قراءات

الحُلم في “زَهرةِ الرِّيح”

“زهرة الريح” هو الديوان الأول للشاعرة حنان محفوظ والذي صدر مؤخراً عن وزارة الثقافة والمجتمع المدني، متضمناً ثمانية وأربعين نصاً تميزت برقة التعبير والصورة الشعرية المكثفة والموسيقى الشجية المنبعثة من أركانها في تماوج بين العزف على نسائم الفرح وهواجس النفس القلقة. كتبت ونشرت الشاعرة هذه النصوص الشعرية الرقيقة على مدى خمسة عشرة سنة من العطاء الإبداعي، حيث ظهر أقدمها بهذا الديوان بعنوان (قطرة من هوى) مؤرخاً في 27/12/1994 بينما أحدثها كان (مكحلة) بتاريخ 3/6/2009.

غلاف مجموعة_زهرة الريح
غلاف المجموعة

 

ومن خلال استعراض عناوين قصائد الديوان نلاحظ أن تركيبتها البنيوية تعددت وتنوعت بين الاسم والفعل والسؤال والجملة وشبه الجملة، وقد غلبت عليها الكلمة المفردة الواحدة، وظهرت متسلسلة كالتالي: (قطعة سكر)، (طيور الرماد)، (زهرة الريح)، (إحتفاء)، (رحلة الحلم)، (طفلة الشمس)، (إكتناز)، (إلى قلبي المتعب)، (ترتاد البحار بدون رجعة)، (كلمة)، (مستقيمة كل الخطوط)، (قطرة من هوى)، (وحيدة)، (سلام الفصول)، (ليال)، (محاولة)، (زهرتان)، (مطر.. ليل..شوق)، (وهج)، (يا صديقي)، (كنتُ مع الحلم)، (القمر أعطاني بنفسجة)، (وسادتي)، (لك)، (تساؤل؟)، (لمَ الحزن؟)، (زينب)، (حاء على الرمل)، (أنين)، (رسائل الضوء إلى قلبي)، (أحلامٌ قاتمة)، (شيء آخر هو الحلم)، (قصاصات حلم)، (تعريفات)، (الطوفان)، (وجع)، (لسع النحلة)، (قمر يضحك)، (بقايا الطريق)، (جرحت لحظي)، (خاب رجاؤك)، (الشمس تشرق داخلي)، (غواية)، (غيمة)، (دورة القمر)، (خوف)، (مكحلة)، (عاصفة).

أما مواضيعها فقد شملت تسجيل المشاعر نحو الأحبة والأصدقاء ومناجاة صور الطبيعة والأمكنة وتوثيق بعض اللحظات والمناسبات المميزة، وهواجس وأسئلة المونولوج الداخلي. كما لامست أيضاً الشأن الشخصي فغاصت في الوجدان الذاتي وظلت محتفظة بمفاتيح تلك الجوانب الشخصية، ماعدا نص واحد باح بكل ما فيه من حزن وآسى على فراق زميلتها الصيدلانية المرحومة زينب الساعدي التي نالت بشكل استثنائي إهداءً خاصاً قصيراً وقعته الشاعرة على رأس قصيدتها التي حمل عنوانها (زينب) اسم الصديقة نفسها قالت فيه (زينب صديقتي التي تركت حرقة في قلبي برحيلها يوم 29/12/2002)، وخلاف ذلك فلم تحمل قصائد الديوان أية إهداءات خاصة أو عتبات أو نصوص موازية إثر الإهداء الرئيس والوحيد الذي تصدر الديوان على صفحته الخامسة وتقول فيه (إلى زهرة بن شعبان أمي، إلى محفوظ حسن أبي، والداي اللذان علّماني الحرف ومعنى الشعر، وكانا دفاعاً وسنداً).

وحول سبب اقتباسها عنوان الديوان من إحدى نصوصها الجميلة المنشورة به وهو “زهرة الريح” تبرر الشاعرة حنان محفوظ ذلك بقولها (هو النص الذي عُرفتُ به في الوسط الثقافي…وأكيد لأن له وقع خاص لدي) وهي وإن لم تفصح كثيراً وأبعد من ذلك عن الوقع الخاص، فإنها تضيف قائلة (كنتُ حائرة أسميه “اكتناز” أم “زهرة الريح”، ولكن لأن نص “زهرة الريح” هو الأقدم.. فأطلقتُ عليه “زهرة الريح”).

وتعد قصيدة “زهرة الريح” من النصوص المتوسطة في الديوان نسجت في ستة عشرة سطراً مقارنة بأطول النصوص “تعريفات” الذي جاء في ثمانية وعشرين سطراً، وأقصرها “احتفاء” في ثلاثة سطور. وقد استهلت الشاعرة نصها “زهرة الريح” بتعبير مبهج يوشي بغبطة ومسرة الحياة في ظل حرية اتخذت لها الطيور والعصافير نموذجاً وهي تسبح وتمرح في فضاء الحب:

(طيور القلب تحررت

تشكلت عصفورة قلبي)

وبعد رفرفة الأجنحة ولغة الشوق وألوان الدهشة والعين الساهرة وسفر الليل تختتم الشاعرة قصيدتها “زهرة الريح” بتفجير مفاجئ يباغث القارئ:

(تنمو داخلي زهرة الريح

كبالون ألوان

وعند أول زخات فرحك

تنفجر ..)

الحلم في “زهرة الريح”

لا شك أن الحلم والخيال واللغة هي العناصر الأساسية لبناء الصورة البلاغية في الأجناس الأدبية كافة. والشاعرة حنان محفوظ لا تختلف عن غيرها من المبدعين والمبدعات في هذا الجانب، إلا أن الحلم له حضور مميز في ديوانها، ويبدو أنه يشكل محركاً أساسياً في حياتها اليومية ومستقبلها، وملهماً واضحاً لإبداع نصوصها الرقيقة، التي ترتكز على لغة مكثفة وسليمة نحوياً، وتغيب عنها المفردات الشاذة الغريبة، والأسطورة والشخصيات والمواقف التاريخية، والعبارات الكلاسيكية، والاقتباسات المختلفة، حيث نجدها تنحاز كلياً إلى لغة تتأسس على تركيبات وجمل قصيرة معاصرة بسيطة في بنيويتها، تعزف موسيقاها الآسرة بكل تلقائية حتى أن صدى تلك الأنغام الشجية الظاهرة والخفية تسبق حروف وجمل القصائد وهي تتهادى بأريحية جذابة، لتفرش بساط الاستقبال للقاريء الذي يظل مستسلما لها.

ظهرت كلمة “الحلم” بشكل مفرد بارز في أربعة عناوين من قصائد الديوان وبصورة الجمع في عنوان قصيدة واحدة فقط. وعند إعادة ترتيب هذه القصائد الخمسة وفقاً لتواريخها المنشورة نجدها كالتالي:

1 – (رحلةُ حلم)

2 – (شيءٌ آخر هو الحلم)

3 – (قصاصاتُ حلم)

4 – (أحلامٌ قاتمة)

5 – (كنتُ مع الحلم)

وبمتابعة الحلم في هذه القصائد الخمسة نجده لا يكرر نفسه بصورة تقليدية، بل يتطور وفق الصورة التعبيرية التي تنسجها الشاعرة لكل نص. ففي النص الأول “رحلة حلم” تتقمص الشاعرة شخصية راوية قصة رحلة الحلم التي أركانها الليل، والسهر، والقمر، والصمت، والحب، والضياء. ثم ينقلب المناخ السائد في هذا النص:

(وفجأة

انقشع الحلم

ورحل الليل

وظل القمر معلقاً

نرفع هاماتنا للنظر إليه

لننعم بنوره)

أما في النص الثاني “شيء آخر هو الحلم” الذي تستهله الشاعرة بنفس كلمات العنوان، تقدم فيه سرداً تعريفياً مباشراً ووصفاً لآلية وسلوكيات الحلم ومآله الذي ينتهي إليه فتقول:

(شيء آخر هو الحلم

لا نملكه

يمتلكنا

يفي بوعوده

ثم يخلف

يتقمصنا

كشعوذة الكلمات

ثم يندثر

نبحث عنه

فنجده حلماً)

أما في النص الثالث “قصاصات حلم” فنجد أنفسنا أمام نص مكثف ينسج الحلم كاختصار للعلاقة مع الحبيب وسطوة الأحزان لتملك الحلم ذاته، إضافة إلى أنه يبوح بتفاعلات تداخل أحلام المحبين.

(تحرضني

أحزاني

على امتلاك الحلم

وعندما أعقد العزم

تصادره أنت).

وأيضاً يصف النص حالة المحبين والعشاق وما يشتركان فيه من مشاعر وأحاسيس وأحلام:

(كلانا مسافر

وأنت نصف الزمن المعتم

ألوان أحلامك بدمي

وتتلاشى أحلامي بين عينيك).

أما النص الرابع “أحلام قاتمة” فقد جاء غامضاً. تقمص الحلم فيه سوداوية وهواجس تفاعلات الشاعرة التي عملت على عدم كشف خبايا خيوط الحلم، ونسجت صراعاً بين بعض المتضادات مثل (الموت والحب) و(اليمين واليسار) و(تزهر وعشباً يبساً) فكانت المحرك الذي سجل نتيجته في خاتمة النص:

(فأنبتُ عوسجاً في حلق الحقيقة

بينما تزهر الحقيقة داخلي

عشباً يبساً..)

أما النص الخامس “كنتُ مع الحلم” والذي احتل التسلسل الأخير نظراً لأنه لا يحمل تاريخا لنشره، فهو يختلف عن النصوص الأربعة السابقة من حيث نفسه الشعري الذي يعد الأطول بينها، وكذلك أجواءه المفعمة بالفرح والابتهاج كونه يصور لقاء رومانسياً مع الحلم، وهذا بلا شك يمثل قمة الإمتاع حين يجتمع أو يلتقي الواقع المجسد في الذات الشاعرة مع الحلم المعبر عنه في الخيال، وما يمنحه هذا الفضاء من حضور لصور الخيال المتعددة وجمالية التعبير عن الموقف. إضافة إلى أن إيقاع الموسيقى الرقيقة للنص قد ساهم في نقل الصورة العامة بكل بتشويق وجاذبية منذ استهلاله:

(كنتُ مع الحلم

أنهل من فيض عينيه

يسقيني حتى التعب

أشدو ملامحه

أغني الفرح

أترنم بزفرات منه

هي من دمي

أدور حولي .. أدور حوله)

ويستمر التصوير في تعبير رقراق وانسيابية جميلة:

(ينضمني

يضمني إليه

في لحظة هائمة)

وللتعرف عما تفعله هذه اللحظة الهائمة أثناء التقاء الحلم تنقل لنا الشاعرة تجربتها وتخبرنا:

(أحترقُ بمطر السنينْ

أنصهر بلهب الحنينْ

يسكنني الشفقُ

والشمسُ تشرقُ

في كل حينْ)

وتواصل تصريحها:

(أنحني للورود الحمراء

انحناءة عابد

وكفِّي تغزل أشواكها

وقلبي ما يزال مع الحلم)

لا شك أن “زهرة الريح” باكورة إنتاج الشاعرة حنان محفوظ زاخر بالعديد من النصوص الرقيقة الأخرى التي تتأسس على الحلم في تصويرها وبناء متونها الداخلية، ولا يقتصر ظهوره في عناوينها فحسب، وهو ما يجعله جديراً بالقراءة النقدية المنهجية المتقدمة التي تغوص في قصائده لدراستها وفق الأسس النقدية المواكبة لتطور الشعر الحديث وعوالمه المبهرة. وفي كل الأحوال فإن “زهرة الريح” يظل يشكل إضافة لإثراء المشهد الشعري النسوي خاصة والمشهد الشعري الليبي عامة.

مقالات ذات علاقة

سيرة المدن

ناصر سالم المقرحي

(الهجرة على مدار الحمل)… ها قد حان وقتها

يونس شعبان الفنادي

يكفي الشعر أنهُ شعر

ناصر سالم المقرحي

اترك تعليق