النقد

الرستميون يعودون في رواية

يواصل الروائي الليبي أحمد إبراهيم الفقيه، استكمال مشروعه السردي الذي بدأه أواخر الستينيات من القرن الماضي، فبعد روايته المُتكوّنة من أحد عشر كتاباً «خرائط الروح»، وبعد عدة كتب أخرى أصدرها في السنوات الأربع الأخيرة، تتناول ثورات الربيع العربي وتداعياتها، خاصة في ليبيا، ها هو يعود بعمل جديد مختلف من حيث الموضوع عما كتبه سابقاً، إذ تطرق في هذا العمل الروائي الذي سماه «الطريق إلى قنطرارة» والصادر عن دار نون الإماراتية، إلى مكوّن الأمازيغ في ليبيا وتاريخه على مَرّ الزمان، حيث تحدّث عن قيام وسقوط أول دولة إباضية أمازيغية في التاريخ، التي كانت عاصمة جبل نفوسة في ليبيا، الجدير بالذكر أن الحديث عن الأمازيغ أو تناولهم إبداعياً كان من المحظورات في عهد القذافي، إذ يرى القذافي أن هذا التطرّق به تهديد للهوية العربية، ويدرج تناول الأمازيغ في خانة الأعمال السياسية والخيانة العظمى، حيث لاقى كاتبان أمازيغيان (الشاعر المحروق والكاتب النامي) متاعب كثيرة، منها وفاة الشاعر سعيد المحروق في ظروف غامضة، واختفاء عمر النامي إلى يومنا هذا.

عن بوابة الوسط
عن بوابة الوسط

يقول أحمد إبراهيم الفقيه في تصريح لـ«الدوحة» حول تطرقه لموضوع الأمازيغ متأخراً وبعد سقوط نظام القذافي: «كان عهد الاستبداد الانقلابي يمارس حظراً على مثل هذا التراث وهذا التاريخ ولم يكن مسموحاً لإخواننا في الجبل الغربي من أمازيغ ليبيا إلّا الموافقة على مقولة رأس النظام وهو أنهم عرب جاءوا من اليمن. وكان يمنعهم من تسمية أولادهم بأسماء تحمل طابع الهوية الأمازيغية أو تشيد ببعض الشخصيات التاريخية ولم يكن ممكناً أن تصدر مثل هذه الرواية في ليبيا ولابد أن كاتبها سوف يعتبر شوفينيا متعصباً ضد العروبة معارضاً لهوية البلاد العربية وأي كلام آخر لا يتفق مع المنطق ولا ضرورة له أساساً ولا خوف على الهوية العربية من مثل هذه الهويات والإثنيات».

وقنطرارة كما هي في الواقع، هي قرية تاريخية في جبل نفوسة الليبي، لا تزال آثارها موجودة، في شكل حجارة متراكمة، كانت لها مكانة أيام الدولة الرستمية التي حكمت المنطقة من عاصمتها في تيهرت بالجزائر، في الفترة من160هـ، واستمرت إلى سنة 296هـ، أي زاد عمرها على قرن وثلاثة عقود، حيث كانت هذه البلدة عاصمة الإقليم لفترة من الوقت تقوده باسم الدولة الرستمية الأمازيغية، إلى أن داهمها حاكم من حكام دولة الأغالبة هو إبراهيم بن الأغلب الثاني وليس المؤسس الذي يحمل نفس الاسم، ويكنى بالمجنون، فأباد أهلها وحطم أبنيتها، وأزالها من الوجود، لتبعث بعد ذلك في منطقة الجريد في تونس قريباً من مدينة نفطة بنفس الاسم. المهم أن هذه البلدة هي التي انحدر منها أسلاف، وانتسبوا إليها وصاروا يعرفون باسم قنطرار، وعادوا لإنشاء واحة في الصحراء هي مزدة، التي يسكنها سلالة قنطرار القديمة.

وقد تطرّق الفقيه إلى فكرة تكون هذه الرواية في ذهنه قبل أن يشرع في كتابتها، حيث قال : «منذ أعوام الطفولة، كنت أسمع حكايات عن هذا الجذر النفوسي، لأهلنا، وعن قنطرارة التي انقرضت في الجبل، ثم قنطرارة التي انقرضت في مناطق الجريد، بل وعن قنطرارة أخرى في الجزائر، وربما رابعة في المغرب، إذ كانوا يتعرضون للاجتياح في مكان فينتقلون إلى مكان آخر، هذه هي القصة التي سمعت شذرات من تاريخها، وكانت تلوح بين الحقيقة والخيال، إلى حد أن شيخاً من أعمامنا اسمه الطاهر إحنيش، كان رحالة، وراوية، وصاحب ولع براوية التاريخ لأطفال العائلة، وكان يذكرنا بهذا التاريخ، ويقول إن أهلكم كانوا حكاماً، الحقيقة لم تشكل هذه الحكايات هاجساً بالنسبة لي، فلم أعتنِ بأن أبحث عن هذه الأصول والجذور إلّا صدفة، وفي مرحلة متأخرة من العمر، حيث قرأت كتاباً لمؤرخ تونسي هو المرحوم الدكتور صالح باجية، عن الإباضية في بلاد الجريد، وذكر أن لبلدة قنطرارة دوراً في قيادة المنطقة، وتعليم أهلها، هذا المذهب، من مذاهب الشريعة، وحدث أن سعت جمعية مزدة (مدينة الكاتب نفسه) للتراث إلى إقامة مؤتمر تاريخي عن البلدة، وعن مسيرتها في مواكب التاريخ، ودعت هذا المؤرخ التونسي إلى المشاركة في الإعداد لهذا المؤتمر، وفعلاً جاء إلى مزدة، وتحقق اللقاء به، إلّا أن المؤتمر لم يتحقق، ربما لصعوبات في تمويل، ولعدم وجود تشجيع من السلطات على إحياء مثل هذه التواريخ التي لم يكن النظام يحبذ إحياءها، إلّا أن الدكتور صالح أرسل يدعونا إلى زيارته، وكنت أحد الذين تلقوا الدعوة للسفر إلى هناك، وسط احتفاء من أدباء المنطقة، حيث رافقني رئيس اتحاد كتاب تونس المرحوم الشاعر الميداني بن صالح في رحلتي إلى نفطة وإلى بلاد الجريد، والذي كان هو أيضاً ابناً من أبنائها، وكما شاهدت آثار قنطرارة في جبل نفوسة، شاهدت آثار قنطرارة، في بلاد الجريد، وزرنا أضرحة أسلاف لنا هناك، وكانت فكرة عمل روائي يعيد إحياء هذا التاريخ، تتفاعل في ذهني، وأخذت عهداً على نفسي، وكنت تحت المرض في لندن، إنني إذا شُفيت، فإن أول شيء أقوم به وفاءً لأولئك الأسلاف، وتلبيةً لنداء من أجيال جديدة من أبناء المنطقة، واستحضاراً لذكرى العم الراحل الحاج الطاهر إحنيش الذي لم يكن أهله يصدقون ما يردده من تاريخ، هو كتابة قصة هذه البلدة».

____________

نشر بمجلة الدوحة

مقالات ذات علاقة

أخطار العبور (المتوسطي) بين ضفتي… القذافي وبيرلوسكوني

المشرف العام

تبقى الحياة والمعرفة

عمر الككلي

جدليَّةُ الظل والجسد في ومضات جمعة الفاخري القصصيَّة

المشرف العام

تعليق واحد

احلام البدرى 12 أبريل, 2015 at 18:06

اشكرك بود …امتعتنا بسرد رائع ماكان سليفتنى او يثير اهتمامى هذا العنوان بلدة فى جبل صامد ، دام بلد الطيوب عابق بثراءه الجميل

رد

اترك تعليق