طيوب البراح

الرغبة في العودة

 

محمد عياد العرفي

ولد في شتاءٍ ممطر من أبوين عربيين ضمته الأم في حضنها ترتجف..تحوم حول المكان تجلس وتقوم تخمن في مستقبل أبنها ..هل سيستطيع؟ أم سيسقط كالآخرين.. لفته بقطعة قماش..ورفعت يداها نحو السماء..تدعو الله بأن ينجو فأخوته رحلوا قبل أن يخوضوا مرارة الحياة .

خرج الأب من الكوخ متجها نحو الغابة ليجلب بعض الحطب ..زادت قوة الريح تصفعه يميناً وشمالا ويتقَوى هطول المطر حاول أن يرجع لكن الرؤية باتت معدومة.. نزل تحت شجرة الزيتون وبدأ يضم يداه ويزفر أحس بجسده يتجمد وصار هو الأخر يدعو الله بأن يعيش الطفل ..سمع صوتاً يأتي من وسط الغابة ..تذكر حكاية القرويين التي دامت عقوداً حينما قالوا أن الغابة تملكها جنية تخرج من وكرها كلما شعرت بالضيق وتقتل كل آدمي تقابله..شعر بالخوف يتدحرج على أطراف جسده .. شعر بالرغبة في العيش, بالبقاء, حتى يشاهد طفله الذي لم يجالسه بعد ..وفجأةً ظهر أمامه خيال امرأة تشع بالنور ..ينسحب من جانبيها وشاحاً طويلاً كلما اقتربت .. كلما حس بالسكينة والطمأنينة ..وقفت قرابة الشجرة ..ملامح الوجه ُتعبر عن الضعف والوهن..وعيونها تبرق ضوءً يتحدث عن أملٍ يحتضر والتجاعيد تملأ صفيحة الوجه كأسطر كتبت عن ؟أمجاد الرجال وعن رؤوس النعام المندسة في التراب..فوصلت للناصية وانحدرت مع مرور الأيام والسنين مكتظة بالمقاومة والنضال إلى أن وقفت لقاعة الرقبة هامدة بعنقود حلقٍ نحيف تتكاثر عليه أقفالا من الحزنِ والنكد..ما إن زفرت خرج منها ذبذبات من الهواء تهفو نحو الشجرة تتشكل على هيئة لوحة مائية لا يعرف ما بداخلها ..جفونها كأجنحة فراشة تنتقل من زهرة إلى أخرى .. وخداها كتفاحٍ أحمر ذابل .. كان العربي مرتعبا بعض الشيء فسألها : هل أنت الجنية ؟ فلم تجاوبه.. مسكت بجذع الشجرة فخفض صوت الريح ورمت وشاحها الأبيض على جسده فشعر بدفء فاطمئن وأبتسم وسألها من جديد.. لماذا أنت وحيدة ؟ أنت جميلة كيف تعيشين في هذا المكان المرعب ؟ كيف صبرتِ على المكوث؟ أشارت بإصبعها بين الأغصان ..وانطلقت دموعها تنساب كزجاج يندثر على الأرض ..فوقف العربي وحدق نحو الأغصان ..والتفت نحوها فتجمدت شفتاه عن الكلام.. وكأنها على وشك أن تقبض روحها.. ترتجف تحرك يداها النحيفتان كراية رفعت يوما وتهاوت بعد حين.. فاقتربت منه وهمست في أذنه خوفا من أن يأتي الغرباء ..ونطقت :هاأنا كنت يوما يتباهى بي كل من لي ..ويتمنى كل من ليس لي أن يبقى لي..ها أنا كان الغريب في دياري .. ينعم بعيشة الكرماء أخذ كل ما طاب له من طعام وشراب وسكن أرضي واستولى على مزرعة أبنائي.. كان دائماً يعاتبني.. كان دائماً يكرهني ..وكان دائما يرغب بخروجي ..ولم يكف عن مضايقتي ..بل تحرش بي بين أهلي وجيراني.. وتجاهلني كل من رأني ..ولم يكف عن هذا ..بل اغتصبني ..نعم اغتصبني ..وهتك عرضي ..اسمع يا عربي أنت مني مازالت تقاوم , مازالت على قيد الحياة ..هي رغبة البقاء , أترى ذاك المكان …أتدري !! لماذا القدس لا تنام ؟ ولماذا العرب صاروا نيام ؟ أنه زمن الخذلان ..يتجمعون في وقتٍ ويتفرقون في أشد الأوقات ..ينددون في لحظة ..ويختلفون في كل لحظات..هكذا اغتصبت ..وخرجت وصرت كالجنية أعيش ولكنني لست من أعيش ..أشاهد ولكنني لست من أشاهد ..أخاف , أغضب , ألعن , أستاء ,

أرى القدس تغتصب.. و أرى العرب تغترب ..أرى الخنوع ..أرى تشتت أبناء الوطن ..ومازال الكثير يا وطن ..مادمنا لا نهتم للقضية..مادام جلوسنا صار سخرية للبشرية ..بل صار ضياع للشعوب العربية..وأصبحنا وليمةً شهية يلتهمها كل أفواهٍ غربية..هكذا يا عرب تجعلون منى أضحوكةً للغرب ..هكذا تستباح الأعراض ..وتعدم الشهامة ..وننسى معنى الأخوة.. ..ويطرد ابن البلد يطرد ويهاجر ..ويصبح غريبا..يصبح لاجئاً ..يصبح بدون هوية ..هكذا أصبحنا نضحك سنوات ..نتابع , نشاهد ,نصرخ ونقول ماذا حل بأمتنا ؟ متى نعود لأوطاننا؟

أسمع أيها العربي.. هذا وعدي,, وهذا قسمي ,, وهذا ما سيحدث بالضبط.. لن يمكث الأنجاس على أرضي طويلا سيخرجون عما قريب بأذن الله..

 لن يحل السلام إلا بعد تحرير الأقصى ..لن يجتمع العرب إلا بعد أن يجتمعوا على كلمة الحق ..لن يجتمعوا على كلمة الحق إلا بعد أن يرجعوا إلى دينهم ..ولن يرجعوا إلى دينهم إلا بعد أن يتبعوا العقيدة الصحيحة ..ولن يتبعوا العقيدة الصحيحة إلا بعد أن يتبعوا سنة خاتم الأنبياء والرسل .

ارجع يا عربي .. وسل زوجتك هل ستجعل منه رجلاً يعيش من أجل قضية ؟ يعيش من أجل العودة ..أم انه سيكون كما الآخرين يتذوق حلاوة القرويين ..يبدأ صبياً يلعبُ بالطين ..يكبر شاباً يبحث عن متعة السنين..يغني ويرقص وينسى معنى فلسطين ..يصبح عجوزاً يقص.. قصصاً عن أشلاء الثائرين ..ويموت راغباً.. يتمنى ولو رشق فردة جرابه ..على كل معتادٍ أثيم .

 _______________________

نشر سابقا في قوريناش

مقالات ذات علاقة

البصرية

المشرف العام

أحيانا

المشرف العام

لا أحب الوداع

المشرف العام

اترك تعليق