قصة

الدرجيحة

إلى يونس الفنادي

 

في حديقة بيتنا الخلفية، في حي الظهرة، شجرة زيتون يخيل إلي، دائما، أنها عجوز يتهدل شعرها بفوضى على كتفيها. فأرى أوراقها القصيرة المتناثرة وكأنها شعيراتها المجعدة المتناثرة فوق رأسها، وأرى تجاعيد وجهها على ساق الشجرة وألامسها من حين لآخر، وتبدو جذورها وكأنها عروق العجوز وهي تبرز على يديها المتغضنتين.

إلا أن أهم ما يشدني وأخوتى إلي شجرة الزيتون العجوز تلك ليس ملامحها ولا خيالنا الذي يجسدها في صورة امرأة ، بل هو ( الدرجيحة) التي تتدلى من غصنيها المتينين.

كانت الدرجيحة محور يومنا، بحبليها المفتولين المتينين المشدودين، المنتهيين بعقدتين تلتفان حول ثقبين جانبيين محفورين على قطعة لوح خشبية مسطحة. كانت سبورة، نقفز عليها بمؤخراتنا التي نحركها بتململ، لنعدل من جلستنا، ثم نترك سيقاننا للريح. وبحركة شبه آلية، ندفع بها لأعلى ثم نثنيها نحو الخلف وهكذا رويدا رويدا نتأرجح بين الأعلى و الأسفل بشعور أقرب للطائر وهو يحلق في طيرانه.

مشاعر فياضة تنتابنا ونحن ننأرجح، قلوبنا تدق بقوة كلما ارتفعنا أو هبطنا، نلامس حافة الخطر حين تنتفض مؤخراتنا على لوحها الخشبي.

ما إن تخفت الرغبة داخلنا تدريجيا حتى ننكس سيقاننا بكسل فتنصاع لنا الدرجيحه ويفتر حماسها شيئا فشيئا حتى تتوقف تماما. نقفز منها أحيانا ونهجرها وهي في فورة حماسها، لتظل تتأرجح وحدها دون جليس أو أنيس.

نعاملها بجفاء أحيانا فنركلها أو نهزها من حبلها وكأننا نعنفها، نهيل التراب على لوحها. لكن في أحايين أخرى نحتضنها أو نجلس على لوحها نتراقص معها، أو نحركها بتؤدة وكأننا نهدهدها.

العلاقة مع الدرجيحة، بقدر حميميتها، متشابكة، نتنافس عليها، وكأنها الحبيب، ثم نهجرها، لتظل وحيدة، تجلدها شمس الظهيرة وتوخزها قطرات المطر وتعبث بها الرياح . نجدها بعد الهجر مغبرة وحيدة، فنمسح التراب من على وجهها ونحتضنها من جديد.

أتذكر في فصل الصيف، نتردد على سوق الظهرة المجاور لبيتنا، نشتري “الأسكيمو” ثم نسارع إلى الدرجيحة نمطتيها، ونمسك حبلها بيد، بينما تنشغل اليد الأخرى بـ”الأسكيمو” المثلج ذي اللون الأحمر وهو ينسكب عليها، فنهم بلعق أصابعنا بنهم، إلا أنه يزداد ذوبانا، بينما تنشط ألسنتنا في حركة اللعق من أسفل إلى أعلى، تتخللها من حين لآخر شفطات من شفاهنا بصوت عال حتى يختفي لونه ويستحيل إلى قطعة ثلج بيضاء ذات ثقوب.

ذات يوم، وبينما أتأرحج وألعق قطعة الأسكيمو المستطيلة، انقسمت إلي نصفين وسقط نصفها العلوي على التراب، ثم تشقق النصف الباقي وتساقط قطعا صغيرة كنتف الثلج. نظرت إلى الأسفل و رأيت قطع الأسكيمو وهي تبلل التراب حولي، بينما ما تزال أصابعي تطبق على العود الخشبي. بكيت حينها وأنا مازلت أتأرحج.

كانت الدراجيح، كالبشر، تسمي بأسماء أماكنها، “درجيحة حوش جدي”، “درجيحة حوشنا”، “درجيحة الحوازة”، ولكل منها ملامح تميزها عن غيرها، فتبدو درجيحة الحوازة الأكثر إهمالا في مظهرها، عالية في موقعها صعبة المراس، بينما تظل درجيحة فيلا “الظهرة” الأكثر أناقة وجاذبية لنا ولقلوبنا.

كانت الدرجيحة ملاذا لنا إذا ما تعاركنا صغارا أو انتابنا الحزن، نلجأ إليها ونجلس على أحد ركنيها وندلدل سيقاننا ونعبث بطرف إحدى قدمينا بالتراب راسمين أشكالا هندسية ونحن مستغرقون في مشاعرنا، حتى يأتي أحدهم و يروح عنا، لننتهي بجولة على الدرجيحة وتتعالى أصواتنا ضحكا وتنقشع غيمة الحزن التي كانت تحوم حولنا.

تتغير أحجامنا، لكن “الدرجيحة” تحتملنا في طولنا الذي يحتك بأعرف شجرة الزيتون أو بدانتنا التي تجبر “الدرجيحة” على أن تئن أنينا خافتا وهي تنوء بالحمل.

كنا نكبر بينما الدرجيحة تشيخ، تنسل خيوط حبلها، و يتشقق وجهها، حتى يأتي ذلك اليوم الذي ينقطع بها الحبل فتميل وتظل معلقة من جانب واحد، أو يتهشم لوحها وتتفرق وتتدلى من جانبين منفصلين.

تختفي “الدراجيح” من أماكن إقامتنا، لكن مكانها يظل عالقا بالذاكرة. ندور في مراتع الصبا فتترآى لنا “الدرجيحة” وهي تهتز في قوتها وعنفوانها، نشير إلى موضعها ونحن نعود سنوات إلى الوراء و تأتي الصور بالأسود والأبيض غائمة كأنها نتيجاتيف نبتسم ونقول: هنا كانت الدرجيحة.

طرابلس/ 17. 8. 2012

مقالات ذات علاقة

عـيون الكـبريـاء

عطية الأوجلي

يا رجلاً يقـف بين بين

رزان المغربي

لمة عائلية

محمد ناجي

اترك تعليق