المقالة

الحكاية الشعبية.. صوت ثقافة وصدى أصالة

منى بن هيبة

 

من أقدم الموضوعات التي ابتدعها الخيال الشعبي لمضغ لحم الوقت في جنوبنا الحبيب كغيره من المناطق والبلدان،تتجلى فيها حكمة الجد العجوز ونتائج ممارسته للحياة الصعبة والقاسية التي عاشها الأجداد في هذه المنطقة، و هي خلاصة تجارب الأجيال مصاغة في قالب قصصي مشوق زاخر بالعبر والقيم النبيلة فطبيعة أبناء الريف المسافرة التي جعلت الجد يرتحل ويتنقل بين الغابات عرفته بل قاربت بينه وبين إخوته في شتى قرانا الطيبة كما جعلته محبا للناس ولمجالستهم وتبادل أطراف الحديث معهم في العشيات كما أنه بعد الافراغ من من حزم أعواد الحطب بالتاولو تجد جدنا الطيب يجيء إلى جاره في المزرعة ليبدأ أحدهم بسرد تفاصيل حكاية سمعها من أحد جيرانه ليقوم بنقلها حسب ما تعيه الذاكرة،ومانت القهقهات تملأ مجالسهم وتجمعاتهم كما يخالطهم نوع من التفاعل والانفعال بجانب الجدة التي تصب رغوة الشاي المنعنع في الكوب الصغير،ولقد لعبت الحكاية الشعبية دورا كبيؤا في تأكيد الروابط الاجتماعية بين أبناء الحي الشعبي الواحد وحققت المشاركة الفكرية والوجدانية بين الراوي والسامع فلقد كان الراوي للحكاية الشعبية هو مجرد صدى لصوت سكان القرية نفسها يقدم من خلال مايحفظه من حكايات وما علق بذهنه من روايات تروي تقاليد المجتمع وتنقل معالم الحياة الفاضلة بطرق غير مباشرة من أذن السامع إلى فكره وفي ذلك الوقت كان البيت هو المدرسة الوحيدة التي يتخرج منها أبناء الريف كانت الحكاية الشعبية هي المنهاج الوحيد للتلقين وتوصيل المعلومة بغية توجيه النشء وتأصيل القيم والمبادئ والمثل العليا والأعراف الاجتماعية أيضا تفتيق الذهن وتوسيع الخيال بجانب المتعة الفنية التي تقدمها للسامعين والجانب الذاتي في الحكاية الشعبية لسكان الجنوب وأبنائه كان حاضرا بقوة حيث شعلت فيه الأنثى أفكار الراوي ولعل استجابة الجد الانسان وجهت عواطفه كما ألهمته صورا نادرة ومعان دقيقة هي أحلى ماتبقى في الذاكرة الشعبية، غير أنها لم تكن مجمل اهتمامه وحكاياته فلقد استولى صراع البطل على هذه الحكايات الشعبية في قرانا البسيطة حيث استثارت خيال السامعين فلقد جعلتهم يتفاعلون وينفعلون مع البطل في صراعه المستميت ضد العدو ويكبرون في نفوسهم تواضعه حينما يعود لأهله منتصرا،ويبحثون مع البطل وهو يقهر الصعاب ويحاول تجاوز العقبات بحثا عن لبن العصفور”مهر الحبيبة” !! وتسيل لعابهم قصة العجوز المسكين قصة العجوز المسكين الذي ذهب لمزرعة “بن اهويدي” الرجل الثري لحلب الناقة لحلب ناقته وجلب اللبن لصغاره الجياع بثمن بخس ليطعمهم بعد أن كانو يربطون معدتهم بحبال الصبر من شدة الجوع، يحلب الناقة ليعود أدراجه وهو يرج قربة الحليب يهون على نفسه  ويمضغ لحم المسافات ليعود إلى كوخه الصغير بالغناء والموسيقى”روب روب يا حليب دير الزبدة كراكيب..”كما كانت تدمع أعينهم لسماع القصة البائسة للعجوز الذي تاه في غابات تاقللت أثناء بحثه عن ثمرة يابسه تسد جوعه،أيضا لقد كان الناس يقفون في صف الرجل الفقير الذي يقاتله أهله لا لشيء إنما فقط لأنه هو من وجد الكنز المفقود الذي كان الجد قد قام بتخبئته للأيام بينما كان يقوم بحفر الأرض بأنفاسه المتعبة، ولا ننسى الغولة وعزوز القايلة وما لعبتاه من أدوار بطولية في تلك الحكايات المخيفة بالإضافة إل احديدانة واخشيبانه واقزيزانه وحكاية بو زيط والقصر وغيرها من الحكايات المشوقة… وللحديث بقية.

______________

نشر بموقع صحيفة فسانيا

مقالات ذات علاقة

لماذا منع هذا الكتاب من النشر

سعيد العريبي

مذكرات امرأة عمياء

المشرف العام

الشاعر الذي تنحني لكلماته الجباه

مفتاح قناو

اترك تعليق