من أعمال التشكيلي الليبي .. علي العباني
قراءات

الرقم الإشـاري للنص الألفيني

(ليس في الفكر نموذج جاهز للبس)

روجيه غارودي

 

(1)

يا للهول.. في عصر الرقمنة مازالت القصيدة تستورد شعريتها من استقامتها على الهياكل المحنطة.. أو البحور التي نزحت حيتانها ومرجانها وآخر قطرة من ماءها.. إركاسة لم يشهد لها مثيل هي التي تعيشها القصيدة اليوم.. هذه الإركاسة تحيلنا إلى بؤرة من الاستفهامات.. بحثاً عن أسباب هذا التقهقر.. فالمنجز الثمانيني والتسعيني برمته يعاني من داء/ المحاكاة/ الذي أجهز على أي خلق يمكن أن تقدمه القصيدة.. ولعل ضياع الحداثة كمفهوم التجاوز الذي يتجاوز ذاته هو السبب الذي كان وراء التخبط الذي تعيشه القصيدة الآن.

(2)

المنجز الثمانيني والتسعيني لا يعني جيل الثمانينات والتسعينات.. بل هو منتوج العقدين الماضيين الذي كما أسلفنا يخلو من ظاهرة الخلق.. فالنص الأدونيسي تحنط.. أما الفراخ الأدونيسية فقد تاهت.. وهذا التيه تولدت عنه ظاهرة نصوص الكوكتيل/ نثري –حر-عمودي/ التي لجأ إليها الشاعر كي يعمد شاعرا وهنا فقد – أي الشاعر – دوره كمبشر.

ولن يجرنا الحديث عن نصوص التي انتخبت نص البياتي وقباني ودرويش لأنها لا تعدو عن كونها نسخ لتجارب مكررة ومعارك منتهية.

وإن كان هناك خلق حقيقي فما هو تفسير العودة إلى هذه التي تسمى/ تفعيلة/ التي لم تترك الشعر الكلاسيكي يغني بقوافيه ولم تترك الحديث بعدما تجاوزها يمضي ليحقق طموحات أخرى.

بهذا خلقت ربكة أي التفعيلة رغم دورها التاريخي كمرحلة من مراحل جهاد القصيدة ونضالاتها ضد الحدود المصطنعة أما الآن فلا يجب أن ينظر للتفعيلة سوى كونها منجزاً يؤرخ لفترته التاريخية.. أما هؤلاء الذين يقرصنون للتفعيلة فلأن طموحاتهم لم تسعفهم لفض بكارة العروض أو التنظير لخلق مبتكر.

أذكر أن سألني أحد هؤلاء القراصنة عن البحور الستة عشر –وأذكر أيضاً أني أجبته لا أعرف إلا بحراً واحداً هو البحر السابع عشر الذي افترضته وأسميته بالبحر الميت.. ما هي قاعدته الوزنية؟

مندهشاً سألني محدثي.. أجبته، أنه البحر الميت.. البحر الذي تموت فيه الأوزان الملفقة وعلى ظهره يسبح الجميع غير أنها أي السباحة خطرة تحتاج لمهارات خاصة أولها الرقص الرشيق بالمعنى وآخرها أن لا مكان للمرجعيات الباهتة؟.

(3)

طبيعي.. إن العقدين الماضيين فترة شهدت مشاكلة للنص مع ذاته.. وإن اللغة الشعرية لم تستقم مع أبجدياتها ومع متلقيها.

طبيعي.. انحصار دور الشاعر في وضعية مخجلة شأنه شأن من يرشق بالحصى قلعة حصينة من الخارج.

لمـاذا؟

لأن فترة الثمانينات والتسعينات فترة انتقالية للنص.. فترة غربة.. ترتيب.. توتر.. انتظار لميلاد شيء آت..

هذا الوليد هو السياق الطبيعي الذي يواكب عصر الرقـم.

(4)

قالها اكتافيوباث “على الشعر أن يكون لا أن يعني”.. إذن يكون الشعر أولا ثم يباشر في تحقيق طموحات المعني.

أليست الكينونة تؤسسها اللغـة.

اللغة ليست شيئا نتعلمه بل شيئا يحدث لنا عند تشومسكي..

هذا يدفعنا إلى سؤال.. وهو ماذا يحدث لنا من اللغة؟ اعتقد في عصرنا لا يطالنا من اللغة إلا أبجدية الرقم.

في منهجية “أندريه برتون

الشعر يكون صنيع الجميع

كيف يكون صنيع الجميع؟ هل يكتبه الجميع؟

لا اعتقد أن برتون يجعل المجتمع بأسره شعراء.. لكن فيما أظن أنه صنيع الجميع بمعنى يسهم فيه الجميع.

الإسهام: تلقى.. استيعاب.. تفاعل..

العالم صار قرية صغيرة.. هل يمكن للفرد في هذه القرية أن ينشئ حوارا مع الآخرين بلغة قزمية لا يجيدها الآخرون؟

إطلاقا.. لا يمكن ذلك إلا بلغة القرية الموحدة.

إذن الشعر لا يمكن له أن يحقق كينونته في العصر الألفيني الثالث إلا عندما يؤسس بلغة القرية أو العالم التي هي لغة الرقم..

القصيدة الرقمية هي التي ستزيح عتمة الحوار الإنساني.. هي القصيدة الوحيدة القادرة على تخليص الشعر من عرجه. هي التي ستجعل الشعر يسير بأكثر من قدم.

ما الذي نحتاجه لكتابة قصيدة رقمية؟

.. اعتقد لا نحتاج إلا كسر الرأس بالقبقاب على رأي مصطفى محمود مع حمقاه من الثيوقراطيين.

فعلا الأيام القادمة.. أيام معرفية نخبوية حتى النخاع.. من لم يستطيع اللحاق بهذا الركب المنفلت فإنه من الصعب أن يمارس وجدانه بل إنسانيته.. وبالتالي سيهمل في الحظائر كما هو الحال مع البشر الذين لم يستطيعوا أن يحققوا إنسانيتهم..

مقالات ذات علاقة

ليبيا.. “حوليات الخراب”، رواية جديدة عن ليبيا

المشرف العام

الصيدلانيات الشاعرات

يونس شعبان الفنادي

دراسة حول قصص على الهواء ؛ الصادرة بمجلة العربي العدد 655 / يونيو 2013

سعاد الورفلي

اترك تعليق