دراسات

الذَّاتُ المُتَوَاضِعَةُ فِي أَشْعَارِ الفَلاَّحِ الوَدَّانِي

دواوين الشاعر المهدي الحمروني

تزخرُ نصوص الشاعر المهدي الحمروني بأشكال وعناصر متعددة تتأسس عليها الصورة الشعرية المتكاملة موضوعياً وفنياً، وهي تذكرنا بالأحاديث المتكررة للدكتور الراحل خليفة التليسي حول ما يسميه “الكون الشعري” الذي اعتمده منظوراً ومعياراً نقدياً، عند تناوله لقصائد العديد من الشعراء العرب. ويرتكز مفهوم “الكون الشعري” عند التليسي على جانبين أولهما قدرة اللغة على نقل أحاسيس وأفكار الشاعر، وثانيهما مدى تأثير هذه اللغة الشاعرية وفاعليتها في إقناع المتلقي(1)، وبالطبع فإن هذا المفهوم يحيلنا إلى مقولة (إحكام الصنعة) وإتقانها التي أشار إليها الجاحظ في أسرار صناعة النص(2).

ونلحظ هذه الخاصية اللغوية الثنائية بارزة بوفرة لدى شاعرنا الفلاح الوادني المهدي الحمروني الذي يعشق الأرض ويمتهن الزراعة والفلاحة بمدينته (ودّان) بقلب ليبيا، ويعتز بالانتماء إليها، ويتفنن في صياغة جمل شعرية تعكس بعض مخزونه اللغوي، وتُظهر مفردات وعبارات تراكيبها البنائية قدراته على نقل رسالته الإنسانية وتوطينها إبداعياً في وجدان المتلقي والتأثير فيه فكرياً، وهو ما عبّرت عنها الناقدة المصرية الأستاذة فاطمة عبدالله (.. تتجلى مهارة الشاعر في إدراك جودة التركيب المنطقي للغة التي يستخدمها أو يقترضها من عوالم روحية، ليعبر بها عن مفردات حياتية تنتمي لعالم الماديات، أو يوظفها للتعبير عن أحوال روحية، فعلاقة المنطق باللغة تبدو واضحة، … حيث ترتكز العلاقة بينهما في التركيب، ومن ثم تبدو لغة منطقية، وهذا ما أجاد الشاعر توظيفه وفق سياق يمهد القارئ لاستيعاب خطاب بلغة تخالف تلك التي كان يتلقاها من قبل)(3). 

وهذا المذهب يؤكده كذلك الدكتور ناصر أبوعون (.. عندما ندخل إلى عتبة المعجم اللغوي نرى “الحمروني” ينحت كلماتٍ جديدة من جذور لغوية عميقة الأصالة، ويتقفى أثر الكلمات في استعمالها الحداثوي، وينضد ألفاظه على حبال الوصل بين التراثي والحديث، ليعيد تدويرها واستعمالها في تشكيلات شعرية طريفة)(4).

أما الشاعر الفلاح الودّاني نفسه فيعترف بإمكانيات وقدرات لغته التعبيرية التي توحدت في أوصال فكره فكانت بياناً مسهباً ساحراً، وترسيخاً راقياً لرسالته الشعرية حين جعلها تتهادى بكل عذوبة وسلاسة في وجدان وعقل المتلقي فتنال الاستحسان والقبول بكل أريحية ووثوق:

(أرى لُغَةً لك تُطَوَّفُ فِي المَخْيِلَة

وَفِي الأَثِيرِ مِنْ حَوْلِي

خَافِضَةً جَنَاحَ الذُّلِ مِنَ الغِوَايةِ

أَبْدُو كَمَا لَو أنَّنِي أَنُوبُ عَنْ عَالَمٍ غَير مُهَييء لاِلتِقَاطِهَا

سَأُوَّرِثُ إِيحَاءَ طَلاَسِمِهَا

لِلمُؤمنينَ بِالقَصِيدةِ

بِمَا لاَ يَضلُّونَ بِهَا مِنْ بَعْدِي

لغةً لاَ تَتَكِيءُ على أُمَّهَاتٍ لَهَا

كَأَنَّهَا تَشَظَّتْ مِنْ اِصْطِدَامِ أَجْرَامٍ بَعِيدَة لَمْ تُرْصَدْ بَعْدُ)(5)

إنّ هذا الاستهلال والتقديم الذي يتوافق بشكل كبير مع ما تناولته الأستاذة الناقدة فاطمة عبدالله والدكتور ناصر أبوعون وإقرار الشاعر الصريح بذلك، يحقق تطابقاً بين لغة الشاعر الثرية الساحرة الملهمة، وأبياتٍ من قصيدة “شاعر الروح” للشاعر العراقي الراحل بدر شاكر السياب والتي يقول فيها:

 أَوْحَى إِليـــهِ الشِّعْـــرُ من آيَاتـِــهِ سِحْراً تُحَـلُّ بِهِ النُّفُوسُ وَتُعْـقَـــدُ

 بَاتَتْ تُحَلِّقُ فِي الأَعَالِي رُوحُهُ نَشْوَى، وَبَات خَيَالُــهُ يَتَصَــــــعَّـدُ

 وَاهِي الكَيَانِ كَأنَّ خَطْــباً هَـــدَّهُ  ذَاوِي الشِفَاهِ لِطُــولِ مَا يَتَنَهــــَّدُ(6)

وكُلُّ هذا يجعلنا نؤمن بأن تعاطي الذات المبدعة مع اللغة في النص الشعري ليس يسيراً هيناً أو بسيطاً من حيث بلاغة وجاذبية المفردة أو التشكيل، بل نجده نال الكثير من الاعتناء والاهتمام من الفلاح الشاعر، لإيمانه بأن الكلمة بكل تعدد مفرداتها، وتنوع صور تشكيلاتها، وأماكن تموضعها المختارة بين سطور النص، هي أساس البناء الفني والموضوعي في هيكله، مما يستوجب التعامل معها (تعاملاً وجدانياً حيّاً ]لأنه[ من بوتقة الذات المشكلة تنبثق اللغة الإيحائية ذات البعد الرمزي والنغم الموسيقي)(7) وهو ما يبرز جمالياتها الفنية وقدرات المبدع الأسلوبية في تطويعها للتعبير عن مكنونات فكره وحساسية مشاعره.

(2)

تعتبرُ حروف وكلمات اللغة عنصراً مشتركاً ومنهلاً مشاعاً للجميع في الكتابة والتعبير، ولكننا نجدُ لكلِّ إنسان ذاته وبصمته وفرادته الخاصة، واختياراته التعبيرية وأدواته الفنية وكيانه الحسي والفكري المميز. ولكلِّ شاعر خصوصيته الذاتية التي قد نرصد بعض ملامحها في نصوصه وقصائده وأشعاره.

فالذاتُ تمثلُ البؤرةَ الأساسية في إنتاج العمل الإبداعي، وتلعبُ دوراً مهماً في تكوين هوية النص الشعري الحداثوي، وتسهم كثيراً في ربط عدة صلات بين الموضوعي العام والذاتي الخاص وأفكار ولغة الشاعر، وأسلوبه، وبيئته التي ينهل منها وأوجه انعكاساته فيها، واتساع أفقه وبراح رؤيته وقدرته على التخيل الاصطناعي، أما (الكون الشعري) فهو يتصل مع كون التليسي المتأسس على غزارة وعذوبة اللغة وقوة وفصاحة المفردة، ويتلاقى معها في تشكيل مفرداتها وترتيبها وبناء هيكلها الإبداعي المتقن القادر على الجذب والإثارة وشد الانتباه.

الشاعر المهدي الحمروني

ففي نصوص الفلاح الوداني نلاحظ أن الذات الشاعرة تخاطب الذات الأخرى في صور متنوعة حيث تنقل إليها بعض المعلومات، وتزودها بالمعارف، وتلقي أمامها الأسئلة بكل ما فيها من حيرة واستغراب وتعجب. وهذا التفاعل اللغوي والعقلي والوجداني نراه منعكساً من خلال توحد وتماهي الضمائر المتصلة بالخطاب الشعري الذي يجسد عمق الانصهار والتوحد الظاهر الذي يتجلى في النص الشعري كذات واحدة هي الإنسان في أرق أحاسيسه ومشاعره.

وعند قراءة بعض قصائد الشاعر المهدي الحمروني من دواوينه الثلاثة الصادرة حديثاً سنة 2019م على التوالي (مِنْ بَقَايا اللّيل) ويضم خمسة وخمسين نصاً كُتبت معظمها في آواخر ثمانينيات القرن العشرين الماضي، و(مُحيا رَاوَدَتْهُ الآلِهَةُ لِلنُّبُوَةِ) مشتملاً على أربعة وستين نصاً كتبت جميعها خلال الفترة من 2017م إلى 2019م، و(مجازٌ تَائِهٌ إِلىَ الوَّحْي) الصادر سنة 2020م محتوياً على ثلاثة وسبعين نصاً أطلق عليها الشاعر (نُصُوصُ الحَجْرِ وَالعُزْلَةِ) نجدها تمثل برهانا ساطعاً على إثبات المهارة الفنية لدى الشاعر في تركيب مفردات اللغة، والمقدرة الواثقة على نسج وتطريز نصوصه الجميلة بمفردات وعبارات، تجعلها كوناً شعرياً خلاباً يمنحها تألقاً في فضاء الشعر بكل جدارة.

لقد بلغت نصوص الشاعر مجتمعة في دواوينه الثلاثة قرابة مائتي قصيدة متفاوتة النفس في التعبير الشعري والتنوع الموضوعي، مما يجعل من الصعب تناولها كلها في قراءة واحدة، ولذا فقد اخترتُ بعضها مستهلاً بالتعريف بالأناء والذات المبدعة، التي يشرع فيها صفحات كتاب حياته وسيرته، عارضاً بعض صفاته الإنسانية والمهنية بروح ملؤها التواضع، والابتعاد عن النرجسية والغرور التي كثيراً ما نجدها متضخمة عند الشعراء خاصةً، والأدباء والمبدعين كافة، وقد سجل ذلك متتابعاً في نصه (ولاء) الذي يخاطب المكان/الأرض/الحبيبة/ والبلاد التي يعشقها:

(أَنَا رَجُلٌ بَسِيْطٌ

جِئْتُ مِنْ جَوْفِ القَرْيَةِ أَسْعَى

رَجُلٌ مِنْ سُلاَلَةِ المُرْسَلِّينَ

وَصِنْفِ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ تُـلْهِمِينَهُمْ

تُشْرِعِينَ لِي كَوْناً مِنَ الشِّعـْــرِ)(8) 

يستهل الفلاح الوداني المقطع الثاني من نصه الشعري بصوت أناه المتكلمة وذاته الناطقة للتعريف ببساطة شخصيته التي يكرر فيها مفردة (رَجُلٌ) مرتين للتأكيد عليها، ليس لتحديد الجنس البيولوجي فحسب، بل على كل ما تشتمل عليه المفردة من خصال وشيم أخلاقية نبيلة تفخر بها الرجولة والإنسانية مستلهماً بعض ذلك من النص القرآني حين وردت بعدة مواضع من بينها (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ)(9) وكذلك (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ)(10)، حيث اتسمت الرجولة ضمنياً في الآيتين الكريميتين بصفة إيجاية وشمولية هادفة إلى الدعوة للخير والنصح والإرشاد.

ثم يعود ليُرجع أصله ومنبت جذوره القروية الضاربة في العراقة والمتصلة بالمرسلين والأنبياء. ويشي استخدامه للفعل (جِئْتُ) بقوة إرادة الشاعر، واختياره الطوعي بالمجيء في الزمان المحدد، ومن المكان المعين وهو القرية المشهود لها بخلق أبناءها وبساطة حيواتهم، وتخلصهم من أدران الحضارة الزائفة. كما يبين لنا بأن هذا المجيء لم يكن نزقاً عبثياً بل غايته (السَّعْيَ) وهو لفظ جامع شامل للعمل والكد والمثابرة والرغبة في تسخير القدرة وإثبات الذات تيقناً وإيماناً بأنه ليس للإنسان إلا ما سعى.

إثر ذلك التعريف يسترسل الفلاح الودّاني بلغة شاعرية متشحة بالبهاء والتشويق في سرد جوانب من تجاربه الخاصة المتعددة في غمار مشوار حياته التي تضمنت صنوفاً وأعمالاً وممارساتٍ وانشغالاتٍ عديدة من بينها الرعي، والهذيان بالزجل الشعبي، والهلوسة، والهجرة ومعاناة الخذلان من المرافقين والأصحاب، وحياة النزق والطيش، والرجوع بعد الإنكسار لمعانقة الأرض من جديد وممارسة الغرس وهز النخيل ورعي الماعز. .. وغير ذلك مما لم يفصح عنه، في سردٍ متتابعٍ مكتنزٍ بعبق لغةٍ تستمد روحها وصورها الشعرية من بعض مضامين القرآن الكريم ونفحاته الربانية وغايات قصصه الحكيمة، تمثلاً وتلميحاً لسير بعض الأنبياء والمرسلين ومكابداتهم، حيث تمكن الشاعر من توظيفها وإسكانها في ثنايا نصه الذي لم يغب عنه الإيقاع الباطني العميق وإن ظل خفيفاً مستتراً في ثنايا الشعر:

(رَعَيتُ الغَنَمَ صَبِياً فِي سِوَارِ الكُثْبَانِ وَالنَّخْلِ

قَبْلَ أَنْ تَحْدُثَ أَطْرَافٌ جَدِيدَةٌ خَذَلَهَا الحُكْمُ وَزَبَانِيَةُ العُرُوشِ

هَذَيْتُ بِالزَّجَلِ فَلَمْ يَنْبَغِ لِي

وَهَلْوَسْتُ بِزَبُورِكِ فَاحْتُطِبَتْ النَّارُ فِي دُرُوبِي

هَاجَرْتُ بَاكِراً دُونَ بَيْعَةٍ وَأَتْبَاعٍ

وَخَذَلَتْنِي الأَنْصَارُ فِي غَزَاوَاتٍ لاَ تُحْصَى مِنَ الصَّعْلَكَةِ

أُبْتُ إِلَيْهَا دُونَ فَتْحٍ وَنَصْرٍ

لِأَقْطُنَ عُـزْلَةً وَتَهْوِيمَةً زَاهِدَةً

أَهُشُّ فِي خَيَالِي مَاعِزاً أُسْطُورِياً

وَأَنْشُبُ أَنَامِلِي فِي مَلْحِ الأَرْضِ

وَسَبْخِ الطَّهَارَةِ

لِأَغْرِسَ فَسَائِلَ مُخْتَلِفَةَ الظِّلِ وَالغِلاَلِ

أُضْمِرُ حَمْلَكِ وَهْناً عَلَى وَهْـنٍ

وَأَنْتَبِذُ لِتَنْزِيِلِكِ حِرَاءً مُحْكَماً خَفِياً

وَأَهُــزُّ لِتَلَقِّيكِ جِذَعاً رَطِيباً

لِيَحْدُو بِشَارَةَ إِعْلاَنِ كِتَابِكِ السَّمَاوِيّ)(11)      

وإن كان السرد والشعر قد ظلا منفصلين من ناحية الخصائص الفنية في المشهد الأدبي العربي فإن حركة الحداثة الشعرية قد خرقت هذا المبدأ إثر إبداع عدد من الشعراء نصوصاً وقصائد شعرية تشتمل على حكايات وقصص تمثل سرداً درامياً بلغة تعزف إيقاعات شجية وترتدي حللاً شعرية جميلة تكتسب بها تصنيفاً في خانة الشعر السردي، مع التأكيد على‏ أن القص أو السرد لم يغب عن القصيدة الشعرية العربية قديماً وحديثاً بل ظهر بمستويات متفاوتة في متونها، مثلما نلحظ هنا في النص الشعري عند الفلاح الوادني، بأن السرد التتابعي يبدو للوهلة الأولى تقريرياً بسيطاً خالياً من بريق الأخيلة الخلابة الواسعة أو التعبيرات الموغلة في الرمزية القاتمة، أو تصوير المشاهدات التعبيرية متعددة التأويل، إلاّ أن شمولية وعذوبة الصورة الشعرية لا تبرز فيه إلاّ بعد اكتمال تأثيتها بجملة من العناصر الفنية المساندة، فتظهر إثر ذلك مبهرةً آسرةً وضاجةً بالحياة النقية المتأسسة على المفردة المعبأة بالصدق والعفوية التي تهب تماسكَ بنيانِ ونسقِ الكلمات توهجاً داخلياً، وجمالاً ظاهرياً، وانبساطاً روحانياً يُمكِّنها من توطين رسالتها في فضاءٍ مشتركٍ، تتلاقى فيه الذاتُ المبدعةُ الناطقة مع الذاتِ المتلقية المستقبلة، في احتضانٍ وتوحدٍ متناغمٍ بينهما، قلَّما تجدان فيه فرصة إستراحةٍ من عناء السرد وحركية اللغة وعذوبة الارتواء، لالتقاط الأنفاس لحظة انتهاء المقطع، لتواصلا مجدداً استكمال تتبع ما تبقى من سيرة الفلاّح الوداني بكل ما فيها من مكابدات لا تخلو من مغامرات التجريب والخيبات والسقوط والإرتقاء والسمو، والتعلم من جميع دروس أحداثها.

أما على صعيد اللغة الزمنية فقد تسلسل الفعل الماضي في ظهوره السردي دلالةً ومعنىًّ على لسان الذات الشاعرة المتكلمة في ستة صور ماضوية كالتالي (رَعَيْتُ)،(هَذَيْتُ)، (هَلْوَّسْتُ)، (هَاجَرْتُ)، (خَذَلَتْنِي)، (أُبْتُّ) متبوعة باتصالٍ مع الحاضر والراهن المستمر من خلال تعالق وارتباط الشاعرية وتماهيها في الفعل المضارع الذي عزز النصّ بسبعة تبريرات وتوضيحات وتعليلات هي (أَقْطُنُ)، (أَهُشُّ)، (أَنْشِبُ)، (أَغْرِسُ)، (أَضْمِرُ)، (أَنْتَبِذُ)، (أَهُزُّ) في إيقاع موسيقي وتناصٍ قرآني بلاغي رقيق ومعبر، ولا شك فإن هذا البناء الفني الجميل يتأسس على ذخيرة لغوية وقاموس مفردات ثرية في كميتها ودلالاتها وتنوع أشكالها، وتقنية اقتباساتها المتعددة التي جعلت النص يرتدي حلة قشيبة من البهاء والإتقان ليبدو كحديقة غناء بالجمال والعبير والمضمون الفكري والسردي الممتع.

وعلى هذا النسق تواصل الذاتُ الشاعرة تواضعها الجمّ وبوحها الصريح المتدفق لترسم صورة تعبيرية تشبيهية تعترف بتفاصيل تقنية لغة النص وهيكله البنائي لديها بداية من خصائص المفتتح وغاية المقدمة، ومطعمة بتطريزها بعناصر من الطبيعة كالزهر والريح ليزدان بها الوصف الشعري في ثوبه السردي الجميل: 

(أَنَا هَكَذَا دَائِماً:

كَنَصِّيَ المَنْثُورِ

أفتقدُ زخمَ المُفتَتَحِ

وَمُخَاتَلةَ التَّقْدِيمِ

أَبْدُو مُتَوَاضِعـاً

وَغَايَةً فِي البَسَاطَةِ

كَضَآلَةِ زَهْرِ البِيدِ

فَوَّاحاً علَى تَقَلُّبِ اِتِجَاهِ الرِّيحِ)(12) 

وبعد تلك الإقرارات والاعترافات الفنية يستمر الفلاح الشاعر في سرد بطاقة تعريف تنقل لنا ذاته وشخصيته المتواضعة مع إبرازٍ لبعض لوازمها واحتياجاتها:

(يَلْزَمُنِي حَدْسٌ خَاصٌ جِداً

فِي جَلَبَةِ أَنْفَاسِ القَطِيعِ

صَادَرَتْنِي هَيئةُ طُفُولَتِي

إِلَى سَذَاجَةِ الأبْصَارِ

أَتَوَهَّجُ كَالنَّارِ فِي مُنْتَصَفِ الأَمَاسِي

وَأَخْبُو فِي القَفْلَةِ

كَسَرْدٍ مَفْتُوحٍ لِلْمُقَارَبَةِ)(13)

ثم يكشف لنا شاعرنا في ثنايا سرده ووصفه الممتع بكل ثقة وشفافية وصراحة بعض العيوب والصفات الظاهرية الخادعة التي تتلبس ذاته وتخص حالته المالية الحقيقية ليؤكد إثرها مجدداً إفراطه في التواضع وموظفاً مفردتي التضاد (مقبل) و(مدبر) توظيفاً بلاغياً وإيقاعياً جميلاً من حيث المضمون والتعبير:

(عَيْبِي أَنَّ جَيْبِي أَكْبَرُ مِنْ حَجْمِهِ فِي خَيَالِ العَوَامِ

فَبِقَعْرٍ جَافٍ يُرَى مُتَضَخِّماً وَنَاضِحاً

وَفِي اِمْتِلاَئِهِ العَابِرِ دَائِماً

لاَ يَتَلَبْسُنِي إِيهَابُ نَاشِزٍ عَنْ قُنُوعٍ

لأَنَّ وَجْهِيَ حَصِينٌ عَنْ الشَّكْوَى

وَكَتُومٌ لِلْمُعَانَاةِ

مُفْرِطُ التَّوَاضِعِ لِلْحَفَاوَاتِ

مُقْبِلٌ نَحْوَ القُلُوبِ المُشْرَعَةِ

تَحْتُ أُحْشَرُ فِي خَانَةِ السَّذَاجَةِ

مُدْبِرٌ عَنْ زَائِفَةِ الكِبَرِ

حَتَّى يُظَنُّ بِيَّ التَّعَالِيَ)(14)

وفي صورة تطلعية حالمة يورد الفلاح الشاعر خطط مسيرته المستقبلية ويفصح فيها عن مخططاته التي سيعتمدها ويمضي إليها غريباً معبأ بالقلق وأثقال مشوار حياة مكتظة بالمظلمة والمكابدة:

(غَرِيبٌ سَأَمِضِي

أَنْتَبِذُ بِسِيرَةٍ غَائِمَةٍ

فِي صَحْوٍ قَلِقٍ

كَنُبُوةٍ مُؤَجْلَةٍ بَعْدَ مَوْتِي

وَثَائِقِي تُنْبِيُ عَنِّي

وَعَنْ مَظْلَمَتِي

وَزُهْدِي فِي الضَّوْءِ

وَهَوَانِي عَلَى الِإنْصَافِ

إِلاَّ مَا رَحِمَ اللهُ)(15)

إن شاعرنا يكتسب صفات التواضع والبساطة والرضى والقناعة الظاهرة في سلوكيات حياته العملية كما في نصوصه الإبداعية وذلك من خلال مزاولته مهنة الفلاحة واستزراع الأرض والاعتناء بها، والتي من خصائصها الأصيلة العريقة، منذ بدء الحياة البشرية، تخليص الإنسان من نرجسيته وتكبره واغتراره بالدنيا وزخارفها ومباهجها، وذلك بسبب التصاق الفلاح الدائم جسداً مادياً وعشقاً روحانياً وتعلقاً عظيماً بالأرض، مصدر الخير والعطاء، واحتضانه اليومي لحبات الرمل والتراب واستمتاعه بمداعبتها وريها وسقايتها بالماء والعرق والجهد معاً، وهو ما يجعله على مقربة مادية ودلالية معنوية مستمرة بالطين والتكوين الأولي والأساسي للإنسان، وبدء التخلق وكذلك المآل والمسكن الأخير ورحلة الحياة الإنسانية كافةً، والذي ينسجم مع النص القرآني (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ.)(16) ويعزز الإيمان بهذه العقيدة الإنتماء إلى الأرض والافتخار بالانتساب إليها حين يناجي الخالق المعبود:

(أنا الفلاّح النخّال

الكائنُ الأشدُ فقراً لتوفيقك

والكف الأضرع إليك في مواطن أراضيك

والقدم الأوثق تشبثاً بموطأ تنزيلك)(17)

(6)

لا يقتصر تمظهر الذات الشاعرة لدى الفلاح الوداني على نصوص معينة بل نجده يتعدد باختلاف المخاطب سواء كان مناجاة وجدانية في صورها المتنوعة أثناء معزوفات المونولوج الداخلي، أو محاورة الآخر بأشكاله المادية والحسية المختلفة مثل الأرض والوطن والبلاد والطبيعة والصديق والمرأة والإنسان، حيث تتموقع في عدد من النصوص مثل:

أَنَا مَنْ يَهْرُبُ إِليَّ فِي سُقُوطِي

كَهَاوِيَّةٍ فِي شَفَيرٍ

أُهَاجِرُ بِي كَدِيِّنٍ مُلاَحَقٍ

إِلَى المَرْفَأِ الآخَرِ

إِلَى مَا يُحِيلُنِي إِلَى كَائِنٍ مِنْ رِثَاءٍ)(18)

وكذلك:

(أَنَا بِتَوَاضُعٍ

أَبْعَدُ مِنْهُمْ جَمِيعاً

إِنَّمَا خُلِعَ عَلَى قَلْبِي هَيْئَةٌ مِثْـَلهُمْ)(19)

وفي آخر:

(هَذَا أَنَا ..

نَبِيُّكِ الطَّرِيدُ

كَصُعْلُوكٍ يَتِيمٍ

خَذَلَتْهُ الأَقْوَامُ وَالنِّسَاءُ

وَالصَفْوَةُ وَالأَتْبَاعُ وَالأَعْرَابُ

وَارْتَدَّتْ عَنْهُ اللُّغَةُ وَاللَّهَجَاتُ المُرَائِيَةُ)(20)

وأيضاً:

(هَاَ أَنَا أَعْتَبُ الرَّابِعَةَ وَالخَمْسِّين

كُلُّ آبٍ يَتَصَاعَدُ بِي إِلَى سُلَّمِ الإِنْهِيَارِ

نَحْوَ خَرِيفٍ مَجْنِّيٌ عَلَيْهِ

أُحِسُّنِي أَتَنَاقَصُ فِي دَاخِلِي

وَأَعْلُو كَدُخَانٍ مُحَضَّنٍ

مِنْ مَوْقِدٍ وَاهٍ

الوَطَنُ يَتَسَرَّبُ مِنِّي عَلَى عَجَلٍ)(21)

وكذلك:

(أَنَا وَهْنُ الغَرْقَى وَيَأْسُ اِسْتِغَاثَةٍ)(22)   

وأيضاً:

(وَأَنَّنِي كَغَمَامِ البِّيدِ أَبْخِرَةٌ

وَأَنَّ دَمْعَ عُيُونِي لَيْسَ يَنْهَالُ)(23)

وكذلك:

(أَنَا مَا أَنَا إِلاَّ رُؤى شَرَرٍ

لِيَقِينٍ مَا لَمْ تَعِ أَجْدَادِي

وَيُلَذُّ لِي عُمُرِي إِذْ وَلَّى

وَأَرَاكِ فِي تَوْدِيعِ عُوَّادِي

وَعَلَى المَسَاءِ يَضِيِّقُ بِي حُلُمِي

وَعَلَى الزَّمَانِ يَبُحْ إِنْشَادِي

فَأَلُوذُ بِالأَوْهَامِ مُعْتَقِداً

مَسْرَى نُبُوَتَكِ لِإلْحَادِي)(24) 

وأيضاً:

(أَنَا لَحْظَتَانِ مِنَ البُكَاءِ

مِيلاَدُ مَوْتِيَ وَانْتِهَائِي)(25) 

وتتسع الذات الشاعرة في انتمائها المكاني بكل تواضع أناها الوطني لتتمثل المدينة المعشوقة طرابلس كعاصمة للوطن وتمتد لتشمل الإقليم الجنوبي المغلوب:

(هَا أَنَا أَقِفُ عَلَى ربْوَةٍ عَالِيَةٍ

أَكْشِفُ كَتِفِي لِلرِّيحِ

لأِعُيِرَهُ لَكِ لِلْبُكَاءِ

أَمْنَحُكِ بِئْرُ دَمْعِي

نَقِيّاً مِنَ المَّلْحِ

لِأُكَفْكِفَ كُلَّ الحُزْنِ فِي قَلْبِكِ

عَلَى طَرَابُلْسَ

أَنَا جُنُوبُكِ المَغْلُوبُ عَلَى أَمْرِهِ)(26)

ثم تزداد تمدداً واتساعاً في كيان أكبر لتقترن بالبلاد والوطن في التحامٍ صادحٍ بالعشق والمحبة حد التماهي البديع والانصهار في ليبيا بأكملها فتهتف باسمها وتنتسب إليها متوحدة رمزاً ودلالة في نسيجها الاجتماعي وتفاعلها الفكري:

(ِليْبيَاي 

أَسْقِنِي مِنْ مَاءِ بَحْرِكِ الأَغْـيَدِ

أَنَا أَغُصُّ بِالنَّدَمِ وَالْحَسْرَةِ عَلَى فَشَلِي فِي البِّرِ بِكِ

أَنَا أَتَلاَشَى فِي الإِنْتِهَاءِ إِلَيْكِ

مِنَ الوَهْنِ.)(27)

(7)

من خلال تتبع نصوص شاعرنا الفلاح الوداني نلاحظ موهبة شاعرية واثقة تبهر صورها الفنية المتلقي، وتكشف نظرة عميقة مشبعة بالمعرفة، وغزيرة بثراء قاموسها اللغوي، الذي يتيح لها التقاط أنصع وأبهى المفردات وأرق العبارات، لتطريز نصها الشعري ليظهر مفعماً بالحيوية والتفاعل المتواصل بين الذات وأشكال تماهيها المستمر في مستجدات الحياة كافة، سواء بتضمينها الوافر للكثير من عناصر مهنة الفلاحة والزراعة تحديداً مثل (الغرس، الفسائل، الرطب، ملح الأرض، وغيرها) تأكيداً على مدى نشوة واعتزاز الشاعر وافتخاره بالأرض والمهنة التي يمارسها، لأنّ الأرض تملك سحراً تطهر به النفوس وتغمر العقول والأرواح تواضعاً ونقاءً، لتبدع نصوصاً من عبق عشق أديمها، وحبّات رملها، وثراها وخيراتها، أو استنظاق أطياف جمالياتها وإسقاطها على مجريات الواقع الراهن في مشاهد لا يفارقها الإبداع والإبهار على الدوام، ولذلك فإن الذات الشاعرة للفلاح الوداني المهدي الحمروني ظلت ثريةً جذابة آسرة، ومكتظةً بكل هذا العطاء والبوح والانتشاء الذي طال النص والمتلقي معاً.

إنّ نصوص الفلاح الشاعر المهدي الحمروني تتسم ببراعة الاستهلال والبناء والختام، وكذلك بكثافتها التعبيرية وخضوعها لنهايات غير متوقعة، وهو ما يعبر عنه بالمفاجأة الأسلوبية التي تغاير نبؤة المتلقي وتبهره بسلاستها وبساطتها الظاهرية وعمق بنيانها ومضمونها. كما نجدها غالباً تبتعد عن النثرية الجوفاء واحتفاظها ببساطة المفردة واكتنازها بشعرية تتفاوت صيغها التعبيرية التي تحافظ على متانة ارتباطها بالمتلقى بشكل متواصل من بداية إلى خاتمة النص في إيقاع مفعم بالموسيقى والافتنان تاركةً بصمات أثارها الوجداني متجذرة في أعماق وفكر المتلقي.

وقد اتكأ الفلاح الشاعر في نصوصه على استخدام الأسلوب السردي المتتابع الذي ينسج صوراً فنية مترابطة تبث حركية وتفاعلاً في النص وهو تأكيد على كوامن الرغبة في الانتقال من الشعر إلى فتنة الحكي الممتع، مما يبرهن على تداخل الأجناس الابداعية في الكتابات الحداثوية والتي هي انعكاس وتعبير صادق عن روح العصر وتحولاته الفكرية والمادية. كما أن أسلوبه ونصه الشعري ظل وفياً للراهن المعاش بكل مستجداته الخطيرة على الوطن والإنسان، والتي من بينها جائحة كورونا التي ربطتها الذات الشاعرة عند الفلاح الوداني بالبلاد والوطن والانشغال بمعاناته والتحديات المختلفة التي يواجهها لتؤكد بأنها ليست نصوصاً ماضوية بعيدة، أو استعلائية غريبة بل نجدها قد خلعت كل تلك الثياب البالية والأقنعة والغايات التقليدية الباهتة لتتلبس الوجداني العميق والوطني الصادق بكل معالمه وتنصهر في ظروفه كافةً حتى في البعاد الجسدي:

(يَا بِلاَدِي

بَعِيداً عَنْكِ

الجَائِحَةُ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ

حَتَّى طَرَقْتُ بَابَكِ

وَصَلَنِي إِشْعَارُهَا كَنَكْزَةٍ فِي القَلْبِ

وَقَبْضَةٍ فِي الكَبِدِ

أَنَا هَيْكَلٌ مُجَرَّدٌ دُونِهِمَا

وَهُمَا لَدَيْكِ هُنَاك

لاَ عَافِيَةَ لِي وَأَنْتِ سَقِيمَةٌ)(28)

وفي نهاية هذا التفاعل الحبِّي الشخصي مع نصوص الشاعر الفلاح الوداني المهدي الحمروني لابد من التأكيد بأن جميع القراءات المتعددة للنص تندرج ضمن النقود الفنية المثرية لذاتية مضمومنه ورسالته، والداعمة لمبدعه وقارئه على حد سواء، مع اليقين التام بأنه حتى وإن تعددت تلك القراءات وتفاوتت من جوانبها كافة، بدرجات ومستويات مختلفة، فإن محطة القراءة الكاملة والشاملة تظل بعيدة الوصول، وغاية صعبة المنال أو الإدراك، لذلك تبقى كل هذه المحاولات مجرد ملامسات أو اقتراب للمصافحة والاحتفاء بالنصّ الشعري ومبدعه معاً.


الهوامش:

(1)  انظر: التليسي في الذاكرة، مجمع اللغة العربية، ندوات (9)، 2010م، ص 233-243

(2)  انظر: أبوعثمان عمرو بن بحر الجاحظ، البیان والتبیین، تح: محمد عبد السلام هارون، ج1، مكتبة الخانجي، القاهرة، مصر، ط7، 1998، ص208.

(3)  مًحيا راودته الآلهة للنبوة، المهدي الحمروني، ابن رشد للنشر والتوزيع، ك ت ب للنشر، الطبعة الأولى، 2019م، ص 9-10

(4)  مجاز تائهً للوحي، المهدي الحمروني، دار الأدهم للنشر، ك ت ب للنشر، 2020م، ص 9

(5)  مًحيا راودته الآلهة للنبوة، مصدر سابق، ص 129

(6)  قيثارة الروح، بدر شاكر السياب، دار العودة، بيروت، 1974، ص 68-70

(7)  مشري بن خليفة، سلطة النص، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط 1، 2000م

(8)  مجاز تأئه إلى الوحي، ص 291-292

(9)  سورة يس، الآية رقم 20

(10)  سورة القصص، الآية رقم 20

(11)  مجاز تأئه إلى الوحي، ص 291

(12)  محيا راودته الألهة للنبوة، ص 57

(13)  محيا راودته الألهة للنبوة، ص 57-58

(14)  محيا راودته الألهة للنبوة، ص 58

(15)  محيا راودته الألهة للنبوة، ص 57

(16)  القرآن الكريم، سورة طه، الآية 55

(17)  مجاز تائه إلى الوحي، ص 284

(18) مجاز تائه إلى الوحي، ص 298

(19) مجاز تائه إلى الوحي، ص 299

 مجاز تائه إلى الوحي، ص 306(20)

(21) مجاز تائه إلى الوحي، ص 318

(22)  من بقايا الليل، ك ت ب بالاشتراك مع ابن رشد للنشر والتوزيع، بلا م، الطبعة الأولى، 2019م، ص 114

(23)  من بقايا الليل، ص 111

(24)  من بقايا الليل، ص 101-102

(25)  من بقايا الليل، ص 97

(26)  مجاز تائه إلى الوحي، ص 289

(27)  مجاز تائه إلى الوحي، ص 290

(28)  مجاز تائه إلى الوحي، ص 154. كتب الشاعر هذا النص أثناء زيارته للعاصمة التركية اسطنبول بتاريخ 2 نيسان “أبريل” 2020م

مقالات ذات علاقة

ليبيا واسعة – 15 (ترفاس)

عبدالرحمن جماعة

قراءة نصية في الشعر الليبي المعاصر – حسن السوسي أنموذجا.

المشرف العام

النـثر يقــود الثـورة .. الشـعر يطلق أصواتـهن – ج 3 (الأخير)

رامز النويصري

اترك تعليق