمة الإسلام التي ورد الذكر بأول آية ألا وهي الحث على القراءة ،وما أكثر آيات التدبر والتفكر والتأمل التي تعني القراءة لكل شيء!

ولِيَعِ المواطن العربي أن سوء الأحوال الفكرية في الأمة العربية ناتجٌ عن جمود القريحة التي تتمرن بالقراءة والانفتاح الفكري ،وخلو حياتنا من القراءة مما يعني أننا نعاني رضوضا وجمودا بالفكر حتى أننا نهتم بأفكار بالية لا تتمشى وروح العصر ،وكلما حاولنا أن نكيّف أوضاعنا حسب التقدم العلمي والفكري الموجود في المجتمعات نجد أنفسنا نعاديها وتسبب لنا شقاء مريرا ؛ والسبب من وراء ذلك جهلنا الناتج عن هجراننا للقراءة التي تعني الانفتاح الثقافي وفهمنا لطبيعة الواقع .

أما عن تأثير الثقافة النفسي فهي خير وسيلة للقضاء على الكثير من الهواجس النفسية ؛ فالقراءة حالة استمتاع نفسي إلى جانب كونها فكري …ولو لاحظ القارئ المطلع على كتاب بواقع كل أسبوع على الأقل ..فإنه سيرى تبدلا كبيرا في التعامل مع مشاكله الحياتية ، ولا ننسَ أن الاستفادة من خبرات الكثيرين تؤدي إلى تطور وتنمية الشخصية عن طريق الاطلاع الدائم والقراءة المفيدة.

فتعويد النفس على القراءة محاولة صعبة شاقة لمن يبتدئ بتغيير وقته تكييفا لزمن قراءة معين ومحدد ، ولكن النتيجة ستكون مبهرة فيما لو عوّد وقته وكيّفه على طريقة مرنة كأن يبدأ بالاطلاع على مقال في صحيفة ما ..أو مطالعة صفحة من صفحاتها تهتم بتنمية فكره ؛ قصصا أو إبداعا أو حتى حوار يثري ثقافته .

فلتبدأ القراءة بصحيفة ولتنطلق في آفاق كتب متنوعة ومتعددة؛سيجد حجم الوقت قصيرا ، وحجم ما اكتسبه من معلومات وأفكار كبيرا وكثيرا جدا ..وسيغرس في نفسه إلحاحا يلح عليه أن يكون في حياته كتاب يصادقه.

مقالات ذات علاقة

تطقيس العنف ثقافياً

المشرف العام

عنوان بيتنا أو تاجوراء عام 2970

محمد النعاس

عين أخرى تنطفئ

مهدي التمامي

اترك تعليق