طيوب عربية

الرجل العاري محنة الإنسان والكاتب

علجية حسيني (تونس)


ترتكز رواية الرجل العاري لأبي بكر العيادي، الكاتب التونسي، على تقنية “ما وراء القص ” / Metafiction “. فلقمان المولدي، الراوي والشخصية الرئيسية، يعلم القارئ، من البداية، أنه كاتب يحاول البدء في تأليف رواية. وتهتم القصة المحورية للرواية أساسا، بمعاناة كاتب عازم على خلق نص أدبي جديد ومختلف عما سبقه من الأعمال الأدبية. يحلم الكاتب في الرواية أن يكون عمله اكتشافا جديدا وذا قيمة فنية. وقد أوحى لذلك من خلال اختيار أبيات شعرية لسان بيرس جون:

«وليس ضلا أيها الرحالة
أن تطلب المدى الأشدّ عُريًا
لتجدلَ عند خلجان المنفى قصيدًا عظيمًا.»

يكابد الكاتب، الشخصية الرئيسية على كامل الرواية، البحث عن: كيف ستكون الرواية؟ وعن ماذا سيكتب؟ وهي إشارة من الكاتب إلى أن التيمة المحورية للرواية هي “الكتابة عن الكتابة”. يحاول لقمان المولدي في الرجل العاري ترتيب أفكاره واختياراته وكيفية تناولها والتعبير عنها تقنيا ولغويا ليبدأ في عمله السردي، كالبدء في تخيل بعض التفاصيل عن حياة الشخصية المحورية لروايته وملامحها، شخصية المخبر. لكن التفكير في كتابة رواية يؤدي إلى محنة ثنائية. بالإضافة إلى المعاناة في ترتيب الأفكار واختيار مادة النص الأدبي ونوعيته، يدخل الكاتب في محنة أخرى وهي تذكر حياته الغارقة في الهزائم والخيبات المتتالية. وهو ما يعطل تركيزه وصفاء ذهنه لكتابة النص الذي يطمح أن يكون عظيما. وتصبح الرواية وصفا لمحنة كاتب يجلس ليبدأ في خلق نص أدبي لكنه يجد نفسه يتأمل حياته ويحاسب نفسه على أخطاء ارتكبها في الماضي وجعلت منه كائنا محطما وخائبا وحزينا. رغم الإطار الإنساني السوداوي والمثبط، يختار لقمان المولدي مواجهة أوجاعه ليبدع. وتصبح الرواية تصويرا لكاتب عالق في محنة ثنائية، كاتب يجهد نفسه في تأليف مشروع أدبي في مواجهة إنسان يرزح تحت ثقل ماض غارقا في الحزن والفشل.

محنة لقمان المولدي الإنسان:

 عند الانتهاء من قراءة الرجل العاري لأبي بكر العيادي، يفهم القارئ أن البيت المأخوذ من ملحمة دانتي الكوميديا الالاهية، «عن كلّ أمل تخلوا أيها الداخلون هنا» هي إشارة مقصودة، من الكاتب. يختزلالبيت الشعري معاناة الشخصية الرئيسية ويأسها لقمان المولدي أو حميد الإنسان المتشائم. تخلو كل التجارب التي مر بها، بتونس أو فرنسا، من أي مساحة ولو صغيرة للأمل والتفاؤل. وقد صنعت هذه التجارب الخائبة منه كائنا غير قادر على الحزن أو الفرح، «عينيه اللتين لم يبللهما من زمن دمع، رغم الفواجع كأنما أفقدته الصدمات الإحساس بالألم من كثرة ما انثالت عليه». عبارات فاروق العامري الجزء الآخر للقمان المولدي، ووصفه لحالته النفسية المتسمة بالقنوط والنكد هي انعكاس لهموم لقمان، «ما عدت انظر إلى وجهي في المرآة. أتعرف لماذا؟ … لان ما أراه يبعث في نفسي قشعريرة رعب». الكاتبالراوي كائن منكسر ومشتت وتائه، «أنا المنشطر نصفين يا فاروق». هو شخص وحيد بلا رفيق وحزين، «والآن ها هو عار في الوحشة وحده. لا يزور ولا يزار». يسكن غرفة بائسة وغير لائقة للعيش، «شقته العبوس التي لا يستر عريها غير ما تقتضيه الضرورة»، يدل وصفه للغرفة على إحساسه بالاختناق داخلها ويوحي أنه يعاني الفقر والحاجة، «مثل العيش في المنفى بعيدا عن الأهل والعشيرة بفرنكات لا تفي بالحاجة».

 تمثل رواية الرجل العاري بورتاي سرديا صادقا للظروف البائسة التي يعيشها المثقف الحقيقي أثناء حكم سياسي دكتاتوري. ويعكس وضع لقمان المزرى حالة مواطن مثقف محبط في وطن يمتلكه الحزب الواحد ويتملقه المثقفون المزيفون. كل الظروف الاجتماعية والاقتصادية تدفع الكثير من الأفراد إلى الهجرة إلى أوروبا. يحمل جميعهم تصورا ورديا عن فرنسا أو أي دولة غربية ويعرّضون أنفسهم للذل والإهانة، «طابور العار يتدافع بالمناكب في وضح النهار عند باب قنصلية فرنسا، يملأ الرصيف عند منتصف نهج صربيا، في حال من الذلة والهوان». يحاول الحالمون بالهجرة الفرار من وطن يعتبرونه لا مباليا وظالما. لكن آمالهم وانتظاراتهم العريضة، سرعان، ما تتبعثر وتتبدد بتأكدهم أنه لا فرق بين تونس وأوروبا. فلقمان المولدي يعاني الحاجة والبطالة والرفض من المجتمع الفرنسي. لم تختلف حياته عما كانت عليه في تونس. تنتهي آماله في الحياة، دائما، بالخيبة والإحباط حتى وإن غيّر المكان. يتأرجح زمنه النفسي بين ماض في تونس وحاضر في فرنسا. لا تحمل ذاكرته، عما عاشه في تونس، أي صورة أو حدث سعيد وتمثل حياته في فرنسا تكملة للفشل والظلم والقهر لما بدأه في تونس.

 يمكن اعتبار الرواية وقفة تأمل للشخصية الرئيسة مبنية على مقاطع من الذاكرة لتجارب وأحداث مضنية تنهكه بلا توقف، لا تعود إلى سطح ذاكرته بشكل متسلسل ومرتب زمنيا ومكانيا وإنما تعود صورا مقطعة وغير منظمة. وهو ما يوافق تشتت نفسيته وتشوشها. لقمان المولدي شخصية مثقلة بهموم فاقدة للسلام الداخلي. هذا ما يجعله إنسانا حانقا وناقما لما تكبده من خذلان، «نقمة على نفسه وحياته المسربلة بالخيبة والسواد». باسترجاع الشخصية الرئيسية أحداث حياته، يقف القارئ على الأسباب التي جعلت منه كائنا يائسا ومحبطا. كل تجاربه خلقت منه شخصا مسحوقا وممزقا نفسيا. فهو كائن ينتهي بالخسارة في كل اختياراته، «لم أوفق يوما في اختيار، ولو بين أمرين بسيطين لا ثالث لهما»، ويخرج من كل المعارك والاختبارات الحياتية إنسانا مهزوما وخاسرا، «مهزوم في البيت والشارع».

 لم يستطع لقمان المولدي تحقيق أحلامه البسيطة التي تتحطم قبل بلوغها. ينقطع عن الدراسة ليعيل عائلته، “فالدراسة طلقها في سن مبكر في أواخر الستينات والتحق بالتدريس ليعيل دستة من إخوة وأخوات يصغرونه». يؤدي إيمانهبقضايا إنسانية إلى حالة من الإحباط واليأس. يحلم بالوحدة العربية لكن الظروف السياسية تلعب، دائما، عكس انتظارا ته وينتهي كل أمل بهزيمة. وهو ما يدفعه إلى النقمة على انتمائه للعرق العربي ويكفر بكل الشعارات التي يؤمن بها، «مهزوم في الحرب والسلم، لم يعد يؤمن حتى بتلك الشعارات الفضفاضة التي غطت جدران بيته في سني الشباب وما تلتها». تصوير اكتئاب فاروق العامري وانكساره، بعد رجوعه من حرب لبنان ورؤية الدمار دون أن ينصرها العرب، هو تحديدا وصف للحالة النفسية للقمان المولدي لأن فاروق العامري يمثل جزءه الآخر، «في هيئته انخرام وفي حركاته اضطراب وفي حركاته خوف من شيء غامض. عاف الأكل والشرب».

 تنتقل ذاكرة الراوي، بين تونس وفرنسا، لتستعيد إخفاقاته. وكأن الشخصية الرئيسية في الرواية لا تجد في حياتها إلا الأسباب التي تدعو للشقاء والتعاسة. كما يرى الشاعر الإنجليزي ويليام وردزورث أننا لا نتذكر من تاريخ حياتنا إلا اللحظات التي عرفنا فيها مشاعر حادة. تمثل فرنسا بلد النبذ والعيش في الهامش، وتعني تونس الاستمرار في الحياة دون كرامة. لم يحتمل لقمان مصادرة الحرية ومنع التعبير عن الرفض أو انتقاد ظلم الدكتاتورية، لأنه مثقف، فهو يبحث عن أن يصدح برأيه حول ما يحدث في وطنه، «أن أجهر بما في صدري. أن أقول ما أريد قوله». لكن الحزب الحاكم يمنع الحق في حرية التعبيرفي وطنه. تسعى الطبقة السياسية في تونس إلى تقييد كل رغبة في التغيير وخلق شعب بلا موقف أو رأي، «الحكام في بلادنا يفرضون علينا الصمت. يقولون لنا: “كلوا واشربوا ولا تفكروا. نحن نفكر بدلا عنكم». عوضا أن ينادي المثقفون في تونس بالحرية واحترام كرامة الناس، فهم يتسابقون لإرضاء الحزب الحاكم للحصول على امتيازات مادية «شعراء اليوم لا يختلفون عن شعراء الأمس، غايتهم عطايا سنية ومناصب، وهم مستعدون مقابل حظوة دنيا أن يبيعوا حتى أمهاتهم». تخلى الكتاب عن أدوارهم الإنسانية. فبدل أن يهتموا بالمواطن المقموع، يتهافتون على تقديم خدماتهم للحزب القوي الظالم. وهو عكس تعريف ألبار كامي، الكاتب الفرنسي، لدور الكاتب وهو أن، «دور الكاتب لا يمكن وضعه اليوم في خدمة هؤلاء الذين يصنعون التاريخ: فهو في خدمة هؤلاء الذين يخضعون له» 1. تصوير لقمان المولدي للمثقفين في تونس يذكر القارئ بكتاب الواقعية الاشتراكية في روسيا بداية القرن العشرين حيث كانت أعمالهم تشبه “البروبقندا” لخدمة وتمجيد الحزب الشيوعي وتتجاهل القمع الذي يتعرض له الشعب. لم يختلف عنهم فاروق العامري الذي وصفه أصدقاؤه، في الماضي، بالبطل. يتنازل، مثل أغلب المزيفين من المثقفين، عن مبادئه أمام الإغراءات المادية التي قدمتها السلطة السياسية. سقوط فاروق العامري يصيب لقمان المولدي بالخلان رغم توقعه ذلك بسبب تواصل حالة التهميش والفقر التي يعيشها فاروق. ويدخل فاروق العامري في دائرة الكذب والزيف ليصيب لقمان بالخيبة في شجاعة ونزاهة كل المثقفين التونسيين، «فوا عجبي كيف يستهويك الطعم وليس به غير دود عفن، قد يغنيك من جوع، ولكنه لن يدفع عنك غائلة العار، يوم تكتشف بنفسك انك تواطأت معهم في نسج خيوط مؤامرة لإخراس صوتك… وبعدئذ ترمى رمي الطمر البالي، مثل غيرك ممن تنكروا لأفكارهم و نضالهم فباؤوا بعد الزيف بالمذلة».

يدفع الزواج بأنيسة لقمان إلى النقطة النهائية من اليأس والإحباط. يتخلى عن زوجته السابقة وابنته ليتبع امرأة تافهة، «لم يكن لها ما يشغلها غير الجل والبرقع. نرجسية، لا تمل التطلع إلى نفسها في المرآة. مسرفة، تبذر ما أكسبه بجهد فيما لا ينفع إلا المظهر». كما لا تتوقف عن إذلاله والاستمتاع في تعذيبه بشكل سادي لأنها، «تجيد الابتزاز». كما يثير انحطاط أخلاقها الخوف على ابنه الذي يحتاج إلى بيئة أخلاقية سليمة لتنشئته.

 يقرر لقمان المولدي مغادرة البيت ليجد نفسه وحيدا في باريس مع الإحساس بالخيبة والندم والعجز. تخلق النهاية الكئيبة، لكل التجارب، من لقمان إنسانا حانقا وناقما عن حياته وكل العالم، «ونقمة على تلك المرأة اللعوب التي قوضت أركان بيته الأول…نقمة على هذا العالم المجنون وقيمه المستحدثة التي جعلته يعيش على الهامش، مبعد عن كل ما يعطي الحياة معنى، ونقمة على هذا العجز». وهذا ما يجعلمزاجه يميل للعدوانية والتذمر من العالم، «انه يكاد يشهر حربا على كل الناس، الساسة والرأسماليين والأطباء والكتاب والشعراء والنقاد والصحافيين… كأنه لا يجد سعادة إلا إذا جعل الأخر قبلة لسهامه».

 تحتد محنة لقمان في مواجهته لمعضلة العجز عن القرار. يعي أن فرنسا تواصل نبذه وإبقاءه في الهامش مما يجعله يفكر في الرجوع للوطن، «ما الذي يبقيه في الغربة؟

الآن وقد انكشف الستر وهتك الحجاب وكشرت له الغربة عن وجهها البشع، وجه التيه والضياع والعزلة الخاوية». لكن، في المقابل، لا يستطيع العودة لأنه فاشل بعد تبعثر الأحلام التي ركض خلفها وغادر وطنه من أجلها، «بأي وجه يعود وقد جاء يطالع حلما بسعة البحر، فباء سعيه بالخسران”.

محنة لقمان المولدي الكاتب:

 داخل هذا الإطار السوداوي يصر لقمان المولدي على كتابة رواية رغم وعيه بأنه إنسان خائب وخاسر في الحياة، «مهزوم ويزعم أنه سوف يبدع نصا يقيم الدنيا ويقعدها». يريد أن يكتب لكيلا ينهار لأن الكتابة وسيلة يستعملها للتنفيس عن ضغوطات نفسية مؤلمة، «ورغم ذلك يريد أن يكتب، يريد أن يخنس هذه الأصوات العاوية في أعماقه». ويأمل أن تخفف عنه الكتابة وتنقص من كربه:

 «لا خلَّ سوى قلمٍ
قد يحمل عنه تأوّهَهُ
شجنٌ يلتمّ على شجنٍ
قولٌ يحتالُ على قولٍ
والصدرُ هواجسُ محتدِمَة»

 يحلم لقمان بإبداع عمل فني غير مسبوق ومختلف عن الأجناس الأخرى، «فضلا عن هذا الميل الغريب إلى جنس لم يسبق له أن جربه». وينتظر أن يكون نصه متفوقا على كل النصوص الأخرى التي سبقته:

«تساءل كيف تكون البداية
وكيف سيبدع نصا فريدا
ويمحو تراث الذين مضوا»

 يغرق العزم على الكتابة والإبداع لقمان المولدي في محنة أخرى، معاناة لقمان المولدي الكاتب. تثير وضعية الحضارة العربية الإحساس بالخيبة في تفكير لقمان المولدي الكاتب. لم يستطع المثقف العربي إنتاج أعمال ثقافية راقية معاصرة تمكنه من امتلاك مكانة في عالم تنافس الثقافات، «عجزنا عن الإقامة في العالم وفق رؤية مخصوصة حيارى بين ماض تولى وحاضر يمور بمستجدات لا نفقه منها حتى المصطلحات وعجزنا عن صياغة فكر جديد لا يكفر البدعة ولا ينشد إلى الغيبيات». فهو حانق وثائر لما آل إليه الأدب العربي من ضعف وتعثر، «أدبنا الضحل وحداثتنا المزرية وعجزنا الفادح». كما أنه محبط لما وصل إليه مستوى الشعر العربيمن دمار، «حتى الشعر ديواننا منذ القدم صرنا نصوغه على المنوال الغربي قالوا سنطوره بتدمير بنية الشعر القديم… فإذا الشعر يرتد إلى درك وضيع يجتر في حلقة مفرغة». بالتصميم على خلق نص، ينافس ويتجاوز كل النصوص الأدبية التي سبقته، تتولد أسباب معاناة أخرى للراوي الكاتب. فهو يقاسي مكابدة البدء في الكتابة وهو مثقل بالهموم والنقمة، «وجاء يدبر أمرا لا يعرف كيف يبدؤه». ثقل ذاكرته بالهموم تشوش أفكاره وتتعب ذهنه للمسك بفكرة البداية، «وهو مثل راقص التانغو، يتقدم خطوة، ويتراجع خطوتين، مترددا ما بين إقدام وإحجام والذهن جشيم بزخم من الخواطر لا يوحد بينها روابط».

وﺇن استعدﱠ ليبدأ نصه الأدبي، فانه لم يحسم بعد الكثير من المسائل التي تتطلبها الرواية. فقد ظل عالقا في دائرة تساؤلات. يتساءل إن كان، عبر روايته، لديه الشجاعة الكافية لتحدّي رقابة السلطة في وطنه ونقدها كما يريد، «ويمني النفس بان يكون مثله يلسع السلطة الجائرة في مآقيها ويزعجها…حتى تهتدي إلى ما فيه خير الناس». لكنه يعترف لنفسه أنه لم يكن يوما حرّا ولم يجرؤ، من قبل، على التعبير عما يفكر فيه لأنه تعود على الخوف ولا يستطيع التخلص منه، «كان يحس أن بداخله خوفا عميقا لائطا بقلبه»، وفي الوقت ذاته يفكر في نتائج اختياره. يتساءل عم سيحدث إن اختار الكتابة عن الواقع السياسي الفاسد في بلده دون خوف من الرقابة التي تخنق أصحاب الفكر، «خوف من أن يسحبه القلم إلى مهامه الرعب حيث سدنة القيم وحماة الدين ودعاة الحقيقة المطلقة، خوف من التعبير عما تفعله فيه الخمر والسهر والنساء، خوفا من الحديث عن الواقع الملتاث بالدنس والمحرم، والدجل والسفاهة، والجور والقمع، والارتشاء وعبادة الأوثان الجديدة». يتضاعف شقاء لقمان المولدي الكاتب بسبب وعيه بالحاجة للجرأة ليتمكن من خلق نص إبداعي يمكن أن يبقى خالدا لأنه يرى أن الخوف سيكون عقبة أمام تحقيق حلمه ولن يساعده على كتابة نص عظيم، «والخائف لا يمكن أن ينجز عملا ذا بال يذكره به التاريخ». ثم ينتقل للتفكير في مسألة أخرى وهي الرقابة الذاتية التي قد تكون عائقا أمام خلق نص عظيم وهو في حاجة إلى الحرية وإلى التخلص من العوائق الأخلاقية والخجل، «كان يريد أن يكتب لنفسه أولا وأخيرا، بحرية، بعيدا عن أي ضغط، لينفس عن كرب مقيم، غير مكبل بما يمكن أن يشده إلى العالم الخارجي، لا يثنيه خوف ولا خجل». لقمان المولدي في حاجة ﺇلى التخلص من القوالب والموانع الأخلاقية ليكتب نصا يتفوق على النصوص الأخرى. كما يقول الكاتب البولندي تشسواف مييووش: «الأدب يولد من رغبة في الصدق، الرغبة في عدم ﺇخفاء أي شيء» 2.

 تتعمق محنة الكاتب أكثر، في رواية الرجل العاري، في مواجهته مسألة أخرى وهي المادة التي سيستعملها محتوى لنصه. يفكر في الكتابة عن الواقع، لكنه ينتبه أنه يجهل الواقع ولا يعرف عنه الكثير، «وتساءل أيضا كيف يجترح نصا من الواقع في شموله، وهو لا يعرف عنه أكثر من نتف يسيرة». يتطلب اختيار موضوع الرواية دراية كافية بالحياة وهذا ما ينقصه، فهو لا يعرف عن العالم إلا ما يقرأه في الكتب، «كيف تريد أن تكتب و أنت حبيس هذا البيت، لا يحيط بك غير الكتب؟ الكتب لا تغني عن الحياة». لا يعرف شيئا عن البحر ولا البراري ولا السجن ولا المدينة ولا حياة الأثرياء. ثم يجد نفسه أمام عقبة أخرى وهي اللغة التي سيصاغ عبرها محتوى الرواية. يشعر الكاتب أن اللغة، أيضا، سوف تخذله في وصف ما يريد الكتابة عنه من الأحداث الأليمة مثلما يحدث في فلسطين من قتل، «ولكن بأي لغة استهدي لأرسم بالدم القاني صورة أم جاثية على ابنتها المغتالة برصاص الغدر».

 يقرر لقمان المولدي الكتابة عن حياته الشخصية وتدوين محطات الإخفاق والخذلان التي كانت نتيجة لأخطائه واختياراته، «سيكتب إذن عن أخطائه القاتلة التي جللت بالاضطراب والتناقض حياته، وقادته إلى هذا الوضع القابض في هذه الشقة البائسة، يلوك العجز في صمت». يغرق الكاتب، أكثر، في المحنة لأنه يعجز عن بدء قصته. إذ وجد صعوبة في التذكر، «فإذا الأشياء تزداد التباكا، وإذا هي في ذهنه عائمة، ثم غائمة، ثم متوارية». ويعود مجددا إلى عدم ثقته في اللغة وقدرتها على تصوير تصدعه ووجعه، «أي لغة، لا تستطيع أن تقول كل شيء، وإن بدا أنها تسمي الأشياء بأسمائها، فهنالك خلجات وحركات وأصوات وروائح وألوان تدانيها اللغة ولا تمسها إلا أهون مس». وفي هذا السياق يذكرنا بنظرية الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون حول اللغة. يرى برغسون أن اللغة تعجز عن نقل ووصف الواقع الخارجي والنفسي كما نشعر به. يقول في اللغة، «ولمّا كان اللّفظ لا يستبقي في الشّيء إلاّ أعم ّوظيفة له وأكثر جوانبه ابتذالا، فإنّ من شأنه حينما يتسلّل بيننا وبين الشّيء، أن يحجب صورته عن عيوننا… وحينما نشعر بمحبّة أو كراهيّة أو حينما نحسّ في أعماق نفوسنا بأنّنا فرحون أو مكتئبون فهل تكون عاطفتنا ذاتها هي الّتي تصل إلى شعورنا بما فيها من دقائق صغيرة شاردة وأصداء عميقة باطنة، أعني بما يجعل منها شيئا ذاتيا على الإطلاق؟ الواقع أنّنا لا ندرك من عواطفنا سوى جانبها غير الشخصي «3.

 بعد اختيار الكتابة عن حياته وتجاربه المريرة، تردد، ثم تراجع عن قراره، وينتبه إلى موضوع آخر مختلف تماما عما كان يفكر فيه بإجهاد. يفكر الكاتب في الاعتماد على أشياء، من حياته، تبعث التفاؤل وتحفز القارئ على الأمل والتغلب على العوائق التي قد يمر بها، «لم لا يطلق لقلمه العنان، ليكتب عن الأشياء الجميلة في حياته ولو كانت قليلة، ويصور انتصار الإنسان على نفسه وعلى الحتميات التي يفرضها الواقع».

تغلب لقمان المولدي على محنته:

 رغم محنة لقمان المولدي وعجزه عن البدء في الكتابة، فإنه نجح في تخليص نفسيته من الأحزان. عبر استرجاع هزائمه وأسباب بؤسه، ينجح في” تصفية حساباته ” التي يحتاجها ليبحث عن أشياء ايجابية في الحياة. وتتحول وقفة التأمل إلى جلسة تطهير لنفسيته، «كان كمن شق صدره ليمسك بأسباب علة لا تني تنخر منه الجوارح. لحظة نادرة من عمره توقف خلالها ليحاسب نفسه، ويراجع أخطائه، ويعيد خلط أوراقه لعل الأيام المقبلة تأتيه بما يرتجي من طمأنينة واستقرار». يصير لقمان المولدي مثل متفرج إغريقي على تراجيديا، وتمثل حياته الشخصية المسرحية التراجيدية. حسب تعريف الفيلسوف الإغريقي أرسطو للتراجيديا، في كتابه فن الشعر / Poetics، أنه من خلال معاناة أبطال المسرحية، يتحقق التنفيس عن مشاعر الخوف والشفقة التي تثيرها أحداث المسرحية. وهو ما ينقص حدة الألم ويحقق التطهير / Catharsis. يمكّن الشعور بالعذاب والألم بتذكر الماضي من التحرر من المعاناة والضعف. يصبح لقمان المولدي أقوي وأقدر ولديه رغبة في مواجهة أخطائه. تخلق المحنة منه شخصا مختلفا عما كان عليه. كما يقول الكاتب الأمريكي ستيفن كراين: «الأزمة دائما تنتج الرجل». إعادة النظر في حياته ومحاسبة نفسه عن كل ما حصل له وما سببته من آلام يذكرنا بأهمية الألم للخلاص من الخطايا في الديانة المسيحية. تخفف المعاناة عبء الألم الذي يحمله داخله ويمنعه من خلق عمل أدبي سيبقى خالدا. كما ينقص اعترافه بأخطائه ومواجهة ماضيه حدة التمزق الذي يكسره ويسحقه. يرمز نزعه لثيابه، «خلع عنه أهدامه قطعة قطعة وتعرى ثم دلف إلى “المكتب”»، إلى بداية التخلص من الحزن ليصبح خفيفا بلا أعباء. فبتجرده من ثيابه، ينزع عنه، نهائيا، الماضي المتسم بالهزائم المتتالية والمحبطة للنفس. و تنتهي محنة الإنسان و الكاتب و يتحول لقمان المولدي من إنسان متشائم و سوداوي إلي كاتب قادر على الإبداع و الحلم و الإيمان في المستقبل، «يحدوه أمل ضعيف في التخلص من هذه الهواجس التي تغرق مخه و تكاد تطفح من منخريه، ويحقق فتحا أدبيا تمنع عليه حتى الآن، لعله ينشىء من ورائه فاتحة عهد جديد».

دور كاتب رواية الرجل العاري:

لئن وجد لقمان المولدي، الشخصية الرئيسية في رواية الرجل العاري، صعوبة ومأزقا في الشروع في كتابة نصه، فان أبا بكر العيادي تفوق على كل العوائق التي فكر فيها الكاتب قبل البدء. فقد أنتج نصا مكتملا فيه تجديد مثل مزجه الشعري والسردي في الرواية. باختياره تقنية التفكيك والتشظي، تحققت “لذة النص”، حسب تعبير رولان بارت لدى المتلقي، لأن الرجل العاري نص حديث. ويصبح القارئ فاعلا ومساهما في بناء المعنى وليس مجرد متلق سلبي ومصاب، «بنوع من العطالة وعدم الفاعلية» 4. رغم تفكك الأفكار في ذهن الكاتب في الرواية، يستطيع المتلقي لملمة أجزاء الرواية والوصول إلى المعنى، «حيث تكون الصبغة الحكائية مفككة وتبقى القصة قابلة للقراءة» 5. تقنية التفكيك والتشظي ناجعة في التعبير عن محنة كاتب مهزوم ومحطم وتمزقه. فليس من المنطقي أن تكون الأفكار مرتبة ومنظمة في ذهن كاتب تثقله نفسية متصدعة نتيجة الإحباط والفشل في كل الاختيارات في حياته. ضف إلى ذلك أن الكاتب يحمل قلبا محترقا بحادثة متسمرة في ذاكرته وهو موت ابنه عاطف، «أتعرف يا فاروق ان بي جرحا عانيت من كتمانه، لا يني يستعر في جوانحي كالضرم الموقد، جرح أصابني منذ أكثر من عشرين عاما».

 رواية الرجل العاري هي انتصار المثقف الصادق الذي يحمل هم وطنه ومعاناته. عبر لقمان المولدي، يعترف الكاتب، ضمنيا، بتقصير الكاتب التونسي تجاه مجتمعه بالتردد في نقد محاصرة الحريات وفضح تهميش كل الفئات الاجتماعية. ينجح أبو بكر العيادي من خلال الرجل العاري في كسر الخوف، من رقابة السلطة والرقابة الذاتية، الذي يشكل مسألة للتفكير عند لقمان المولدي الشخصية الرئيسية في الرواية. ويجعل من الرواية صورة صادقة لمعاناة الإنسان تحت حكم دكتاتور. كما يدعو البار كامي الكتاب إلى، «رفض تزييف ما نعرفه ومقاومة القمع» 6. فقد استطاع أن، «ينفث كل ما في صدره بصدق وصراحة، كأنه في لحظة اعتراف… ليرى الدم الفاسد المعكر بألف لوثة ينزف بالحقائق المرة أمام عينيه، وتشريح واقع موبوء يضج بالزيف الدجل والنفاق والزور». دور الكاتب، عادة، هو الكتابة عن الواقع بصدق وعدم التملص من مهمته الإنسانية. وهو الدور الحقيقي للأدب كما يقول جون بول سارتر الفيلسوف والكاتب الفرنسي، ««فإذا تناولت هذا العالم، بما يحتوي عليه من مظالم، فليس ذلك لكي أتأمل في هذه المظالم في برودة طبع، بل لكي أردها حية بسخطي وأكشف عنها وأبعثها مظالم على طبيعتها، أي مساوئ يجب أن تمحى»7. الرجل العاري هو عمل سردي تمكن من خلاله أبو بكر العيادي من تسليط الضوء على ظلم الساسة للشعب وتخلي أغلبية المثقفين عن رسالتهم الإنسانية مقابل الحصول على امتيازات مادية. يؤكد الكاتب أبو بكر العيادي على أن، «تغدو الكتابة نوعا من النضال، نضالٍ لتحقيق الذات، ونضال لمقاومة التهميش، ونضال لفضح الدجل السياسي، ونضال للحفاظ على الهوية الثقافية في مجتمعات مهددة بالذوبان »8.


الهوامش:

1- ألبار كامي : خطاب تسلم جائزة نوبل بالسويد سنة 1957
2 – تشسواف مييوش: أحلم أن أستلقي على أريكة و أقول كل شيء / حوار روبرت فاجن / ترجمة: أحمد شافعي/ مجلة ابداع العدد الخامس ( يناير- فبراير 2019 )
3- هنري برقسون، الضحك ترجمة زكرياء ابراهيم
4- رولان بارت لذة النص ترجمة فؤاد صفا
5- رولان بارت لذة النص ترجمة فؤاد صفا
6- ألبار كامي : خطاب تسلم جائزة نوبل بالسويد سنة 1957
7- جون بول سارتر ما الأدب ترجمة محمد غنيمي هلال
8- مجلة الدوحة القطرية / الحوار عبد الدائم السلاّمي في 30. 12. 2010 8

مقالات ذات علاقة

أَوْتَـارٌ مُتَقَـاطِعَة! – مترجمة

المشرف العام

فـيروز

المشرف العام

هل العزلة ثقافة أتصال أم انفصال؟* 5 ـ 7

إشبيليا الجبوري (العراق)

اترك تعليق