سرد

الذئب

إلى نساجة الحكاية الأولى

جدتي : سليمة بوخريص،

عن الشبكة
عن الشبكة

حسب وقائع الغابة ، رُبّما يتعذر الحدسُ في ما يمكن أن يفعله ذئبٌ جائع في ليلٍ وحيد . بينما كان القمر بدراً ينثر فضته النظيفة فوق العالم ذاك . حيث يحكى بأنه : كان ثمة ذئب سيئ الطالع ، يبحث دونما جدوى عن فريسة تائهة ، أو أي شيء يسدُّ الرمق ، حتى ولو كان بحجم فأر صغير . كان خائباً وحزينا يجلس بعد لأي مهدوداً من تعب الطواف، يفكر فقط في وجع أمعائه الخاوية الذي حرمه من متعة النوم . وعلى الرغم من عوائه البارق إلا أن أحدا من أبناء جلدته لم يأت إلى نجدته . ليلتها لعن الذئب حظه العاثر وتذكر بألم كم هو شقي وبائس ووحيد ، وأنه منذ أن عرف الغابة كان بلا أهل أو رهط أو حبيبة . وفجأة طرأت عليه حيلة غريبة ، فقد اقترح على نفسه فعل أي شيء يخفف من قساوة الجوع ، وقرر أن يرسم وجبة شهية ، تليق بذئب نبيل .  أفرد ورقة كبيرة تحت ضؤ القمر ثم اقترح الألوان الملائمة لهيئة حمل وديع وسمين ، وشكل في أول الأمر دائرةً بيضاوية يدثرها صوفٌ ناعمٌ ترتكز على أربعة أطراف تغوص أظلافها في عشب طريَ . لكن ما أن هَم َّبمعالجة خطوط الرأس حتى غمرته نشوةٌ عامرة ، وبدأ شيئا فشيئا ينسى براثن معدته .. بعد أن استسلم لفتنة التلوين بجموح غريب ، هيّج خياله فتداعى بمرح لابتكار ما يشبه الرأس . غير أن نشوته أضحت تتلاشى حين وجد نفسه تخضع لمشيئة وسواس مخيف . لأنه من حيث لا يدري اختلطت عليه نسبُ الألوان والظلال والخطوط  وقاده السهو إلى ارتكاب حماقة لا تغتفر . فقد انتبه إلى انه رسم رأسا لا يمت للحمل بأدنى صلةٍ تُذْكَر .. بل هو في حقيقة الأمر رأس كلب غاضب .

عندها تضايق الذئب .. وشعر بالارتياب إزاء جسامة خطأه الفادح . فكيف يمكن الجمع بين شيئين متنافرين في جسم واحد . ولا سيما أن قامة الحمل الوديع لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تتجانس مع رأس كلبي .

لذا عزم الذئب على قطع الرأس الغريب .. ليرسم عوضاً عنه الرأس الذي يمكنه أن يشي بوجود حمل لا غبار عليه . لكنه ما لبث أن شعر بالخيبة ، لأن ما تبقى من ألوان لا يفي بتشكيل رأس بديل . ثم تحوّلت خيبته إلى فزع  مريع لحظة أن تبدّى له الرأس الماكر وقد انبرى فجأة يرمقه بعينين حاقدتين .  تقهقر الذئب ، وراوده إحساس ثقيل وغامض بخطر وشيك وماحق يتربّص به . وظل لهنيهة يفكر في حيلة ما للتخلص من المصيبة التي خلقها لنفسه . غير أنه ليس من الحكمة في شيء مواجهة كلب غاضب . هكذا خمّن الذئب ثم فرّ هارباً بجسده قبل أن ينقض عليه ذلك الكائن النكرة . لكنه ما كاد أن يضرب بضع خطوات حتى تعثر من شدة الهلع وسقط أرضا. ولم يصدق لحظتها أن عدوّه لم يلحق به . حينها ضحك الذئب ساخراً من نفسه . فكيف له وهو الذئب ابن الذئب ، أن يخشى مخلوقاً ورقياً ، ابتكرته مخيلته الجائعة من بضعة ألوان بليدة ، وخطوط بلهاء . قفل الذئب بثبات وهو يتقدّم دونما احتراز أو حذر من ورقة الرسم غير عابئ بنظرات الكائن الذي هو محض هراء . عازماً دون هوادة على قطع الرأس . فما حاجة حمل سيؤكل بعد حين إلى رأس خطّته الصدفة وحدها . فليكن الحمل بلا رأس .  إنه مجرد مخلوق غبيّ كُرّس لأن يكون غذاءً شهياً لذئب نبيل .

عند هذا الحدّ توقّف الذئب الذي لم يكد لسانه يستعير وظيفة ممحاة لزجة حتى تسمّر فزعاً لحظة أن هبّت ريحٌ عاصفة ٌوانتفضت الورقةُ بقوةٍ وعنف .. ووجد نفسه عاجزاً عن إطلاق عُوائه الأخير …

فثمة ألم حاد وعنيف يمزق عنقه ، ويشل حواسه ، ولم يكن في وسعه رؤية ذلك الشيء الذي ينهشه بقوة ، ويذبحه من الوريد إلى الوريد .. لأن الوجع الذي لا يطاق قد تحوّل إلى خدر بارد ومقيت يسرى في جسده المتهالك .

حيث الحياة تخضع بهدوء لمشيئة خيال نزق لم يكن منذ قليل سوى ذئب جائع قرّر أن يرسم العالم بمخيلة مريضة .

كانت تلك لحظة متعذرة في سيرة الذئب .

لأنه عندما استيقظ العالم في الصباح التالي فوجئت كائناته بذلك المشهد المروّع ، لذئب وحيد نُكِّل به .. فتمزّقتْ أحلامه بضراوة وحش غريب . وما من أحد استطاع أن يجد تفسيرا لورقة الرسم بفراغها الهارب الذي يشبه هيئة مخلوق غريب يتعذّر وصفه ،كما يشي  بفداحة خطأ ما ، خطأ لجوع ينمو  كما تشير الحكاية التي تبدأ بذئب جائع ، قرّر أن يرسم حملاً له رأس كلب .

مقالات ذات علاقة

إِنَّهُ العيدُ .. !

جمعة الفاخري

مقطع من رواية حرب الغزالة

عائشة إبراهيم

بداية النهار

الصديق بودوارة

اترك تعليق