المقالة

الرابح يبقى وحيداً

من أعمال التشكيلي الكويتي محمود أشكناني


لا أهتم كثيراً بالكتابات السميكة، وتخمتها الاصطلاحية، وإن كنت قد تنبهت مبكراً بأنك لن تكون أسيرها، كغالبية الأدباء والمفكرين الذين أفرزهم التكوين (الثقافثورجي) لمكتب الاتصال. كما أنني، كنت، ومازلت، أمقت منهج التنضيد المتشابه الذي ورثه الغالبية عن مفكري الثورات وتشعباتهم. فأنا أؤمن مع (باختين) في جمالية اللفظ الأدبي.. الذي يقول بأنه ليس هناك بالنسبة للكلمة (وبالتالي بالنسبة للإنسان) ما هو أشد رعباً من انعدام الاستجابة، أي انعدام الجواب، إذ حتى الكلمة التي نعرف مسبقاً أنها كاذبة، ليست كاذبة على نحو مطلق، فهي تقتضي دائماً طرفاً يفهمها ويبررها..

….

قلت لك مراراً أيها الحبيب، أن ما يسحرني فيك بيانياً، شيئان أو ضوءان :

(شعرية الفكر)

التي لن يعيها الآخرون، ممن تحبهم ويحبونك، أو يستظلون بك، كون أغلبهم مردوا على محبة الكتابات السمكية، كمعيارية ظافرة.. وصار بعضهم كالمهرج في هزلياته المجترة.. وأخرون دأبوا على اعتبار الانبهار بأمثالك وحده يمكن أن يمثل عندهم منطوقات إنجازية مؤسسة.. بينما يظل الضحايا والمهمشون هم الأقرب والأقدر على معانقة الأخلاق…!

(التوافق الفكري العاطفي)

أو ما يسميه روجيه غارودي (الشجاعة اليومية) مما يجعل منك ثورياً حقيقياً.. يسعى لتغيير الواقع وإعادة بنائه من منطلق قوانين إنسانية، بعيداً عن التنظيرات المثالية الزائفة والزائلة.. لأن اصل المأساة جاء أو نتج عن انحراف القوى الاجتماعية التي استغفلت الإنسان فآمن بها، وجعل منها أمله الكبير.. ثم استقلت عنه، ورأت فيه كائناً غريباً عنها.. فطحنته بالأزمات الاقتصادية، وخلقت له السجون والقمع…!

(في البدء كانت الفلسفة)

أنت تحيا بالتفلسف، ربما بسبب دراساتك الفكرية العميقة التي جعلت إدراكاتك إدراكات فلسفية.. لهذا جاءت مقالاتك مكثفة، ومركزة.. لأنها تحاول الإحاطة بالقضايا الراهنة، التي تمر بها ليبيا، بعمق وذكاء نادرين، على الأقل وطنياً…ناهيك عن الفترة الذهبية التي قضيتها على رأس أهم مؤسسة بحثية للفكر العالمي، ففي تلك الفترة الاستثنائية نشطت الثقافة أكثر من نشاطها في أي مكان آخر.. كانت هناك خلية من الأسماء اللامعة تمسح الغبار عن المرايا الصقيلة للمشهد الثقافي في ليبيا.. أسماء بمفردها قامت بخلق مدارات شاسعة للكواكب كلها دون استثناء.. (محمود البوسيفي) هذا المغناطيس الذي يمتلك القدرة على جذب القمر، وإيقافه عن الدوران، ليبقى مضيئاً على الدوام.. (عبدالمنعم المحجوب) الاسفنجة التي امتصت رحيق المعرفة والفكر، وصاغتها عبر (فضاءات) من الدهشة والسحر والتفرد.. معهم (أمين مازن، يوسف الشريف، العماري، بوشناف).. وآخرون يعيدون الفرع لأصله الوثيق..

 كانت أيضاً ربيع ضيافات باذخة، من (تاريخية القرآن).. إلى (نهاية التاريخ).. وبينهما هيام (أركون) بلغته الشيقة، وتبسم (فوكوياما) وهو يهادن الأسئلة المندفعة صوبه ويعالجها بقبول حسن..

لقد كنت الشبيه الأمثل لشخصية (انريكو كاستيلي)، وهو فيلسوف إيطالي معاصر برز في ميدان الفلسفة. تقلد منصب مدير معهد الدراسات الفلسفية بروما ورئيس تحرير مجلة أرشيف الفلسفة الإيطالية، كان ينظم مؤتمرات سنوية يحج إليها أغلب فلاسفة أوربا.

(الذنب الواهي)

عندما أقرأ ما تكتب أتذكر (جاك دريدا) وهو يتساءل عن كيفية الخروج من مأزق،،، طرفه الأول يتعلق بالذاكرة المثقلة بالجراح… وطرفه الثاني يدعو إلى المحو والنسيان… الوفاء للذاكرة من ناحية.. والتطهر، وهمياً، من سلفية الحرج..

إنه من الصعوبة بمكان مقاربة الأسئلة التي تتعلق بالصفح.. على الرغم من أن الجريمة كانت هنا في الاعتقاد؛ وسجن العقل..

ما أقسى أن تكون الجريمة ضد ما هو إلهي في الإنسان، في الإله الذي تأنسن أو الإنسان الذي يتأله بفضل الإله..

إن مثل هذه الأسئلة كما يقول دريدا أيضا.. تظل استثنائية وخارقة، في احتكاك مع المستحيل، كما لو أنها تقطع المجرى العادي للزمنية التاريخية..

كما أنك رصدت هذا في أطروحتك، وأنت تتناول إدوارد سعيد وكونراد والبقية…

أيها الاستثناء، الباقي،،،

ما يشدني فيك دائماً، وأبداً هو هذه الشجاعة الملهمة عبر كتابة متفوقة، جمالياً.. وإنسانياً.. لم تكن كتاباتك يوماً نوعاً من الهروب.. ولم تكن كتابة فرد ساخط وعاجز.. إنما هي كتابة باذخة تبحث عن وجدانها القرائي المتمثل في القوى الاجتماعية الكبيرة التي لها بعدها التاريخي.. وهذا هو الفن الثوري الذي انتهجه أنا أيضاً، وأكتب به أشعاري دائماً..

وماذا بعد..؟؟؟؟!

لقد وضعت يدك في عش الدبابير، وأنت تعي جيداً ما أقول.. لكن ترياق (الصلّاح) لن يخذلك…!

وفي المقابل،،،

سوف تظل ابتسامتك الخالدة، ابتسامة المتوعد للعالم بكل شيء على الدوام.

أنا الأقرب إليك من أغلب هذا الحشد المجتر، الذين يستعذبون منشوراتك كنوع من الترف الفكري لا أكثر.. بينما يولون ظهورهم في ازدراء عندما يشاهدون منشوراً يجسد تجربتك في النظام السابق.

فعندما تأخذ السيادة شكلاً أخلاقياً عند أشخاص ليسوا بملوك ولا أباطرة.. تكون أنت السيد (الموراني) بلا منازع.

_______________________________

*إشارة إلى المفكر الفرنسي آدجار موران.

مقالات ذات علاقة

يابلادي

أسماء الأسطى

العلاقة المُضلِّلة

عمر الككلي

( الصادق النيهوم ) كان كاتبا و لم يكون أديبا؟؟

سعد الأريل

اترك تعليق