حوارات

الدكتور جمعة عتيقة: سيرة الشعر… وسيرة الألم

لازالت ذاكرتي تختزن صورة اللوحة المعلقة على الجدار المقابل بحجرة مكتبه للمحاماة الكائن بمنطقة الظهرة بمدينة طرابلس. تلك اللوحة التي لا يمكن تصنيفها ضمن فن الكولاج التشكيلي أو السريالي أو الحروفي بل هي جديرة بأن تكون لوحة طبيعية تنتمي إلى التكوينات الواقعية النادرة. احتوت تلك اللوحة الفسيفساء على قصاصات ورقية صغيرة وكثيرة ألصق عليها نصوصاً شعرية عديدة كتبها الشاعر جمعة عتيقة على أوراق مختلفة الأشكال والألوان والأحجام حين زج به مع آخرين لسنين عديدة خلف القضبان أثناء فترات سجنه، وبطريقة ما تمكن من تسريبها خارج جدران السجن في غفلة من سجانيه، فظل يحتفظ بها ثم جمعها وشكلها في تلك اللوحة الفنية القيمة، وصار ينظر إليها كلما جلس إلى مكتبه فتكون في مواجهته تماماً ناقوساً وجرساً فكرياً دائماً، ورنيناً صوتياً مدوياً في عقله ووجدانه يستحضر أياماً مريرة ومعاناة صعبة وظروفاً قاسية مر بها خلال سنوات “كان الزمن فيها مقيماً” حسب التعبير الذي يحبه.

كتاب_في السجن والغربة_للشاعر_د.جمعة عتيقة
كتاب_في السجن والغربة_للشاعر_د.جمعة عتيقة

حين تحدثنا عنها، قال لي ما رأيك أن تكون تلك اللوحة غلافاً لديواني، فأجبته من فوري بأنها لوحة فنية رائعة بشكلها، وقيّمة بتاريخها ومضمونها، وعميقة بفكرتها ودلالاتها. فأهداني ابتسامته الرقراقة وأشعل سيجارته التي فجرت تنهيدة أعماقه وما تكتنزه من خبايا لم يحن الوقت في ذاك الزمن لإطلاق حريتها والبوح بها.

كان ذلك خلال الشهور الأخيرة من سنة 2010 حين كنت أرتب لاستضافته في برنامجي المرئي (المشهد الثقافي) حيث اخترت أن استهل حواري معه في ذلك اللقاء المرئي الممتع بالحديث عن الشعر بدل القانون ومهنة المحاماة التي يعمل بها، ربما لأن توقيت تسجيل وبث ذاك البرنامج كان بُعيد صدور ديوانه الثالث (سيرة الألم)، ففتحت الأسئلة دروب الإبحار في رحلة وجدانية ممتعة طفنا بها في عوالم الشعر والأدب والكتابة ومفهوم وقيمة علاقات الصداقة بين الناس.

الشاعر الليبي جمعة عتيقة
الشاعر جمعة عتيقة

وحين قررت مؤخراً أن أتناول ديوانه الأخير (سيرة الألم) الصادر عن دار الرواد سنة 2010 عدت لمشاهدة ذاك التسجيل المرئي لتلك الحلقة، لأستعين ببعض ما تضمنه حواري الثقافي معه، فوجدت فيه الكثير من الزاد الفكري والأدبي الذي لازال طازجاً وفاعلاً، لذلك اخترت نشره وعرضه ليكون تمهيداً يسهم في تعريف القارئ الكريم بفكر ولغة الدكتور جمعة عتيقة الشعرية الذي عرفناه محامياً قديراً ،وسجيناً سابقاً، وناشطاً سياسياً في حقوق الإنسان مدافعاً عن الحرية ونصيراً للعدالة.

فإليك أيها القارئ الكريم هذا الحوار مع الشاعر جمعة أحمد عتيقة والذي آمل أن يكون مدخلاً يعبد الطريق لمعانقة نصوصه الشعرية وما احتوته من قيم نبيلة المضمون، وإيقاعات موسيقية وبلاغية تحرك الوجدان الإنساني لدى المتلقي، ثم في فترة قادمة نستعرض “سيرة الألم” وما دونته عنها من ملاحظات انطباعية تقترب من استكشاف بعض خبايا النص، ولا تحاول أن تلج دروب النقد المنهجي وتشريحه باستخدام الأدوات النقدية الأكاديمية.

ماذا يعني لك الشعر؟

الشعر بالنسبة لي هو أداة أو عالم، بل هو عوالم، أجد فيها براحاً للتعبير وللتنفيس أيضاً، ولمعالجة بعض القضايا سواء العامة لمقاربة بعض القضايا الوجدانية التي عشتها أو تجارب معينة مررت بها.

هل تؤمن بأن النص الشعري قد يساعد في إرساء رسالة معينة؟

النصوص الشعرية كلها رسائل. ولكن السؤال لمن توجه وكيف توجه؟ أحياناً للذات، وأحياناً للآخر، وأحياناً توجه كتساؤلات معينة للكون والحياة وتأملات يعيشها الشاعر ويحاول أن يعبر عنها بالشعر من خلال هذا الكائن الشفاف.

متى تلجأ إلى الشعر؟

ليست لدي توقيتات. والحقيقة ربما إن صح هذا التعبير، فالبوصلة الوحيدة أو الترمومتر الوحيد أحياناً بأن حدثاً أو واقعة أو شيئاً أو ظرفاً هز وجداني أحس أنني انفعلت معه وتفاعلت معه فغالبا تأتي الدفقة الشعرية فيبرز الانفعال وتولد القصيدة وتتم وأحياناً تجهض.

هل يتأخر ميلاد واكتمال القصيدة لديك؟

أنا أكتب دفقة واحدة. القصيدة تختمر في الذهن ويستمر التعامل معها والمعاناة أشبه ما تكون بمخاض، ثم بعد ذلك إذا بدأت كتابة القصيدة لا أستطيع أن أتوقف قبل أن أنهيها لأنني لست من كتاب القصائد العروضية الطويلة.

عندما تعود إلى نصوصك الشعرية القديمة كيف تراها؟

بالتأكيد أرى فيها الكثير من البساطة والسذاجة فأنا أذكر على سبيل المثال أنه في سنة 1966 وكنت أبلغ ستة عشر أو سبعة عشر عاماً أدرس بالسنة الثانية الثانوية، كتبت قصيدة ونشرتها بجريدة “الأولمبياد” للأستاذ محمد فريد سيالة وكانت بمناسبة وفاة الشاعر المرحوم علي الرقيعي والذي كنت قد اقتربت منه لفترة قصيرة في أواخر أيامه، حين كان يسكن في الظهرة قريباً من مسكني، كما عرفني به بعض الأصدقاء، فكتبت قصيدة:

حينما مات الرقيعي ماتت الأزهار في وضح النهار

واختفى صوت يغني لسعاد ونزار

هذه أذكرها من النصوص المبكرة التي نشرت في تلك الفترة وكنت سعيداً بها، وغيرها من المحاولات ثم انقطعت طويلا عن الشعر كما ذكرت.

بعيداً عن الكتابة.. ماذا عن القراءة؟ لمن تقرأ؟

علاقتي بالقراءة أزعمُ أنها بدأت مبكرة أيضاً في سني أثناء الدراسة الابتدائية، فالتصقتُ بالكتاب، وتعاملتُ مع الكتاب، لأني وجدتُ الكتاب أمامي، وربما هذا الفضل يرجع إلى الجو الأسري وخاصة شقيقي الأكبر الذي احتضنني وتولى تربيتي وآمن بالعلم واستطاع بعصامية نادرة أن يحقق نجاحات في حياته. كما أن المرحوم والدي الإنسان البسيط وهو رغم أنه كان شبه أمي، لكنه كان يؤمن بالتعليم. وحين وجدتُ الكتاب أمامي ارتبطتُ به ارتباطاً طبيعياً ثم تطورت العلاقة وبدأت الكتابات بعد كل تلك القراءات.

هل لازالت العلاقة وطيدة بالكتاب؟ أم أن مشاغل الحياة صرفتك عن ذلك؟

لا شك أن مشاغل الحياة قد تصرفك، ولكن وبكل اطمئنان أقول بأنني لا أستطيع أن أتنفس دون الكتاب، أو أحيا دون الكتاب، ولذلك أدوامُ على القراءة يومياً، وفي اليوم الذي لا أقراءُ فيه أحسُ بأن شيئاً ما ينقصني، كما لو كنتُ لم أتغذى جيداً.

هل تعتبرُ قراءة المرافعات القانونية ومذكرات المحاماة الدفاعية جزءاً من القراءة؟

لا شك أنها جزء من المعرفة. هذه في الحرفية أو المهنية والتخصص فقراءةُ القوانين والمرافعات حتى القديمة منها لكبار المحامين الأعلام سواء كانوا ليبيين أو من الدول العربية هي جزء من ثقافة المحامي.

عملك في الخارج في المغرب والعراق ودراستك في ايطاليا كيف أثرت في كتاباتك ونصوصك؟

في الحقيقة لاشك أن كل تجربة لابد أن تؤثر في الإنسان ومساره وتفكيره وعلى إنتاجه أيضاً. ولكن الواقع أنني حين كنتُ في هذه الأماكن واشتغلتُ بها ربما كنتُ موصولاً بالمكان الأصلي. يعني كل اتجاهاتي وأشرعتي ومجاديفي متجهة نحو الوطن. فالارتباط قائم وشديد وكلما تزداد الغربة مرارة كلما يشتد الارتباط والحنين.

من خلال مطالعتي لنصوصك في دواوينك الثلاثة يتضح لي أنك لا تتحمل الغربة، بمعنى أن الغربة لم تكن باختيارك؟

بالتأكيد هذا شيء حقيقي، أنت لامست الآن نقطة حساسة أنني لم أختر الغربة ولكن هناك ظروفاً معينة والتباسات، فأنا شخصياً لا أتحمل الغربة.

صوت المؤذن والحس الديني يبرز في نصوصك والانشداد باتجاه الوطن كذلك. ما تعليقك؟

بالتأكيد هذه تشكل خلفية ثقافية فكما تعرف بأن الثقافة الدينية في مجتمعنا تشكل جزءاً كبيراً من تكويننا.

رُبّ أخٍ لك لم تلده أمك… علاقاتك بالصديق والخل الوفي تبرزها أشعارك بوضوح.. فأنت أهديت ديوانك “همسة وصل” إلى صديقك المرحوم خليفة الفاخري.. ونصوص أخرى أهديتها إلى سالم امعيتيق… ويوسف عقيلة… كأنك موجوع من الأصدقاء وتفوح من النصوص رائحة خذلان، أم أنك تحتفي بهم وفاءً لعلاقة ود عميقة، أم أن الصداقة لها معاني أبعد من ذلك بالنسبة لك؟

فيما يتعلق بهذه النقطة أنا دائماً أردد قولة يقولها صديقي وأخي العزيز “يوسف الشريف” الذي يقول بأن (الصديق وطن). فالحقيقة أنا عشت حياتي كلها محاطاً بالأصدقاء ولا أستطيع حتى هذه اللحظة أن أعيش حياة دون وجود الأصدقاء. أما من حيث الوجع ومن حيث ما يعتري مسار الصداقة أو العلاقة من أشياء طبيعية لابد أن تحدث فهي موجودة، ولكن حتى في ظل وجودها لا يغيب الود. فمثلاً هناك أصدقاء ظروفهم أو تحولات حياتهم قد تبعدهم عنك نتيجة انشغالاتهم سواء بالمال أو بالسلطة، قد لا يجدون حتى الوقت للتفكير فيك أو يتصلون بك فكان دائماً شعاري معهم (غنيٌّ عنكَ ما استغنيتَ عني … وطَلاَّعٌ عليك مع الخُطُوبِ) يعني ما دمت أنت بخير “يا صديقي” .. أنا دائماً أقلل الاتصال وأحاول أن أكون أكثر الناس صلة وأقلهم اتصالاً. دائماً هذا هو شعاري مع الأصدقاء … وطلاع عليك مع الخطوب .. يعني لا سمح الله إذا حصل أي شيء فستجدني واقفاً إلى جنبك. فالصداقة في حياتي لها قيمة كبيرة ومعاني عديدة ولا أستطيع أن أحيا حياتي بدون أصدقاء.

المسافة الزمنية بين ديوانك الأول 2002 وديوانك الأخير 2010 ثمانية سنوات … هناك الكثير من النصوص التي لم تنشر. متى ستنشر؟

بالنسبة للديوانين الأول والثاني أستطيع أن أقول بأنهما كانا نتاج تجربة شخصية كان الزمن فيها مقيماً، وكانت تجربة مكثفة، فكانت دفقات الشعر متتابعة ومستمرة، يعني المعاناة خلقت نصوصها، خلقت وسيلتها في التنفس والتنفيس، وسيلتها في التعبير، فجاءت وولدت تلك النصوص، ثم بعد ذلك تغيرت الظروف، وأخذت الإنسان مشاغل الحياة فأصبح أحياناً يصرف النظر عن الفكرة حين تأتي.

نصوصك ثرية بها الكثير من الخبرة والكثير من المعرفة والكثير من المفردات اللغوية الجميلة والتنقلات من هنا وهناك وتجارب وتغييب وحضور، بماذا تفسر ذلك؟

الإنسان ابن تجربته. وأحياناً هو لا يصنعها، بل تفرض عليه أشياء أو يواجه ظروفاً لا يرغبها، ولكن بطبيعتها تكون لديه رؤى أو وجهات نظر أو إحساساً مختلفاً، وكلما كانت التجربة أغنى أو ربما بتعبير آخر كانت أقسى أو بها شيء من شكل المعاناة كلما أعطت أكثر. وهذا درس على ما أظن أننا لا نختلف أنه موجود عند الكافة.

نشرت بصحيفة فبراير

———————

نبذة عن الشاعر:

ولد شاعرنا جمعة أحمد عتيقة بمدينة مصراته عام 1950، وتلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي بمدارسها، ثم انتقل إلى مدينة طرابلس لتكملة مرحلة تعليمه الثانوي. وتحول بعد نيله الشهادة الثانوية إلى مدينة بنغازي والتحق بكلية القانون بالجامعة الليبية، حيث تحصل منها سنة 1972 على شهادة الليسانس. بعد ذلك قرر مواصلة دراسته العليا فسافر إلى إيطاليا ونال سنة 1983 درجة الدكتوراة في القانون الجنائي وعلم الإجرام من جامعة روما. والتحق إثر ذلك بعمله وكيلاً للنيابة العامة بداية من سنة 1972 إلى 1974 ثم مارس العمل في مجال المحاماة والترافع أمام المحاكم الابتدائية والاستئنافية لسنوات عديدة، قبل وبعد فترات سجنه المتعددة إثر نشاطه السياسي والحقوقي. كما عمل بالمنظمة العربية للثروة المعدنية بالمغرب وكذلك بالمعهد القضائي ومركز البحوث القانونية بوزارة العدل العراقية أثناء فترات اغترابه عن الوطن آبان مطاردته من قبل النظام السابق.

نشر دراساته القانونية ونصوصه الشعرية وأعماله الأدبية في العديد من الصحف والمجلات من بينها طرابلس الغرب، اليوم، الأولمبياد، الجندي، قورينا، العدالة، جيل ورسالة، الزمان، الفتح الثقافي، الفصول الأربعة، الشط، الإخاء. وأصدر عدة مؤلفات في القانون من بينها: (حقوق السجين) وهو مترجم عن الإيطالية، و(الجرائم ضد السلام في القانون الدولي الجنائي)، حقوق الإنسان (مقاربات)، حفنة من بذار (آراء ومواقف). أما إصداراته الشعرية فقد بدأت سنة 2002 بديوانه الأول “شهقة الروح والريح” ثم ديوانه الثاني “همسة وصل” وديوانه الثالث “سيرة الألم” الصادر سنة 2010.

مقالات ذات علاقة

عبد الله يونس الفاندي.. اسم ليبيا هو مايملؤني فخرا

المشرف العام

الأستاذ محمد ناجي: لماذا لا نذهب نحن بالكتاب للمدارس

المشرف العام

عائشة المغربي: المرأة الليبية شاركت في الثورة ثم تحوّلت إلى “غنيمة حرب”

المشرف العام

اترك تعليق