رواية فرسان الأحلام القتيلة.
النقد

الخسارات التي لا تنتهي في ‘فرسان الأحلام القتيلة’ لإبراهيم الكوني

موسى إبراهيم أبو رياش

إبراهيم الكوني قامة روائية عربية عالية، صاحب منتج سردي متميز. وهو سفير ليبيا الإبداعي إلى كل دول العالم. وإن كان القذافي يمثل الوجه القبيح لليبيا، فإنَّ الكوني هو الوجه المتألق المشرق، الذي يعتبر بحق رائد أدب الصحراء العربية، فأحياها من بعد موات ونسيان وإهمال.

الأعمال الإبداعية التي ناهزت السبعين كتاباً عبقت ببصمة خاصة تفرد بها الكوني عمن سواه. فقد نجح في تصوير الصحراء بجميع مكوناتها وخصائصها وتضاريسها وعاداتها وطقوسها وأساطيرها ومداها الواسع الرحب، حتى ليخال للقارئ أنه يتنفس غبار الصحراء، ويكتوي بلهيب شمسها، ويكاد يأخذه السيل، أو تنهشه أنياب الأفاعي، أو تخطفه الجن.

هذا التفرد الإبداعي الذي لازم الكوني في أعماله السابقه خذله في روايته الأخيرة ‘فرسان الأحلام القتيلة’، فقد ولج الكوني ميداناً لم يجربه يوماً، ولم يكن من فرسانه، وكتب عن موضوع لم يسبق له أن كان من رجاله، فالكتابة عن الحرب لا يجدي فيها الخيال والتخيل، فإن لم يكن الكاتب محارباً أو خالط المحاربين فلن ينجح في كتابة نص عن الحرب وويلاتها، وهو القائل :’لا قيمة لإنسان لم يحارب! ولن يفهم الأشياء من لم يحارب!’.

عندما كان الكوني يكتب عن الصحراء، كان يعود إليها، ويعيش فيها، ويسمع من أهلها وهو منهم أصلاً، فكانت الرواية تخرج من بين يديه رائعة متميزة مغموسة بالغبار واللظى والتيه والطلسم، لكأن كاتبها لم يخرج يوماً من الصحراء، وهو الذي يعيش في أوروبا منذ عقود. أما الثورة الليبية فلم يكن له كفل فيها كثائر مقاتل، ومن هنا جاءت روايته باهتة لا روح فيها، لكأنه يجرجر رجليه جراً في حقل لا ناقة له فيه ولا جمل، لسبب رئيس هو محاولته تبرئة نفسه مما طارده من اتهامات أنه من رجال القذافي وطفله المدلل. ولسبب آخر هو رغبته في أن يلتحق بالثورة وإن على الورق، ولكن هيهات هيهات، فالكتابة تحت ضغط المناسبة كمرافعة دفاع لن تفلح في إنتاج نص إبداعي متألق.

تتناول الرواية الصراع العنيف في مدينة مصراتة؛ المدينة الأطول حصاراً، والأعنف قتالاً، والأشد تدميراً. وذلك من خلال يوميات أحد الثوار (غافر) منذ دخوله مدينة مصراتة، حتى سقوطها بإيدي الثوار، عن طريق نفق تم حفره بإيديهم في جدران البنايات وليس تحت الأرض؛ من أجل السيطرة على بناية الضمان الأعلى في مصراتة. حيث تركزت بؤرة الأحداث في بناية قريبة من بناية الضمان سيطر عليها مرتزقة القذافي، فأوقفت مؤقتاً عملية حفر النفق. وفي أثناء الاختباء شاهد وسمع سلوكيات هؤلاء المرتزقة وإجرامهم واغتصابهم للنساء وعهرهم، في تصوير لنوعية رجال القذافي الذي حكم ليبيا طوال أربعة عقود.

عرَّجت الرواية في ثناياها على سطحية النظام السابق من خلال الكتب المدرسية التي ألفها رجال الجيش، حيث احتوت كتب التاريخ مثلاً موضوعاً عن ثورة زيمبابوي وأهملت استقلال ليبيا. كما أشارت إلى وصف القذافي للثوار بأنهم جرذان فكتب الكوني: ‘بالأمس كنت فأر كتب، واليوم أنا فأر جدران’، فقد كان (غافر) قارئاً نهماً للكتب بسبب عزلته وضياعه، واليوم تحول إلى ثائر يحفر في الجدران للوصول إلى مبتغاه والقضاء على قناصة النظام الذين يتمركزون في أعلى بناية الضمان. وتحدثت عن شرارة الثورة التي اشعلها بوعزيزي ليبيا الملقب بزيو في مدينة بنغازي، ووطنية العقيد سالم جحا الذي التحق بالثورة منذ بدايتها، وتضحيات رفاقه (نفيس) الذي افتداه بروحه، و(سليم) الذي كان رفيقه ومعينه في أثناء الحفر.

تحذر الرواية من شهوة العروش ومريدي الغنيمة التي تهدد الثورة وأحلام الليبيين بالانعتاق من عهود الظلم والظلام، مطالبة الثوار أن يتعظوا بمصير القذافي ونهايته البائسة، مؤكدة أن العروش هي ‘المعشوقة الوحيدة التي لا تترك عشاقها إلا أمواتاً، كأن مصرع مريدها الأخير الذي كانوا له شهود عيان بالأمس القريب لم يكن في يقينهم درساً كفيلاً ببعث الحياة في أرواحهم الظامئة’. ولا يخفي الكوني تخوفه من سيطرة الإسلاميين على الحكم، باعتبارهم خلفاء الله على الأرض بزعمهم.

‘فرسان الأحلام القتيلة’ (كتاب دبي الثقافية 63، يونيو 2012) عنوان يضمر تشاؤم الكوني من التغيير، والخشية أن يعيد التاريخ دورته دون جديد، فالنزاع على السلطة بدأ مبكراً في ليبيا، وهذا ربما يقتل كل أمل مرجو. والثائر المغوار صدم بأخيه (ميسور) يقاتل في صفوف المرتزقة وهو الذي كان يحسبه شهيداً. و(سدرة) فجعت بحبييها الأول (صابر) الذي ما أن وجدته حتى فقدته، فلم تهنأ به زوجاً، ولم تستمر عودتهما إلا أياماً استكانت له بعد أن اغتصبها، وقتله (غافر) غيرة على شرفها الذي انتهكه (صابر) انتقاماً منها لزواجها من غيره.

وربما في هذه الحكاية يظهر تخوف الكوني على مصير ليبيا، فزوج (سدرة) الأول يمثله القذافي ونظامه، و(صابر) يمثله الثوار الليبيون الذين أسلموها للضياع والتقسيم بسبب الصراع على السلطة، والاستعانة بالأجنبي على التخلص من القذافي. وهو تخوف مشروع، ولكن الأمل بالشعب الليبي أن ينجز ثورته ويطهرها من العبث الذي يعتورها، ويخلصها من الشوائب بحكمة وقوة وحزم.

الرواية بالإضافة إلى خلخلتها الواضحة، ومستواها الفني المتواضع عن ما سبقها من روايات، جاءت مليئة بالتنظير والحشو والوعظ والمعلومات المنفصلة عن السياق الروائي، فلم ينجح الكوني في دمجها في الرواية بحيث تبدو كأنها جزء لا يتجزأ منها، ومن ذلك حديثه الطويل عن أصل اسم مدينة مصراتة وارتباطه بسرت ومصر، وأصل أبناء السبخة، وحديثه عن بناية الضمان وتاريخها، ولو اختصر لأدى الغرض دون إملال. بالإضافة إلى فصول عديدة لم تنسجم مع النص، ولو حذفت لما تغير شيء.

استخدم الكوني تقنية الاسترجاع والتنقل بين الماضي والحاضر، وخاصة في أثناء اختباء (غافر) في البناية انتظاراً للفرج، وأخفى بين السطور أكثر مما أظهر، وكل ذلك بلغته الخاصة المعتقة ذات الماركة المسجلة باسمه.

وبعد، فإنَّ رواية ‘فرسان الأحلام القتيلة’ كبوة في مسيرة الكوني الإبداعية، ولولا أسلوبه المعروف فيها لأنكر القارئ صلتها به، وإن طرزها باسمه، وأظنه يدرك هذه الحقيقة المرة التي لا مراء فيها.

mosa2x@yahoo.com

رابط الموضوع

مقالات ذات علاقة

المغامرة السردية ولذة الاكتشاف عند زياد علي

المشرف العام

حدود الشعر.. حدود القصة

رامز النويصري

محاولة الغرفة.. محاولة للقراءة.. محاولة للمس

رامز النويصري

اترك تعليق