المقالة

الرزنـــامجـتـــــان

 

ثمة دراسة كتبت في الأصل لجمهور القراء في الغرب إذ اعتمدت كما يقول مؤلفها “جورج ماي” إن السيرة الذاتية شكل أدبي تختص به الحضارة الغربية.. فهي سيرة يكتبها المؤلف بنفسه وما يراه جورج ماي أن 600 صفحة أو 800 صفحة لا تكفي البتة لعرض ما شهده المرء من تجارب طوال خمسين أو ستين عاما مما يدعو المؤلف إلى التطويل. أما عن النقطة الأولى التي أشار إليها مؤلف كتاب “السيرة الذاتية” وهي أن هذا الفن بدأ في أوروبا أو في الغرب فلعلي أسير إلى أنني قرأت كتابا حققه الدكتور محمد قاسم مصطفى وأصدرته كلية الآداب بجامعة الموصل 1989 م تحت عنوان “يوميات أديب” لأبي الحسن علي بن أبي الطيب الباخرزي المتوفى سنة 467 هـجريا والكتاب يقع في 174 صفحة والباخرزي أديب بارز من أدباء القرن الخامس للهجرة وأول من أشار إليه الدكتور علي جواد طاهر في كتابه “الشعر العربي في العراق وبلاد العجم والعصر السلجوقي” وعنوان الكتاب الأصلي الذي خطه “الباخرزي” هو “الرزنامجتان” أي اليوميات وديوان الباخرزي محقق ومطبوع الآن عن نسخة قديمة وجدت في استنبول وهذه “الرزنامجتان” تقعان في دائرة فن السيرة الذاتية الأدبية وهما يوميات الباخرزي في ” زوزن” المدينة التي منها الزوزني شارح المعلقات المشهور.. ولقد آثرت أن أقترح على القارئ الكريم أن أناقش على مسامعه هذه النقطة بالذات التي أشار إليها ” جورج ماي” باحث السيرة المعروف في أن هذا الفن نشأ في أوربا ولم يعرف في غير ها مثلا فلا نصدق إن حضارة امتلأت بالكتب و المعرفة وخرج منها آلاف الأدباء على مدى قرون لم يفكر واحد منهم في كتابة سيرته الذاتية أو يومياته ولعل من يقرأ كتاب الأمير أسامة بن منقذ “لباب الآداب” يجد نتفا من سيرته الأدبية والشعرية ووصفه لزلزال شيراز وأيامه في القصر والحرب والحكم شعرا ونثرا على أن الباخرزي هنا في اليوميات يفرد لها كتابا خاصا ويسجل فيها أهم الأحداث بأدبه العربي الأصيل فهو شاعر معروف ولعل قصيدته الشهيرة التي عارض بها سينية البحتري خير دليل على ذلك والتي مطلعها : وعدتْ معهد الصبابة نفسي وتسلّت عن الزمان الأخسّ وقد أتقن الفارسية ونظم بها رباعيات في رسالة له هي “طرب نامة” وقد عمل لدى السلاطين والملوك في دواوين الرسائل وسافر يجوب البلاد وتوثقت صلاته بهم وبعلماء وأدباء عصره أما عن هذه اليوميات فإن الباخرزي قد عول فيها على الأداء القصصي فيما يتصل بالأحداث والمناسبات التي بنيت عليها والشخصيات وعلاقاتها وحواراتها والوصف الذين يلجأ إليهما ورسم البيئة”المكان” الذي جرت فيه الأحداث وتحركت فيه الشخصيات وثمة رسائل قصيرة أيضا متبادلة بينه وبين بعض الأدباء البارزين في ذلك الزمن وقد كان متأثرا بالثعالبي في نثره ونهج نهجه في العديد من مؤلفاته وركز على السجع المزدوج كإطار بنى عليه أسلوبه ولم يحد عنه إلا نادرا. وفي البداية يقول الباخرزي ( لا غنى بي أن أزين هذه الرزنامجة بذكر الأفاضل الذين ألقوا بهذه الحضرة ( يقصد مدينته زوزن) عصي مقامهم ، فشجوا فيها أوتاد خيامهم وارتبطهم مولانا بعد استكرامهم فإن آدابهم في أعذاق الفضل شماريخ وأيامهم لمواسم العلم تواريخ ، فأولاهم بالتقديم ناظم الشرف الحديث والقديم وناثر الدر في أرض القراطيس والناشر عليها أجنحة الطواويس : الشيخ أبو نصر الباذغيسي ناصع الظرف كامله ، ثم الشيخ أبو سعيد الطبسي ) ويستمر في سرد وذكر المحاضرين في تلك المجالس و العلماء واصفا إياها وما يدور فيها ناقلا المسائل والطرف والأحاديث ،أو حين يقول : ( وردت على المجلس السامي ــ زاده الله في رفع قدره بطول بقاء صدره غرة ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وأربع مئة ولقيته بالرائية التي أولها : سقت ذوائب سعدى وهي منتشرة سحابة الند ماء الوردة العطرة وهي ثمانون قافية فأعجب بها وتعجب منها) فهو هنا يحدد منذ البداية التاريخ بدقة متناهية واصفا المجلس موثقا لحدث أدبي أو مجلس ظرف وانس. يكتب الباخرزي عن مكائد القصر والسعايات والوشاية وحسد العلماء وكذب الأدباء ففي سعاية به إلى الأمير جعلته يفارق موطنه ( وكنت في أثناء هذه المحن على عزيمة الانتقال من خراسان إلى حضرة العراق ووطنت نفسي على الفراق وبي من الألفة داء أصم لا يصغي إلى الإفراق وفي ضميري قصص ليس هنا مكان لشرحها ،لا بل غصص شجت التراقي ببرحها ،وليعذرني في هذه الألفاظ الغثة ، التي لثت على القرطاس خرقا من أطمارها الرثة فإنها حصلت بغبار السفر عقيب السهر). ولليوميات أهمية كبيرة مما جعلني أكتب حولها أولا في أنها أقدم نص كامل وصل إلينا على شكل يوميات أديب من النصف الأول للقرن الخامس للهجرة وما نشر أيضا للصاحب بن عباد التي كتبت في أواخر النصف الأول من القرن الرابع الهجري على شكل رسائل أدبية وقد حفظت لنا طائفة من الشعراء والعلماء من شعرهم ونثرهم ما لا يوجد في غيرها وإنها كتبت على شكل قصصي مترابط بوحدة الزمان والمكان وحقيقية الشخصيات والأهم من ذلك عرضت جانبا مهما من الحياة الأدبية في مدينة هذا الشاعر في القرن الخامس للهجرة فهل من يرد على جورج ماي بأن السيرة فن قديم مارسه أدباؤنا العرب ?

19.06.2009

مقالات ذات علاقة

حدث فى يوم السبت 7 مارس 1964

المشرف العام

ثلاث مقالات قصيرة

منصور أبوشناف

ملاحظات على مسودة الدستور الليبي (2/2)

علي عبدالله

اترك تعليق