حوارات

الحياة الثقافية تحاور الشاعر مفتاح العلواني.. الذي أتى للشعر من أقصى الروح

الحياة الليبية – حاورته حنان كابو

لم أكن أعلم أنني بكيت على شكل حروف!
الشعر يشعرني بإنسانيتي دائماً.. وأهرب إليه حين يضيق على قلبي كل شيء..

الأرواح الشعرية الجديدة تهيم بخفة جميلة ، كنت على وشك كتابة الدماء الجديدة فقفزت الحرب بلعناتها أمامي، فغيرت مسار الكلمة تماما . 
نعم وضيفنا في الحياة الثقافية لهذا العدد الشاعر مفتاح العلواني.. شاعر قادم بثبات.. كما كتب عنه الأديب أحمد يوسف عقيلة “له مُخيّلة جامحة.. لم يُصدر ديوانه الأول.. فهو ليس في عجلة من أمره.. لعل عمله وكيلاً للنيابة يمنحه ميزة التريّث.. وتحرّي الدقة في صياغة الجُمَل.. أتنبأ له بأن يكتب الرواية أيضاً.. فهو يجيد سرد التفاصيل الدالّة.. يتلقى الملاحظات بشغف.. يُجيد الإنصات.. ليس نسخةً من أحد.. كم أفرح لميلاد المبدعين.”
دائماً تكرّر الأبوابُ رجاءها.. 
ألّا نخرُجَ لهذا العالَم .. 
لكنّنا نفعل.. 
لأجلِ ذلك هي تَبكينا.. 
على شكلِ صرير.

يرى الشاعر مفتاح العلواني أن الكتابة مخرج طواريء صوب مآزق أخرى …. تمنحنا فرصة الهروب بلا انقطاع صوب كل الأشياء ،كما تفتح ممرات سلاية لنا نتمشى فيها بعيدا عن القبح الي مافتيء ينخر قلوبنا …
أتي العلواني للشعر من أقصى الروح هكذا أستهل إجابته في سؤالي عن الشعر ويستطرد :ثم خلسةً ومن نافذة الشعر ولجت لكل شيء.. هذه الأشياء صارت تخشانا ربما.. نفزعها أحياناً بقصائد حادة تخرج من القلب.. الدهشة مثلاً.. استحالت شيئاً نادراً.. ما عدنا نندهش بسهولة.. من أجل ذلك نحكم عليها بالكتابة كلما صادفتنا.

وعن حسابه الخاص الذي استقطب كل متذوقي الشعر وكاتبيه يقول العلواني في هذا الصدد:
الحقيقة أن هذا الحساب هو متنفسي الخاص.. بعيداً عن ضجيج الحياة وامتلائها بالأعمال.. لذلك أنا أحافظ عليه من أن يتدنس بأي شيء.. حتى من الكلمة الجارحة.. أحاول جعله براحاً أدبياً فنياً جمالياً.. أو صالوناً ثقافياً يجمع محبي الجمال من كل مكان داهسين على لعنة المسافات والجنسيات واللهجات المختلفة.. ولأنه صار كذلك فقد ازدان بالقصائد والقصص والصور والمعروفات والفيديوهات الفنية فقط. 
ولكون الشعر عادة دعوة للحب في أساسه.. دعوة لتذوق الكلمة ومعرفة قيمتها حين تكون سبباً في تغيير أي شيء.. فالشعر لا يجتمع حوله في الغالب سوى الذين تدفعهم أرواحهم الباحثة عن السلام إلى طلب الحب والمودة والجمال. 

أسمي مفتاح.. 
لستُ صالحاً لأي 
باب.. 
ومحاطٌ بخمسةٍ 
وثلاثين سنةً من السير 
بين أزقة الأيام.. 
وعندما أتعب.. أجلسُ فوق 
رصيف العمر..
بينما أتسرّبُ مني كـ إطار
مثقوب !!
لدي أصدقاء لا أحبهم..
وآخرون أخفيهم عن أعين 
الغياب الحادة.. 
وحبيبةٌ أحبها ألف عام
في كل يوم..
وشوارع في رأسي 
مزدحمة بأناس زائدين 
عن الحاجة.. 
لا وزن لي.. لكنني أسقط 
بقوة..
لي ظل حزين جداً..
مرةً نزلتُ لألتقطَ 
أنفاسي 
فتشبّث بي وبكى..
هناك سوء فهم بيني وبين 
الحياة.. 
لم أفعل لها شيئاً 
لكن موت أبي لمس رِجلي من الخلف
بينما كنتُ أركض 
نحوها.. 
منـذُها وأنا أتـدحـرجُ وأمـدّ
يدي لها ولا تلتقطني !!
اسمي مفتاح..
للآن وكل الذين وصلوا إليّ على 
شكل موج تراجعوا .. 
وأنا أقفُ كـ شاطئ حزين لم أجرؤ مرةً
على التشبث بأحدهم !! 
و لأنّه لا أحد ينتظرني في كل
مرةٍ أعود فيها ناجياً من 
الحياة.. 
أعلّق عناقي المبلّل عند 
مدخل العمر..
و أنزعُ الطرق العالقةِ
في رِجلي و أبكي !!

وحول سؤالي عن الحزن الذي حمله هذا النص كجنازة مهيبة يجيب
كما قال أحدهم أن الكتابة لحظة وعي تام.. فإن الحزن أيضاً يشمله هذا الوعي.. عندما تكون حزيناً حقاً فإن القصيدة ستخرج منسابة من روحك لا زيف فيها ولا خداع.. لذلك يشعر الناس بها وبصدقها.
والصدق أنني عادة ما أبدو حزيناً في قصائدي.. أشعر دائماً أن الفرح غائب أو ناقص.. خاصة في ظل تدهور حال البلاد في سنواتها الأخيرة.. لكن بعض القصائد يكون الحزن فيها واضحاً مثل دمعة ساخنة.. مثل هذا النص الأخير (اسمي مفتاح).. والذي عندما أكملته لم أكن أعلم أنني بكيت على شكل حروف. 
فالحزن لا يفارقني.. إنه صديق قديم منذ أن مات أبي في صغري.. لكنه يكبر أحياناً حتى أعجز عن مقارعته حتى بحرف.. فأبتسم نكايةً فيه.. أبتسم لأن لي أحبة يستحقون أن أبتسم في وجوههم أيضاً.. لأنهم فرح عارم يقتحم حزني على الدوام. 

الحب …هل يجعلنا تعساء بشكل أفضل ؟؟
نعم الحب يخفف من كل شيء حتى من التعاسة.. إنه يشبه كونه عصا نهش بها هوام الحزن والبؤس.. صحيح أن التعاسة أحياناً تتغول على أرواحنا حتى فكاك منها.. لكن الحب يظل مهرباً بشكل ما.. يظل متنفساً حين نجتمع بالأحبة ونحضن قلوبهم وسط كل هذا اليأس. 

وعند سؤالي حول الشعر كآداة للمقاومة وإحياء الجمال يقول العلواني :
الشعر منذ القدم وهو يقاوم الحرب.. يصارعها عبر نثر الجمال بقصائد ونصوص مليئة بما يهون على الأنفس المحاصرة ببؤس الحروب.. ونحن نعرف تماماً أن أدب الحروب من أنبل الآداب وأجملها عبر الرواية والقصة وغيرها من فنون الأدب والتي يعتبر الشعر رائداً فيها بامتياز.. كونه يستحيل نوعاً من القتال ضد الحرب بالجمال بالبهاء بالكلمة العميقة الناضحة بالأمل. 

ماذا فعل بك الشعر ؟؟
فعل بي الكثير حقيقةً.. لكن كل ما فعله كان جميلاً.. الشعر مسوّدة الشاعر ومفكرته.. إنه عندي مثل نوع من التطوير لروحي.. يشعرني بإنسانيتي دائماً.. وأهرب إليه حين يضيق على قلبي كل شيء..
الشعر قطرة من الندى تسيلُ على صفحةِ فؤادِك .. تأخذ بيدك كلّما استبد بك الوقت.. يد تهدهدك حتى تأخذَ عيونكَ سِنةٌ لطيفةٌ تصحو بعدها بروحٍ خفيفةٍ ولو قليلاً.. باختصار الشعر غيرني كثيراً وشارك في بناء وجداني بشكل واضح.

هل يخاف الشاعر من الغياب ؟
لا أعرف من سيفتقدني أو أنني مهم عنده بدرجة يفتقدني بها.. لكن ما أنا متأكد منه أنه لن يشعر بغيابي أحد مثل أمي. 

متى سنرى باكورة اعمالك يتصدر المشهد الثقافي ؟؟
هي جاهز منذ فترة الحقيقة.. تأخرت قليلاً.. لكنها الأن في مرحلة المراجعة الأخيرة.. ثم سأباشر في طبعا ونشرها.. وهي مزيج ما بين الومضة والنص المتوسط والطويل. 

كرمت من مؤسسة متون الثقافية ،ماذا يعني لك هذا التكريم ؟؟
بالتأكيد هو تكريم وتشريف أعتز به وأتشرف كثيراً.. المؤسسة التي ضمت نخبة من الأدباء والفنانين الذين يعدون واجهة مشرفةً ليس لي فقط بل للبلاد أجمعها.. فأنا من منبركم الكريم هذا أشكرهم من كل قلبي مجدداً. 

تجيد الشعر ،كالقصة القصيرة ، على ماذا تستند في كتاباتك ؟؟
لا شيء معين أستند عليه.. لكن الذاكرة التي تهتم بالتفاصيل مهمة .. التفاصيل في كل شيء هي من تمنح الكتابة متعة خاصة حين تكتب بشكل أدبي حقاً.. كذلك اللغة واختيار اللفظ المناسب لكل حدث.. أو تصويرٍ ما.. حيث بعض الصور الجميلة قد تفسد بكلمات لا تليق بها.
فالكتابة بصفة عامة تستند على كل ما يخرجها في النهاية بأبهى حلة.. سواء كانت شعراً أو قصة أوغيرها من الكتابات.

مقالات ذات علاقة

البخاري: حراس الفضيلة هم الأكثر لهفة لمطالعة «كاشان»

نهلة العربي

عادل الفورتية: “الْفُنُونُ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَفْتَحَ لَنَا مَجَالاَتٍ أُخْرَى وَقَادِرَةٌ عَلَى تَغْييرِ أَفْكَارِنَا وَمَنْحِنَا فُرْصَةِ لِتَقَبُّلِ الآخَر الْمُخْتَلِفِ عَنَّا”

المشرف العام

القاص والروائي الليبي سالم الهنداوي: الرواية هي ديوان العرب

المشرف العام

اترك تعليق