قصة

الذئاب

عن الشبكة
عن الشبكة

أشعة شمس الغروب تتسرب من خلال الأغصان المتشابكة، فترسم دوائر ضوئية متداخلة على الأرض، وعلى الجذوع المغروزة في الرمل .
بقع الظل تتلاشى عند أطراف دوائر الضوء الخافتة، فيتغير اللون من الرمادي الحالك إلى لون ألسنة اللهب .
بعض العروق الناتئة على سطح الأرض تلتحم بالجذوع وتنغرز أطرافها تحت الرمل .
دائرة من الضوء تشع على وجهه الترابي الهامد .. اللون اللامع في عينيه يكسر الضوء، فينعكس على الخرزتين اللزجتين، وينفلت بين الأهداب المغبرة شعاعاً دقيقاً .. تطرف عينه قليلاً لتطرد ذبابة متوحشة تطنّ داخل رأسه .. تنتصب أُذناه في همود .. يئن مع صوت الريح المتكسر على الجذوع المتصالبة .. يتألم في هذا العمق وحيداً .
خيط من اللعاب اللزج اندلق من شدقه المتهدل، وكوّن فقاعة بين قائمتيه الأماميتين .. خيط اللعاب الدقيق تقوسه الريح فينسكب على قائمتيه وينزلق ليبلل الرمل .

يعض على نواجذه بقوة، فتصدر أسنانه صريراً مبحوحاً يذوب في هيجان الريح .
قائمتاه الخلفيتان هُرستا تماماً، وسحق جزءاً من عظام فقراته ناحية الذيل . الدم تيبس على شعره الأشعث مكوناً طبقة سميكة على ظهره وفخذه .. النتوء النازف يغطيه ذباب مزعج، يطير قليلاً ثم يرجع ليعلق مزيداً من الدم .. يحاول أن يطرده بحركة يائسة من ذيله ..
مساحة الوجع تتسع حتى تلف كامل جسده، وتزرع قشعريرة في أعضائه .. يئن بأنفاس متقطعة .. ربما يبكي في داخله فالدمع يبلل وجهه الكامد، وتختفي قطراته بين الشعيرات العطنة .. دائرة بيضاوية سوداء تغطي كتفه الأيسر، وجزءاً من عنقه وأذنه اليسرى، لون بقية جسمه كلون السهوب الرملية المتاخمة للغابة . عرقوبه الأيمن تسوّره دائرة ناصعة البياض .. خطمه كان يلامس الأوراق الجافة المنتشرة تحته … يتشممها فيحرك زفيره حبيبات الرمل تحت منخريه الملتهبين .
في قلب الغابة رقد رقدته الأخيرة .. ابتعد عن القطيع عند إحساسه بالعجز .. لملم بقية جسده المصدع، وانعزل منكسراً .. ربما أتى من مكان بعيد يجر قائمتيه المهشمتين حتى غلبه الألم، وهدّه النزف .. أثره واضح بين جذوع الغابة .. مخالبه الحادة تركت خدوشاً عميقة على وجه الأرض .
تفاصيل وجهه القاسي تظهر تحت ضوء الغروب .. الفك السفلي انفرج قليلاً عن أسنان قوية مغروزة بعناية في أديم وردي، تحيطه شفتان دقيقتان .

أنيابه الطويلة معقوفة إلى الداخل، تنتهي برؤوس دقيقة .. لسانه اللدن يلعق مقدمة خطمه فيزيل ما علق به من غبار .. بياض عينيه تحول إلى اللون الوردي، تتخلله شبكة من العروق الحمراء .. رائحة كريهة تعبق حول جراحه .. الذباب يزعجه .. ينتفض جسمه بوهن تحت اللسعات القوية .. حبيبات الرمل تملأ فراغات أنفه، وحول عينيه .. تغطي قوائمه … تنسحق تحت صرير أسنانه .. الظلمة تزحف على الغابة فتلتهم بقع الضوء .. الجذوع الضخمة تصبح سداً من العتمة … أصوات كئيبة تنبعث من بعيد .. الحيوانات الليلية تخرج للبحث عن طعامها .. صفير الجنادب يئز في أذنيه بقوة … الظلام وصوت الريح، وخشخشة الأغصان تثيره … تولِّد في داخله إحساساً بالعجز، وبالرغبة في أن يطلق لصوته العنان معبراً عن ألمه … عن نفسه المعذبة .. يرفع رأسه عن مستوى جسمه، فيشمخ عالياً .. يجمع ما بقى له من قوة، ويلقي بها إلى حنجرته، فيخرج عواءً كئيباً يشق الغابة طويلاً ممطوطاً .. عوووووو … عوووووووو . يريح رأسه على الأرض بين قائمتيه المتباعدتين .

الصدى يرجع الصوت بين الأجمات .. يتردد العواء بعيداً كأنه في وادٍ سحيق .. يتنامى بين الجذوع شرساً مخيفاً، يسكن قلبه … عووووووو … عوووووووو . ضجيج الدم يعلو في شرايينه .. يزداد العواء الغريب كآبة .. يقترب مصدره .. النباتات الجافة والأغصان تتكسر تحت خطوات ثقيلة قادمة ، لهاث ساخن يقترب منه .
السواد الحالك يمنعه من الرؤية .. طبول بعيدة داخل أذنيه تدق … تصرخ … العواء الآتي من بعيد يمزقه .. الضجيج يعمق جراحه … كل خلية في جسمه تصبح طبلاً هائلاً يهيجه .. يملأه رعباً ورغبة في النهوض .. الفرار… يضرب رأسه على الأرض بقوة، حتى يقطع هذا السيل الجارف من الأصوات المبهمة .. هذا الكابوس القاتل … الأنفاس الساخنة تلهب وجهه .. يئن .. عيون ملتهبة تحدق إليه في الظلام .. تقترب منه … تبتعد قليلاً ثم تدور حوله دورة كاملة . يتبعها بنظراته الزائغة.

تقعي حوله في دائرة ضيقة … يتقدم أحدها فيشم الجرح .. يدور حول الجسم الممدد .. يقترب من الرأس الهامد .. يزداد الأنين كآبة .. يلقي برأسه بين قائمتيه المغروزتين في الرمل .. كان العنق المعفّر في المواجهة .. يهرُّ القادم قليلاً .. يلعق مقدمة أنفه .. يتقدم نحو العنق، يركز نظره على نقطة واحدة تبرز قليلاً تحت نهاية الفكين .. يتقدم ببطء .. يحني رأسه قليلاً ويفتح فكيه القويين حتى يلامس العنق .. ينشب أسنانه في لحم العنق .. يضغط بقوة .. يتحول الأنين إلى حشرجة مكتومة .. تنسحق الحنجرة تحت الضغط الهائل … خيط رفيع من الدم ينساب حول الفكين القويين .. ينبثق من جانبي العنق ..تخرج المخالب الحادة من مكامنها، تحفر خطوطاً عميقة على سطح الأرض … يتحرك الذيل بطيئاً وينكمش في شكل هلالي .. يتهدل الشدق وتنغرز الأسنان في لحم اللسان .. يهرب اللون من الخرزتين الغائمتين . ينكس رأسه، ويضع ذيله بين قائمتيه الخلفيتين .. يدور دورة كاملة حول الجثة .. يشم العنق المهشم ويختفي بين الجذوع … ينهض القطيع .. يدور دورة كاملة حول الجثة .. يشم العنق المهشم، ويختفي في ظلام الغابة .

مقالات ذات علاقة

الغولة

المشرف العام

آلامٌ، لن تنتهي!

الهادي نجاح

قصص قصيرة

غالية الذرعاني

تعليق واحد

فجر محمد 21 يونيو, 2015 at 12:36

كمدعية أني قارئة ..غالبا أحب التفاصل و الوصف الدقيق ..لكن هنا أتعبتني كثرة الصور و التفاصيل و تداخلها..
بالعموم.سعيدة بقرائتي للنص .

رد

اترك تعليق