سرد

الحلاج.. كلمة في الذات

The Post War Dream 2019 Adnan Meatek Ink on paper Detailes

كان الرجل لا يلوي على شيء وهو يذرع شوارع (بغداد) وكانت أعين الناس مسلطة على هندامه الرث المنسوج من الصوف كما دأب أقرانه من المتصوفين الذين تخلوا على المظهر الدنيوي المزركش وكانت سمة لبس الصوف دلالة لمعظم الناس الذين تخلوا على حياة الترف والزينة وعلى أي مظهر يعلقهم بالحياة لقد اكتشف زيف وجوده بأنه يمر في وجود زائف سرعان ما يتلاشى مثل فقاعة الهواء لقد أحاط به التيه العظيم الذى أفقده الحس الوجودي بأنه كائن مثل الكائنات التي من حوله فكان لبس ثوب الزهد من الحياة وكان حينها دلالة للزاهدين من الحياة الدنيوية التي افقدتهم حسهم الوجودي وكان ذلك هو لبس معظم الفقهاء الذين قد تخلوا عن مظاهر الحياة المترفة وركنوا الى خدمة الله في الصوامع والمساجد.. وركنوا الى الملبس الخشن الذي كان مظهر للتخلي عن مباهج الحياة وترفها فقد تخلوا عن الحياة الدنيوية وتعلقهم بالحياة الأبدية وركنوا الى الوجود اللامتناهي في التفكير الديني الذي كان هو السبيل للبحث وكان لبس الصوف المميز للوجود في تفكير الرجل الى الركن الى الله في هذه الحياة والتخلي عن أي مظهر دنيوي بما تحمله من موجودات والى التطلع الى حياة شفافة ما فوق الوجود.. كانت تضغط عليهم لبحث عن الخلاص.. والتطلع ما فوق الوجود فقد شعروا بالوجود من حولهم لا يشبع تطلعهم وغاياتهم للوجود السرمدي وذلك الوجود الشفاف الذي يجلى عنهم عتمة الوجود المحاط بهم.. كان لبس الصوف الخشن هو نزوع الى التذكير فيما وراء الرداء منعم الى رداء يوقظ فيهم التطلع لحياة بعيدة عن الوجود من حولهم من جسد يتطلع الى حقيقة الذات الغائبة عنه وهو الله..

من هو الله؟ كان يريد إخراج الله الى الوجود كما خرجت ناقة (صالح) من جبل اصم الهيكل.. فكان يصيح وسط الناس أنه ليس ما في الجبة غير الله.. لقد كانت المعجزة التي تلقاها الرجل أنه كائن فوق الوجود يعيش في وجود مفارق.. وان تلك القوة التي تخترق جسده هي فوق الأنسان أنه يشعر بها ليل نهار لكن لا يستطيع ملامستها أنها فوق وجوده المحسوس من حوله وليس من خلقه. أنها قوة فوق الوجود المحسوس.. أنها تتحرك فوق أي محسوس أرضى.. لقد أحس بتلك الملكة الخارقة فيما وراء جسده لا يستطيع كائن أتيناها أنها قوة خارقة فوق الوجود ولذا دعا الرجل بألوهيتها وأحس بأنها لا تفترق عن صانع ما فوق الوجود.. كانت كلماته حول الله لم يدركها فقهاء وشيوخ (بغداد) عن نعته بالكافر وكان كل ما ينطق عن هواءه فهو خارج عن الملة وجب عليه الصمت وسط الجماعة.. لقد كانت كلمة الناس من حوله هي سيف الجلاد على رقاب الآخرين.. وليس كلمة في الذات.. وقرروا صلبه وسط الجمهور وحرق اطرافه لآنه خرج عن مفهوم الملة التي لم تعنى شيئا.. كان هؤلاء القوم لا يختلفون عن رجال الدين اليهود في (القدس) بما فعلوه مع (عيسى) بدعوته أنه أبن الله ووضعوه على الصليب.. لم تعد من حوله من حياة تشبع طموحه المعرفي.. يشعرانه يحيط به طلسم عظيم لا يستطيع فكاك خيوطه.. أنه يعيش في كل أطراف الحياة من حوله ولكن لا تعنى له شيء ولا يلوى على أي مقر مستقر كالتائه في صحراء وشعر بأنه يعيش في دنيا مجهولة المعالم والمصدر.. لقد شعر أنه فوق الوجود من حوله وانه لم يخلق عبثا وان كان لديه قصور في المعرفة فيما بعد.. وبدأ الرجل يلعن الجسد الذي يحيط به ولا يخبره شيئا عن وجوده الحقيقي.. أنه جسد يغلف ما يرنوا اليه.. فبدأ يغلفه بالصوف الخشن.. شعر بأن ذلك الجسد مخلوق وأنه غريب عنه وخيل له أنه أخرج من حجر صلب مثل خروج ناقة (صالح) من ذلك الجبل الأصم.. لقد لبس الصوف تقشفا من هذه الحياة الزائلة التي لا ترنو على شيء.. وأنه يعيش في وجود لا يلقنه حقيقة وجوده.. ظل (الحلاج) يلازمه التيه العظيم في كل الأوقات. أن دوامة الوجود لا تفارقه.. وظلت عبارة (من أنا؟) تقض مضجعه.. فقد أحس بأن لديه أدراك لا يخبره شيئا عن وجوده..  أنه يظل حبيس الجهل بما حوله.. أنه يعلم ولا يعلم وجوده لقد أحس بأن التناقض لما حوله هو فيما وراء مأساة وجوده.. حياة وموت.. أن أدراك الديالكتيك الذي من حوله هو الجحيم لأنه يخبره بوجوده.. وهو اليقظة العظمى لوجوده.. فهو لو ظل في الجنة لفقد ادراكه الحسي بما حوله.. بأن تفاحة (ادم) لم تكون الجحيم بل كانت اليقظة والوعي لوجوده …

مقالات ذات علاقة

خارج الثكنة

مفتاح العماري

عشري بن حشري آه يا كسري

خالد درويش

رواية الفندق الجديد – الفصل الثالث عشر

حسن أبوقباعة

اترك تعليق