قصة

الحـنـيــن

 

ـ1ـ

راودته الخواطر من جديد…..

منذ عدة أشهر و هو يصارع تلك الخواطر التي تراوده بين الحين و الآخر… تأتي فجأة… تتسلل ببطء الى تفكيره و تزحف رويداً رويدا فتعم الرأس. يسحب انفاسه و يتقوقع على افكاره. تجره بعيداً فتختفي معالم المكان و الزمان. تسحبه الى مكان آخر… تسحبه الى هناك… الى الصحراء البعيدة… الشاسعة… الممتدة هناك…خلف البحر.

تسحبه الافكار الى زمن آخر يختلف عن زمنه الحالي… الى زمن قد مضى… الى زمن الحصاد… الحر… الصيد، الى الزمن الذي قضاه في تلك الفيافي الرحبة.

كلما يراوده الحنين و الشوق و تزحف تلك الغمامة من الافكار على تفكيره يغوص بعيداً و يتوه في معالم اخرى اكثر بُعداً ذات تضاريس مصبوغة بلون الصحراء، يهوم بها… يحوم… يتوه… يقطع المساحات… المسافات… المتاهات… يقطع الأودية… الشِعاب… يتسلق الجبال و المرتفعات و الهِضاب. يمتطي الجٍمال و المهاري… يتتبع أثر الحيوانات على الرمال، و الحشرات و الافاعي. يتصيد الغزلان و الودان… يلتقط الكماء… يشتم اريج الازهار. تتمدد الصحراء بحدودها الاربعة فتتمدد معها جوانحه، تتسارع نبضات قلبه، تعتريه مشاعر غريبة… اليمة… تحرك بداخله شيئاً ما… أثراً ما… يحسه… يحرّكه… يهزه بعنف. عندما تنتهي رحلة الاحلام يعود من جديد الى عالمه ليجده مُظلِماً… كئيباً… و مقيت.

اليوم راودته من جديد…..

جلس في ساحة “بيل كور” قلب مدينة ليون الفرنسية. راقب الفضاء من أمامه. الساحة المستطيلة الحمراء، المحاطة بالمباني من جهاتها الاربعة. في الطرف الجنوبي مجوعة من الاطفال يمرحون، تتعالى اصواتهم و هم يتنقلون ما بين الألعاب… مراجيح… شبكات من الحبال للتسلق، بعضهم يتقادف كرة صغيرة. في الأطراف جلست النسوة على الكراسي الخشبية. إمرأة شابة تساعد طفلها على تسلق الحبال… يسقط… ينهض… يعاود الصعود من جديد… يسقط من جديد و يعاود التسلق في عِناد طفولي.

في الطرف المقابل إلتفَّت الجموع حول عازف للقيتار. إلتَفَّوا حوله في نصف دائرة… أطفال… شباب… نسوة و شيوخ. بعضهم يصفق و بعضهم يضع بعض النقود في قبعة متأكلة و قذرة و ضعها العازف في منتصف الدائرة. أمام الجموع وقف العازف يدندن بلغة ركيكة… غير مفهومة… ليست فرنسية… لا أحد يفهم مايقول. يحيونه… يصفقون… يضعون النقود… و ينصرفون. تبسم في داخله… إستغرب… أعجبته الفكرة. هنا يتسولون بطريقة ظريفة… ذكية. لا أحد يمد لك يده… يتسولون بالموسيقى.

باقي أطراف الساحة إمتلاءت بالبشر. بعضهم يشق الساحة متسارع الخطى. بعضهم يمشي ببطء و بعضهم بصحبة كلابهم.

خلفه و قف تمثال مهيب… كبير… فارس من البرونزعلى صهوة جواده. التمثال الأسود مُثبت على قاعدة بيضاء. في اسفل القاعدة تمددت إمرأة برونزية عيناها تنظران الى الساحة و كأنها تراقب المارة. على القاعدة كُتب لويس… الرابع عشر… السادس عشر… لايدري. لاحظ انه لم يهتم لما هو مكتوب على قاعدة التمثال رغم جلوسه الدائم في هذا المكان. لم يهتم هل هو لويس الرابع عشر او السادس عشر… لم يهتم اي الملوك يكون. كل ذلك لا يهمه… تاريخ فرنسا كله لا يهمه. حياة فرنسا الصاخبة كلها لم تجذب انتباهه.

وصل الى فرنسا منذ عدة سنوات….

وصل كسائح… تجول ما بين المدن… سرقه الزمن. توالت الايام… الشهور و السنين. مضت أكثر من خمس سنوات، تاه ما بين المدن، اشتغل في حِرَف كان يتقزز منها عندما كان في ليبيا… كوى الملابس… نظف الحدائق… حمَّل البضائع و أنزلها. جمع القمامة… و غسل الصحون. غسل دورات المياه… وحتى المراحيض.

عندما كان في ليبيا كانت احلامه كبيرة و ربما مبالغ فيها. لم يعمل شيء ليحقق تلك الاحلام. لم يبذل اي جهد للحصول على مايريد، كان دائم التذمر من كل شيء. تذمر من الدراسة فلم يكمل تعليمه، إنقطع عن الدراسة… هام في الشوارع. كان يسهر في الليل لينام في النهار… قلَب المعادلة. تذمر من كل شيء حوله… لم يعجبه شيء، لم تعجبه فرص العمل التي كانت تأتيه بين الحين و الآخر. كان يتعفف عن كل شيء، او ربما يتقزز من كل شيء. ظلَّ بدون شغل، كان يمضي ثلثي الليل في لعب الورق و يعود في الثلث الباقي الى فراشه لينام مع هبات الصباح الاولى.

قبلها تذمر من حياة الصحراء…

ترك العائلة في الحمادة الحمراء… ترك الصحراء… الأودية و الشعاب… الجبال… الفضاء. ترك قطيع الإبل، ترك كل شيء و ذهب الى حياة جديدة… الى المدينة… التي سرعان ما تذمر منها.

ـ2ـ

قبل نزوله الى المدينة لم يكن قد رأها الا لمرتين او ثلاثة….

أعجبته حياة المدينة منذ أن رأها لأول مرة. نزل مع الوالد لقضاء بعض الحوائج، إنبهر بالشوارع و الدكاكين التي تبيع كل شيء… الطعام… الملابس… و اجهزة الراديو.

قبل دخولهما الى الدكاكين كانا قد باعا بعض رؤوس الإبل في السوق. السَماسِرَة في السوق حاذقون في المضاربة و المساومة. يعطونك أقل الأثمان و هم يعرفون جيداً ان بضاعتك تساوي أكثر من ذلك بكثير. يراوغون… يتصيدون العيوب. الأب يعرفهم جيداً لذلك يتمسك بالثمن الذي يريد. يراوغون… يماطلون… و في النهاية يستسلمون و يشترون. كان يعجبه ذلك كثيراً، تعجبه مساومة التجار الماكرين و يعجبه اكثر تشبث الأب بالثمن. كان يرى ذلك أشبه باللعبة المسلية، كان لا يرى في السوق إلا كونه لعبة كبيرة مسلية.

عند إنقضاء السوق يشترون حوائجهم و كل ما ينقصهم… ملابس… حبال للإبل… طماطم مجفف… زيت… دقيق… و حتى الحلوى. تعلَّم إنه عندما يبيع الأب بثمن جيد يشتري له بعض الهدايا و الحلوى. الكمية و النوعية كانت تتغير حسب أحوال  البيع في السوق. عرف ان السوق دائم التغير و ان التجارة ليست دائماً مربحة … كره التجارة و تذمر منها.

عندما صمم على ترك الصحراء و النزول الى المدينة للعيش فيها سأله الأب:

ـ و ماذا يعجبك في المدينة؟ أأاه… قُل… ماذا يعجبك؟

ـ …………..

ـ مازلت صغيراً. حياة المدينة صعبة. لن تسطيع العيش هناك. الناس في المدينة كالتجار في السوق… يشترون و يبيعون كل شيء… أفهمت… كل شيء.

لم يرد الإبن، ظلَّ جالساً تحت السِدرة و يداه تعبثان بالحصى. إستدار الأب و يداه معقوفتان خلف ظهره. تنحنح… قال بنبرة حزينة:

ـ ماذا ينقصك هنا؟ قُل… ماذا تريد؟… هااااه.

لم يرد الإبن و كأنه لم يسمع تساؤل الأب. ظلَّ مطأطأ الرأس و عيناه تحدقان في الحصى.

ـ انت عديم الفائدة… لن تُفلح في شيء أبداً. قال الأب و هو يهم بالمغادرة.

ـ لن تُفلح في شيء. انت فاشل. فشلت في كل شيء. كما فشلت في دراستك ستفشل في حياة المدينة.

لم يلتفت الإبن. غادر الأب و هو يدحرج الحجارة بنعله.

في المساء جلس الإبن خارج الخيمة و هو يحدق في الفضاء. إنزوى بجانب الخيمة في الناحية المظلمة. في الجهة الأخرى جلست الأم امام موقد النار تُعد الشاي، امامها جلس الأب شارد الفكر و أصابعه تعبث بأطراف لحيته البيضاء.

إستسرق النظر الى الجهة المقابلة، رأى التجهم على وجه الأب، غطى اللثام أسفل الوجه، لم يبقى سِوى عينان يملؤهما الحزن. راقب الأم… العجوز المسكينة اعتادت ان لاتبدي رأيها في شيء… تلك شؤون الرجال، لا علاقة لها بذلك. تعودت ان تترك الأمر للرجال… هم يتدبرون أمرهم… و أمرها.

غزت أنفه رائحة الشاي…

تمدد على ظهره، توسد يديه… تذكر كلام الأب. الأب المسكين لا يريد أن يُظهر له إنه ضعيف أو محتاج. في عُرف  الصحراء لا يجب أن تُظهر ضعفك حتى لأقرب الناس اليك، ذلك يقلل من هيبتك. يجب أن تكتم كل شيء … ضعفك… حنينك… و حتى عاطفتك. يعتقد أهل الصحراء إن إظهار العاطفة هو نوع من الضُعف.

“لن تفلح في شيء… أنت فاشل” كانت تلك الكلمات تتردد دائماً على شفاه الأب. كان دائماً يتهمه بالفشل. حتى عندما يعجز عن ربط شاة أو غسل أواني الشاي كان يتهمه بالفشل.

ـ3ـ

لازمه الفشل في الحياة…..

عندما كان صغيراً كان يتعثر دائماً في مشيته. يتعثر في كل شيء… في الحجارة… الشجيرات الصغيرة… الحبال… أوتاد الخيمة… و حتى في أطراف نعليه. كان يتعثر و يسقط. الأم تبتسم و أحياناً تقهقه، تساعده على النهوض مُحَاوِلةً تعليمه المشي بصورة صحيحة.

تأخر في النطق… بلغ الخامسة من العمر و لم يستطيع نطق الحروف. كان يُخرِج أصوات غريبة، حروف و كلمات أشبه بالهمهمة.

في البداية لم تبالي الأم بذلك. حاولت تعليمه الحروف و الكلمات. كانت تعلمه كلمة “بابا” و “ماما”، أتقن الكلمتين و لكنه عجز عن نطق غيرهما من الكلمات. كان لا يجيد غير الهمهمة و أصوات أخرى أشبه بصياح الأغنام.

عندما تجاوز سن الرابعة ساد القلق الأم. تسألت في نفسها عن سبب تأخر طفلها في الكلام. سألت العجائز، قلن لها إنه ربما يكون مصاباً بالعين… أو بالمس… أو ربما يكون مسحوراً. أحضر له الأب التمائم من الشيوخ.

علقت في عنقه “حِجَاب” أحضره الأب من الشيخ “الزروق”. قال له الشيخ إن ابنك به مس… لقد عبث بالرماد.

ـ بالرمـااااد؟!!!. سأل الأب بدهشة.

ـ نعم بالرماد. قال الشيخ و هو يرمي ببعض البخور في موقد النار المتأجج أمامه. نظر الى الأب و واصل:

ـ إبنك به مس من الجن… لقد عبث ببيوتهم.

ـ بيوووتهم!!!… أي بيوت؟!!… لم أفهم. ردَّ الأب بحيرة.

تنهد الشيخ و تمتم ببعض الكلمات المبهمة، التفت الى الأب و قال:

ـ سبحان الله… كل من في الصحراء يعلم أن الجان يسكنون بقايا الرماد. تلك هي بيوتهم.

كان الأب يعلم بحكم العادة إنه لا يجب ترك بقايا الرماد. يجب ردم المواقد، او على الأقل تجنب العبث ببقايا الرماد. كان يعلم ذلك و لكنه لم يكن يؤمن بتلك الأساطير.

مرت الأيام…..

لم يتكلم الطفل. مع مرور الوقت زادت التمائم المعلقة في عنق الطفل، بعضها ملفوف في جلود الحيوانات، و بعضها في خِرق سوداء و حمراء، و لكنها لم تفلح في جعل الطفل يتكلم.

في أحد الأيام و بعد خروج الأب بالقطيع من المظارب زارتها إحدى عجائز النجع. جلست أمامها. انهمكت الأم في غسل أواني الشاي. أوقدت النار و أعدت الشاي. سألت العجوز عن أحوالها.

ـ الحمد لله. ألم المفاصل لازال يراودني. رِجلي اليمنى متورمة. الركبة تؤلمني كثيراً… لا أكاد أستطيع المشي. إنه العمر… تقدم العمر… ذلك حق… هذه سُنة الحياة.

قالت العجوز و هي تتابع الطفل الذي يلهو في إحدى زوايا الخيمة. تبسمت الأم… قالت:

ـ الحمد لله. يجب أن تنتبهي لصحتك.

ـ ألم المفاصل فظيع. أحياناً لا أستطيع النوم… هذه سُنة الحياة.

تبسمت الأم و لم تعقب.

العجائز في النجع دائمات التذمر. إنهن يشتكين من داء المفاصل و آلام الظهر. يبدين الشكوى في كل وقت و لكل شخص يقابلنه مع انهن دائمات الحركة و بصحة جيدة. لقد رأت ضيفتها بالأمس و هي تصارع شاة لربطها ثم تتسلق الجبل الملاصق للنجع من الخلف. لقد تسلقت الجبل للبحث عن بعض الأعشاب. تسلقته بسرعة قد يعجز عنها حتى الشباب.

العجائز مع تقدم العمر يصبحن كثيرات الشكوى أو ربما الخوف هو ما يدفعهن لذلك… الخوف من العين و الحسد.

ـ كيف حال إبنك؟ هل أصبح يتكلم الآن أم لا؟

قالت العجوز و هي ترشف الشاي و عيناها تلاحقان الطفل.

ـ لا ليس بعد. لقد أقلقني هذا الأمر ياعمتي. قالت الأم بصوت مجروش.

ـ لا… لاتهتمي… سينطق يوماً ما. كُثر هم الأطفال الذين على شاكِلته. سيتكلم يوما ما… سترين.

ـ أتمنى ذلك ياعمتي… أتمنى ذلك. إنه وحيدي… لاأملك غيره… قلبي ينفطر من أجله.

ردت الأم بنبرة حزينة. التفتت الى الطفل لتواري دموعها عن العجوز.

ـ هل جربتي الألسُن؟. هتفت العجوز متسائلة.

ـ أي ألسُن؟!!! سألت الأم بإستغراب.

ـ ألسُن العيد. ذلك سيفيده كثيراً… ستساعده على النطق.

ـ أي ألسُن؟!… لم أفهم. تسألت الأم من جديد.

ـ يجب عليك أن تجمعي سبعة ألسُن من أضاحي العيد. تنظفينها… ثم تطهينها جيداً و تقديمينها للطفل في الصباح…. في الصباح هااااااه… لا تنسين هاااه… قبل أن يتناول أي شيء… ذلك سيفيده كثيراً… سوف ترين.

ـ هل انتِ واثقة من ذلك ياعمة؟

ـ نعم.. نعم. ردت العجوز قبل أن تهُم بالمغادرة.

شدت طرف اللحاف على رأسها… إنتعلت، و قالت مسترسلة:

ـ سوف ترين. في العيد القادم سأساعدكِ على جمع الألسُن من الجيران. أضاحي النجع كثيرة… لن نعجز عن جمع سبعة ألسُن.

ـ أتمنى ذلك ياعمة. قالت الأم و مسحة من السعادة تعلو وجهها.

ـ إذا نجح الأمر لن أنساك… هديتك محفوظة ياعمة… سأعطيك نعجة.

ـ نعجة واحدة أيتها البخيلة. لم أكن أعرفك بخيلة هكذا… نعجة واحدة… آآآآآه؟  يالك من بخيلة هههاااااههه. قالت العجوز ضاحكة قبل أن تودع الأم و تغادر.

مرت الأيـام…. تكلم أخيراً….

نطق… ردد العبارات… شاكس الصغار و الكبار… عاكظَ أقرانه… نابز الأطفال و تجاسر بالحديث على الكبار. عندما بدأ ينطق زغردت الأم… فرِح الأب… ذبح شاة، و أولم لأهل النجع. الصحراء كلها لم تسعهما من الفرحة.

ـ ألم أقل لك؟… العمة كانت مُحِقة… العجوز الحكيمة كانت تعرف العِلة. قالت الأم و هي تحدث الأب الذي ظلَّ طِوال المدة الماضية يُشَكك في معجزة الألسُن السبعة.

ـ هذا هُراء… هذه تخاريف… لقد خَرُفَ عقلِك… أنتِ كالعجوز كلاكما جاهل، لاتفهمان. السر في التمائم و “الحِجَاب” و ليس في الألسُن. رد الأب.

ظلا زمناً من الدهر يتجادلان. كلاهما يدافع عن نظريته و إعتقاده. الأب يرى إن السر في التمائم المعلقة في عنق الطفل، و الأم تعارض بعِناد و إصرار أن السر في الألسُن السبعة. الألسُن السبعة هي التميمة الفعالة. ظلَّ التجادل بينهما زمناً طويلاً. يتناسيان الأمر و عندما يتطرقان اليه… يعودان للجدل.

ـ4ـ

كبُرَ الطفل….. تجاوز السادسة من العمر…. بعثه الأب الى القرية للتعلم. أراد الأب أن يباهي به أهل النجع. في الصحراء من يجيد القراءة و الكتابة له شأن كبير. وضعوا للمتعلمين مكانة تضاهي مكانة الشيوخ و الفقهاء.

توالت الأيــام….

يذهب الإبن مع عمه الى القرية للدراسة، و يعود في العطل المدرسية الى الصحراء مع الأب. كان الأب يكاد يطير فرحاً بالإبن العائد من القرية. يجالسه و كأنه يجالس أحد الفقهاء… يداعبه… يمازحه… يسأله عن كل شيء… عن الدراسة… عن الكتابة… و عن القرآن. كان الأب يتشوق أن يرى إبنه فقيهاً ذو شأن كبير في النجع. فرحته بالإبن أذهبت عنه وقاره المعهود. كان لايكف عن ترديد مايقوله الإبن. كان يردد كل شيء. يحدث به الرجال و الشيوخ في النجع… و حتى الرعاة في المراعي. كان يردد أحياناً نفس القصص و الأحاديث عدة مرات حتى ملَّ منه البعض. بعضهم و صفه بالخَرِف، و بعضهم نعته بالجنون. يجالسونه… يستمعون اليه و هم يعلمون إنه سيردد نفس الحكايات، سيقول قال إبني كذا و كذا و حكى كذا و كذا. يستمعون… يتبادلون النظرات فيما بينهم و عندما ينصرف… يتهامسون و يسخرون.

في البداية لم يلاحظ اي شيء….

الفرحة أعمته عن كل شيء و بعدها لاحظ إن الإبن لا يتحدث عن الدراسة إلا بعد مجاهدة شاقة من الأب. يظل الأب يصر في عِناد لكي يحدثه الإبن عما تعلمه في القرية عن الدين… و عن القرآن. الإبن لايريد الحديث عن شيء و لكن مع إصرار الأب و إلحاحه لايجد مفراً من الحديث. يتحدث بإقتظاب. يبخل في حديثه و مع ذلك يشعر الأب بالنشوة.

إجتاز الإبن مراحل التعليم الأولى. نجح بتفوق. كان الأب سعيداً بذلك. في الصيف عندما يعود الإبن الى المظارب لايتركه يقوم بعمل أي شيء. يريده أن يتعلم فقط. الأعمال الأخرى ليست له.

ذات مســاء….

جلس الأب كعادته بجانب الإبن. طلب بإصراره المعتاد أن يحدثه إبنه عن ما تعلمه. أصر الأب و أصر الإبن على الصمت. نظر الإبن الى أبيه و قال بصوت خافت:

ـ أريد أن أترك الدراسة.

ـ أااااه… ماذا قلت؟!!!

نزلت الكلمات كالصاعقة على رأس الأب. عاد و سأله:

ـ ماذا قلت؟

ـ أريد ترك الدراسة.

شقت الكلمات أُذن الأب و كأنها سِهام نارية. إخترقت العروق. جرحت الأوعية. شقت عظام الجمجمة و وصلت الى المخ محدثة ضجة و أصوات كأصوات الرعد. هزَّ الأب رأسه… تسأل من جديد:

ـ ماذا قلت؟!

أعاد الأب السؤال غير مصدق لما يسمع او محاولاً أن لا يسمع كلمات الإبن.

ـ أريد ترك الدراسة. لقد مللت منها. لم تعد تهُمني.

ـ كيف؟…. أتترك الدراسة…. كيف؟… و لماذا؟!…هل جُننت؟ هل ذهب عقلك؟… كيف؟!!

أطلق الأب الأسئلة محاولاً فهم مايقوله الإبن. أنزل الإبن عينيه. حدّق في التراب و أصر على جوابه:

ـ نعم.. الدراسة لم تعد تهُمني… سأتركها.

ـ و لكن ياولدي… هداك الله… أصلح الله بالك… كيف ذلك؟ ياولدي الدراسة… العِلم… الناس… ماذا سيقول الناس؟… النجع..

كيف ياولدي؟

ردد الأب بعض العبارات و الأسئلة المبهمة. كلام الإبن لعثم لسانه… المفاجأة أدهشته… شلت لسانه. دار برأسه كالمجنون… تمتم كالمصروع… همهم… إختلطت الحروف و العبارات ببعضها… تشابكت الجُمل و الأسئلة بحلقه… تضاربت… تصادمت… خرجت مبهمة بصوت يشبه صياح الأغنام.

دارت الأفكار سريعاً برأسه. إنهارت الصورة… تداعت القلاع التي ظل يرسمها في رأسه. رأى صورة إبنه… مكانته في النجع… إبنه المتعلم… رأى أشياء و أشكال لم يراها من قبل في مخيلته. تزاحمت الصور و الأشكال. رأى صورة إبنه و هو يتعثر في الشجيرات و في أطراف نعله. رأه و هو يصدر صوتاً كصياح الأغنام محاولاً نطق الحروف. رأه و التمائم تغطي صدره… “الحِجَاب”… السحر… الحسد. نعم ربما أنه سُحِرَ من جديد أو أن العين قد أصابته، أو ربما الجن قد مسه… أو ربما… ربما… إختلطت المشاهد بالأفكار في رأسه. تسأل كيف سيقابل أهل النجع؟… الرجال… الشيوخ… كيف سيحدثهم عن ولده؟ عن المتعلم الذي سيصبح عما قريب شيخاً للنجع كله؟ كيف سيقابل تلك العمامات الحاقدة… كيف؟… كيف؟ غشت هالة من الضباب رأسه و تفكيره. شعر بالغثيان. شيء ما يصعد الى حلقه. يكاد يتقيأه. خرج الغثيان بكلمات… بسباب:

ـ أنت فاشل. أنت لا تصلح لشيء أبداً. لن تكون شيخاً و لن تكون أي شيء آخر أبداً… أنت فاشل.

ردد الأب العبارات و السباب. شتم الإبن و نبزه. خرج و هو يجر طرف عمامته على الأرض… الزبد يغطي فمه.

ـ لا حول و لا قوة إلا بالله… لاحول إلا بالله. جُنَ الولد… جُنَ الولد… لا حول و لا قوة إلا بالله… فقد عقله… مجنون… فاشل… سبحان الله.

توارى و هو يفرك يديه و يهز رأسه حسرةً و ألماً.

في المســــــاء…..

أقتربت الأم. جاءت و هي تحمل كوب الشاي. وجدته منزوياً في طرف الخيمة. إقتربت ببطء. مدت اليه الكأس و همهمت:

ـ أبوك سيفقد عقله. سيُجن… الحمى تشتعل في بدنه… إنه يهذي.

ـ …………….

لم يعقب الإبن.

ـ هداك الله ياولدي. ردَّ الله اليك صوابك. قالت بحِرقة و واصلت قائلة:

ـ إنها العين ياولدي… نعم العين و الحسد. أهل النجع تأكلهم الغيرة. إنهم يحسِدونكَ. أو ربما قد دبروا لك عملاً ما. إنه السحر ياولدي… أتشعر بشيء ما؟

لم يلتفت الإبن. و ضعت الكأس أمامه و خرجت و هي تُتمتم ببعض الآيات.

ـ5ـ

عند خروجه من الصحراء لم يودعه الأب….

عرف الأب بنية إبنه في ترك الصحراء و النزول الى المدينة. لم يودعه. خرج باكراً بقطيع الاغنام حتى لا يقابله.

في الليلة الماضية و قبل أن ينام جاءه الأب. وجده مستلقياً. تنحنح الأب. قفز الإبن و جلس القرفصاء… تقدم الأب:

ـ هل مازال الجنون يحوم برأسك؟ أأأأه؟

ـ ………….

ـ ألم يعد اليك رُشدك بعد؟

طأطأ الإبن رأسه… لم يستطيع النظر في عيني الأب.

ـ ماذا تريد؟ قُل لي… أينقصك شيء؟ إسمع ياولدي من لم يجد السكينة في نفسه لن يجدها في أي مكان آخر، لا في المدينة و لا حتى في الصحراء.

ـ لكني لا أريد الذهاب الى المدينة. قال الإبن بعبارة خجولة.

ـ إذاً الى أين تريد الذهاب؟ أأأأه… الى أين؟

ـ الى ما وراء البحر يأبي.

ـ آآااه… ماذا تقول؟ حدّق الأب في إبنه متسائلاً.

ـ سأجرب حظي هناك. أصدقائي نصحوني بذلك. الحياة هناك أسهل و أفضل بكثير.

ـ نصحوك!!… من هم؟… أصدقاؤك!!… أي أصدقاء هؤلاء؟! و أي حياة أسهل و أفضل؟ ستركب البحر إذاً.

تسأل الأب بدهشة… هاله هذا التغير في تفكير الإبن. قال مواصلاً:

ـ أنت مجنون… مجنون ياولدي… لا حول و لا قوة إلا بالله… لقد فقدت عقلك.

حكَّ جبينه بيده اليمنى، عقد يديه خلف ظهره و قال:

ـ إعلم ياولدي أنه من يعش غريباً يعش وحيداً، و من يعش وحيداً يموت وحيداً. ستعيش وحيداً و تموت وحيداً كالبعير الأجرب. أتفهم؟ ستموت وحيداً… وحيداً يابُني…. وحيداً.

خرج الأب دون أن يلتفت الى الإبن الذي ظلَّ قابعاً في مكانه. خرج و هو يتمتم:

ـ لا حول و لا قوة إلا بالله… لا حول و لا قوة إلا بالله…

ـ6ـ

قبل الرحيل مكث بضعة أسابيع في المدينة. أمتدت الأسابيع الى شهور و الشهور الى سنين.

مكت سنتين قبل أن يغادر المدينة. إشتغل خلالهما في بعض الحِرَف ليؤمن قيمة التذكرة. لم تعجبه الحِرَف. تنقل بينها. لم يكن يلبث في حِرْفة حتى يتركها ليجرب غيرها، تذمر منها جميعاً. لم يوفر المال اللازم، تقايض باقي المبلغ. سلَّم نفسه للأصدقاء. أحضروا له جواز السفر. إنها أول مرة يرى فيها جواز سفر. قلّبه… فتحه. أضحكته صورته على جواز السفر. وجهه الطويل تعلوه تكشيرة عابسة. تذكر كلام الأب عن الهيبة و الناموس… عليك أن تكون ذا هيبة في كل شيء حتى في الصورة لدرجة قد تصل الى التكشير و جحظ العينين. أحضروا له التأشيرة. لم يعرف ماهي التأشيرة و لكن عرف إنها ضرورية للسفر.

ركب الطائرة… لم يخف… لم يتفاجأ… سمع الكثير عن الطائرات و ركوبها و كيف أن الناس يغمرهم الخوف عند ركوبها. لم يشعر بشيء كهذا أبداً.

تحركت الطائرة… تعالت أصوات المحركات… سرت رعشة في البدن المعدني… تقدمت… تسارعت… إرتج الجسم المعدني الكبير… أقلعت… تباعدت الأرض رويداً رويدا… سحبه الطائر العملاق الى السماء… فصله عن الأرض. نظر من خلال النافدة الدائرية الصغيرة. رأى الأرض تبتعد و تختفي المعالم شيئاً فشيئاً. شعَرَ بشيء ما… بحِرقة ما… برهبة… بخوف ليس من الطائرة إنما من منظر الأرض و هي تبتعد عنه رويداً رويدا… شعَرَ بأن شيئاً ما يفصله عن الأرض… شيئاً ما يفصل منه شيئاً ما… إحساس غريب راوده فجأة… أحس بشيء يُسحب منه و يبتعد. راودته الأفكار و تزاحمت الصور في مخيلته. تذكر الصحراء و النجع… قطيع الأغنام و الإبل… الشيوخ… العمامات… التمائم التي تركها في ركن الخيمة… الخيمة و موقد النار المشتعل في مدخلها… أمه العجوز… الأب… رأى الأب و هو يخرج بقطيع الأغنام… رأى الأم العجوز ملتحفة برداءها الأسود و هي تقوم بطقوس إعداد الشاي اليومية. تنهد بعمق… شعَرَ أنه أخاب ظن الأب به… إنه بدد أحلام الأب. لقد عقد الأب آمال كبيرة عليه. لأول مرة شعَرَ بالخيبة و الحسرة… تنهد بعمق… شعَرَ بحاجة الى البكاء… الى العودة. هنا قفزت الى رأسه عبارات الأب ” من يعش غريباً يعش وحيداً، و من يعش وحيداً يموت وحيداً”. أدرك حكمة الأب العجوز. أدرك شيئاً ما… أو فهِمَ شيئاً ما… خالجه شعور ما… لم يفهم. أشياء غريبة يحس بها تتكسر بداخله… أشياء تتحرك و تموج… لايدري ماهي و لكنه أحس بشيء ما.

إرتفعت الطائرة… تعالت في طبقات الجو… من خلفها أختفت معالم الأرض.

تقوقع على نفسه. غالب الغثيان الذي يصعد الى حلقه و تلك الأشياء التي تتصارع برأسه.

ـ7ـ

في فرنسا هام في الشوارع و الأزقة….

في البداية أبهرته الأضواء… الأنوار… الشوارع… الحدائق… الحانات… رأى العالم الكبير الرهيب. لأول مرة يرى هذا الكم الهائل من البشر. تلك الأمواج المتزاحمة من البشر. حَّركت في نفسه شعور غريب لم يفهمه. ربما شعوره بأنه غريب وسط هذه الحشود. إبتلعته الجموع و ذاب بين حشود البشر و كثل اللحم المتحركة.

مرت السنة الأولى سريعاً جداً، بالكاد تعلم بعض الكلمات الفرنسية. كان ينطقها بصورة ركيكة. تدبر أمره بالإشارة و الرسم أحياناَ… و الهمهمة. تذكر التمائم التي ساعدته في النطق و هو مايزال صغيراً. تمنى لو أنه أحضرها معه ربما ساعدته كثيراً في تعلم اللغة. لم يبالي كثيراً. سيتعلم اللغة كما تعلم النطق متأخراً. هذا لا يهم. المسألة مسألة وقت فقط.

أخذه الوقت…

مرت به الأيام سريعاً… سنتين… ثلاثة… أربع سنوات مرت و لم يشعر بمرورها. شيئاً ما يأخذك هنا و أنت لا تشعر بالوقت. شيء خفي كالسحر. أربع سنوات مرت تنقل خلالها بين المدن و بين الأعمال و كعادته تذمر منها جميعاً. لا يكاد يبتدي في عمل ما حتى يتركه و يبحث عن آخر. كان دائم البحث عن الأعذار، او عن المشاكل. لم يعجبه شيء و لم يُعجب أحد من أرباب العمل.  هم أيضاً كانوا يتذمرون منه. كان يستيقظ متأخراً و يأتي الى العمل متأخراً. لا يبالي بما يصنعه.  عندما إشتغل في أحد المخابز في وسط المدينة، كان دائم الشكوى من الحرارة… حرارة المكان قاتلة… الشغل في المخبز كالشغل في الجحيم. كان يردد ذلك دائماً. رغم أنه عاش حياة الصحراء و حرارة الصحراء و لكن حرارة المخبز شيء آخر لا يشبه حرارة الصحراء و رمالها. هنا لا يكاد يتنفس.

ـ سأموت… سأموت ببطء هنا.

 قال بتذمر لرفيقه في المخبز. رمى بكيس الدقيق على الطاولة و واصل قائلاً:

ـ سأبحث عن عمل آخر. لا أريد أن أموت شوياً ببطء. غداً سأبحث عن عمل آخر.

لم يرد رفيقه الأسمر النحيف. كان دائماً لا يرد عليه. يشتغل بصمت… ينهي عمله و ينصرف… لا يحدثه. في البداية ظن أنه ربما لايجيد الكلام او ربما أنه أخرس. تعجب لمثابرته على الشغل… و الصمت.

عدم مبالاته بالشغل سببت له المشاكل مع صاحب المخبز. وصل الأمر ذروته عندما وضع كيسين من الملح بدل كيس واحد. سكب الكمية… خلط الدقيق بالملح… صبَّ الماء… أدار الآلة… التفَّت… عجنت الدقيق. أشعل اللهب… إستعر الفرن… لفحت وجهه حرارة الفرن… لعن في نفسه الفرن… و المخبز… وصاحب المخبز و ربما فرنسا كلها. وضع قطع العجين الملفوفة. أقفل الفرن و إنتظر بعض الوقت. إنتفخ العجين و إحمَرَ… تيبس سطحه العلوي… نَضِج.

كان منهمك في إعداد العجين التالي حين إقتحم صاحب المخبز المكان. كان يزمجر. زحفت الحُمرة على عينيه الجاحظتين. إنهال عليه بالتعنيف. رطن بكلمات كثيرة فهِمَ بعضها، و البعض الآخر لم يفهمه و لم يسمع به من قبل. قد يكون يشتمه او يسبه أو حتى يلعنه. مدَّ اليه قطعة من الخبز ليتذوقه. لم يفهم ما يعنيه. أخذ القطعة و قضمها، و ماكاد يلوكها حتى سرت الملوحة في فمه و حلقه. ملوحة تكاد تتحول الى مَرَارَة من شدة الملح. بصق القطعة… إجتر ريقه المالح… إجتر الملوحة التي بلعها… بصق لُعابه… ثفل عدة مرات في صندوق القمامة… فهم الآن.

إنهال عليه صاحب المخبز بالسباب… عنّفه. ظَل ساكناً في مكانه… لم يرد… لم يتكلم. عرف أن الخطاء خطاءه هو… صمت. واصل صاحب المحل ثائراً:

ـ أنت لا تتقن عملك. لا تأتي في موعدك. تشتغل بكسل… لا تهتم… لا تبالي… لا تعرف ماذا تفعل… أنت عديم الفائدة… أنت لاتصلح لشيء…. أنت فااااااشــــل.

مسح فمه بكف يده اليمنى. مسح الزبد من طرف فمه. التفت اليه من جديد مواصلاً زمجرته:

ـ أنت لاتصلح لشيء… نعم أنت إنسان فاشل. سأُعطيك أجرك و تغرب عن وجهي. لا أريد أن أراك هنا مرة أخرى… هل تفهم؟

راقب صاحب المخبز و هو يزمجر… لم يرد عليه. تذكر كلام أبيه. نزلت الكلمات على رأسه كالمطرقة “أنت لاتصلح لشيء… أنت فاشل”.

خرج و هو يجر نفسه خارج المخبز.

في المساء علا النقاش و علت معه الأصوات. في الأيام الأخيرة أصبح النقاش أكثر و أشد حِدة. رفيقاه في الحجرة كانا أيضاً يتذمران منه. كان كثير النوم و لا يشتغل. لا يشارك في دفع أجرة الحجرة، و كان دائم التعذر و الشكوى.

ـ و هل هذه حجرة. هذه ليست حجرة. إنها حُفرة حقيرة وسخة لاتصلح حتى أن تكون حُفرة لذئب.

علا صوته و هو يرد على رفيقه الذي أنبه على ترك عمله و عدم التفاني فيه. ذكَّره أنه لم يسدد ما عليه لأجرة  الحجرة، و كذلك الطعام فكيف يترك عمله.

ـ مهما يكن فنحن هنا للعمل و ليس للسياحة. لابد أن تصبر. أن تتحمل. لقد تركت الصحراء و أهلك لتشتغل و ليس لكي تنام. الصبر… عليك بالصبر. ردَّ صديقه محاولاً نصحه.

جلسوا متقابلين في الحجرة….

الحجرة ضيقة، في أسفل إحدى المباني القديمة. أمام الحجرة يوجد حمام به مرحاض صغير مشقوق و قذر. تحولت الحجرة الى غرفة للنوم و الطبخ. في إحدى الزوايا إصطفت الأواني. أكواب صغيرة… قِدر للطبخ… عُلب طماطم و زيت… رؤوس من البصل… و موقد صغير غطاه الفحم و بقايا الطعام.  على الحائط المقابل للباب عُلِقت مناشف و بعض الملابس. على الأرضية إصطفت ثلاثة أفرشة. فِراشه هو في الزاوية المقابلة للباب. الحجرة لاتكاد تتسع لشخصين و مع ذلك تدبروا أمرهم الثلاثة معاً.

عمّ الصمت المكان. تقرفص على فِراشه في الزاوية. حّك جبينه بعنف… تنهد. نظر الى الباب المقفل… حدّق في الأرضية و قال بصوت خافت:

ـ المشكلة ليست مني. أنا أريد العمل. ماجئت الى هنا إلا لأجل ذلك. أنتم تعلمون… تركت اُمي العجوز…  والدي هناك في الصحراء دون معين. تركت أهلي… و وطني… تركت الصحراء كلها لأجل العمل. أنتم تعلمون ذلك.

طأطأ رأسه… زفر بعنف… أسند رأسه بيده اليمنى و واصل حديثه:

ـ لعن الله الغربة… لعن الله الغربة…هذه ليست حياة… هذا موت بطيء… إني أشعر بأني أموت ببطء. ماأصعب الغربة و ماأصعب أن تموت ببطء… لعن الله الغربة.

لم يرد أحد. ساد الصمت المكان.

ـ لا أريد أن أموت ببطء في هذه الغرفة القذرة. الرطوبة تخنقني… الموت البطيء يحاصرني… تركت اُمي و أبي. أبي المسكين خيّبت أمله. كان يريدني أن أُصبح شيخاً فقيهاً. أن أرفع رأسه كما كان يقول دائماً. لم أُفلح في الصحراء… و لم أُفلح في المدينة. لم أُفلح في دراستي… و لن أُفلح في الغربة… لعن الله الغربة… إنها لا تستحق أن أترك وطني من أجلها. أن أترك دراستي… أن أترك اُمي و أن اُغضِب أبي… لعن الله الغربة.

دسَّ رأسه بين ذراعيه. غصته عبرة. قاوم العبرة. ضغط بأسنانه مصدراً صريراً. حاول المقاومة… كظم عبرته… قاومها… غلبته… خرجت… أجهش بالبكاء… إهتزا منكباه… أذرفت الدموع… بكى… و بكى. لأول مرة يبكي هكذا بحُرقة.

بعدها تغيرت الأمور….

أصبح الحنين يراوده كل يوم. ذلك الحُلم لا يفارق رأسه. بمجرد أن يضع رأسه على الوسادة. يتسلل الحُلم الى رأسه. تتراءى له الصحراء الواسعة… الوديان… الشِعاب… الجِبال. يرى أشياء غريبة ممتزِجة… متشابكة و متداخلة. يتراءى له النجع بهرجه، و أعمدة الدخان الأبيض تتصاعد من المواقد المشتعلة أمام الخيام. الأطفال يمرحون مصدرين ضجة تشق عباب الفضاء. النسوة المتنقلات بين خيام المظارب. السهل الفسيح الممتد أمام النجع و المطل على الوادي. صورة الأم… صورة الأب و هو جالس أمام الموقد لاتكاد تفارق مُخيلته.

في البداية كان يراها في الحلم فقط، أما الآن أصبحت الصورة لا تفارق مخيلة رأسه حتى و هو يدب على قدميه. الأب العجوز المنكسر يلفه الحزن و الأسى. يحدق في الفضاء الواسع الممتد أمام الخيام و كأنه ينتظر المجهول. نظرة الأب تلك حرّكت في نفسه أحزان و أفكار لم يشعر بها من قبل. شعور غريب بالحزن… أو ربما بالذنب.

مع تكرار توارد تلك الأفكار الي ذهنه تغيرت أشياء كثيرة بداخله. تغيرت المعالم و الصور. تغيرت صورة فرنسا بذهنه. أصبح يرى الصورة الأخرى… الخفية… المتوارية خلف الألوان و الأضواء… المباني و الشوارع، و خلف الأزياء الراقية و السيارات الفارهة. خلف العطور و المساحيق. خلف الصورة البراقة تختفي صورة أخرى مغايرة… و نقيضة. صورة حجرته القذرة و عالمه الخفي الذي لا يراه أحد. صورة الملابس القذرة المعلقة في زاوية الحجرة. صورة أواني الطبخ المبعثرة بجانب الموقد الصغير. المرحاض القذر المشقوق. رائحة العفن و الرطوبة التي تعبق المكان. الأغطية المشبعة برائحة الطبخ و البصل و زيوت القلي. خلف العالم الباهر هنالك عالم آخر باهت… عفِن… و رث.

تصارعت الأضداد برأسه… تزاحمت الأفكار و الصور. بتبدل الأفكار و الصور تبدلت الأحاسيس. صارع شيء ما بداخله… قاومه… صرعه… أطرحته الحمى الفراش… تصبب العرق من مسام الجلد. إستعرت الحرارة في بدنه… إشتدت… توالت عليه نوبات من الهذيان و الصُراخ… و الهمهمة. حكى بأشياء مبهمة. لعن في سره و بصوت مسموع… لعن الغربة و سبّها. شتم الغرفة القذرة. شتم المباني و الشوارع و صاحب المخبز. هذى بكلام كثير. ذكر الصحراء… و الوطن… الأهل… الأم العجوز و الأب المسكين المنكسر.

في الصباح تعافى. زالت الحمى عن بدنه. ملكته حمى من نوع آخر… لكنه يعرف كيف يتداوى منها.

ـ8ـ

في الصباح كان قد حزم أمره….

جلس في فراشه و الغطاء مازال ملفوف على كتفيه و رأسه. جال ببصره على زوايا الحجرة. توقف عند الزاوية المقابلة للباب. حدق في الأواني المبعثرة. بقايا الطعام لازالت عالقة بأطراف الأواني. حام ببصره حول الأصدقاء.

قدموا له كأس الشاي. تحسس الكأس. سرت السخونة في أطراف أصابعه… وضعه أرضاً. قال و عيناه تحدقان في كأس الشاي.

ـ سأعود.

ـ ماذا؟…. ماذا قلت؟! ردَّ صديقه مستفهماً.

ـ سأعود الى الوطن… الى ليبيا… الى الصحراء.

عمَّ الصمت المكان. لم يفهموا. ظنوا أنه مازال يعاني من الحمى. تجرَّأ أحدهما و قال:

ـ إن شاء الله… إن شاء الله. بعد أن تشفى.

ـ لقد شُفيت. سأعود… غداً… أو بعد غد.

عمَّ الصمت من جديد. تبادل الرفاق نظرات الحيرة و الإستغراب.

ـ لن أبقى هنا. سأعود الى وطني… الى ليبيا… الى الصحراء. أبي يقول انه من يعيش غريباً يعيش وحيداً و من يعيش وحيداً يموت وحيداً.

حدقوا في وجهه ليتبينوا أهو يهذي أم أنه جاد فيما يقول. واصل كلامه و عيناه لاتزالان تحدقان بفراغ الى كأس الشاي.

ـ لقد عشت غريباً و وحيداً. مللت الغربة و مللت الوِحدة… لعن الله الغربة… لعن الله الغربة. لا أريد أن أموت وحيداً. سأعود… الحنين يقتلني. إشتقت الى الوطن… الى الأهل. لا أريد أن أموت و أبي غاضب مني. سأعمل هناك. سأعمل أي شيء. سأُعين أبي… حتى لو اضطررت لرعي الإبل… سأعود.

عمت السكينه المكان. ساد الحجرة الكئيبة صمتً قاتل. تسللت الأفكار. أخذتهم بعيداً. هذا الكلام حرك شيئاً ما بداخلهم ظل راكد طوال هذه السنين. شيء قد نفخ في بقايا الجمر المتأجج تحت الرماد. رشف الشاي… التفتوا اليه…. لم يتكلموا. حدقوا فيه بغرابة و بلاهة. وضع الكأس على الأرض… حدق في الفراغ… عاد الصمت يلف المكان.

غيّر ملابسه. فتش بين طيات الملابس المكدسة في الحقيبة الصغيرة المركونة خلف الوسادة. فتش الجيوب. بحث بين طيات الملابس. العيون تراقبه ببلاهة. لم يسأله أحد عما يبحث. فتش في زوايا الحقيبة… وجده أخيراً… جواز السفر. تفحصه… و تصفحه. وضعه في جيبه مع كومة أوراق أخرى و نقود. عدَّل زر قميصه. لاحظ أنه أشبك الأزرار بصورة خاطئة. فكّها و أعاد شبكها من جديد. ربط حذائه… خرج. تابعته العيون الحائرة. أغلق الباب مصدراً صريراً قطع سكينة المكان.

ـ9ـ

جلس في ساحة “بيل كور” قلب مدينة ليون يراقب المارة و يمضي الوقت. شركات السفر تفتح أبوابها بعد نصف ساعة. راقب الجموع المتنقلة بين الأسواق و المحال التجارية. الحياة تدب في كل شيء هنا. راقب الساحة الكبيرة. حدق في الفضاء المقابل. جره التفكير الى فضاء آخر… الى الصحراء الواسعة. زفر بشدة. تراءت له تلك المعالم و تلك الجبال و الأودية. هام بعيداً… بعيداً.

نظر الى الساعة. نهض بسرعة. إنها التاسعة تماماً. الأبواب ستفتح الآن. قطع شارع “لاروببليك”. سارع بخطواته. وقف أمام الباب. تحسس جواز السفر و النقود… فتح الباب و دخل.

في الداخل إصطفت بعض الكراسي للإنتظار. بعض المجلات مكدسة على طاولة صغيرة أمام الكراسي. في الجهة المقابلة للكراسي يوجد مكتبان عليهما بعض أجهزة الحاسوب و بعض الأوراق و الملفات. أحدهما خاوي أما الآخر فجلست خلفه فتاة شقراء تعلو وجهها إبتسامة. تجادل أحد الزبائن محاولة إقناعه ببعض العروض. تحاول إقناعه بأن عروضهم فريدة و  أن الثمن مغري جداً… سيرتاح… سيجد كل مايريده. جميع وسائل الراحة متوفرة لديهم… السكن… الأكل… و وسائل الترفيه. سيُمضي أوقاتاً جميلة. ذكرّه ذلك بكلام الأصدقاء عندما كان في المدينة. قالوا له كلاماً كهذا عن فرنسا… عن الحياة…  السكن و الأكل… و عن الراحة، و إنه سيُمضي أوقاتاً جميلة و ممتعة. تبسم في نفسه. هزَّ رأسه….

ـ سيدي.

قطعت الفتاة الشقراء شريط أفكاره.

ـ سيدي… تفضل.

تقدم. جلس على الكرسي المقابل للفتاة… لم يتكلم.

ـ سيدي… بماذا أخدمك؟

ـ أاااه… ماذا قلتي؟

ردَّ ببلاهة و كأنه لم يسمع شيئاً.

ـ بماذا أخدمك سيدي؟… طلبك.

ردت الفتاة بإبتسامة صفراء مصطنعة.

ـ أريد تذكرة سفر… تذكرة سفر الى ليبيا من فضلك… هذا الأسبوع إذا أمكن.

تبسمت من جديد و أنهمكت تبحث على شاشة الحاسوب. أراد أن يقول لها إنه يريد تذكرة سفر الى الوطن… الى الصحراء. و أراد أن يقول لها أنه كرٍه الغربة و لعنها… لقد سأم منها. أراد أن يقول إن الحنين يقتله… إشتاق الى الأهل… النجع… والشيوخ و حتى الى الأطفال، و إنه كرِه الغربة و كره معها حجرته القذرة… الرطبة. كره العمل و أرباب العمل. إنه يريد العودة الى تراب الوطن… الى تراب الصحراء… الى الحرية. أراد أن يقول لها إنه فهِم الغربة جيداَ و فهم الحياة. فهم حكمة الأب العجوز. فهم أنه من يعيش غريباً يعيش وحيداً، و من يعيش وحيداً يموت وحيداً.

أراد أن يقول لها إن الأضواء و الأنوار في فرنساـ كالمساحيق التي على وجههاـ لم تبهره يوماً… لم تشده يوماً. ربما لأنه يعلم إنها  تُخفي الصورة الأخرى… الصورة الحقيقية… الصورة التي لايراها كل الناس.

ـ سيدي… وجدت ماتريده… بعد غد… الرحلة بعد غد، و الثمن مغري جداً. أربع مائة يورو سيدي.

تبسم… فرح. لم يسمع ماقالته بالضبط. لايهمه ماقالته عن الثمن، سيدفع أي مبلغ. مايهمه هو العودة. دفع المبلغ. حدّق في التذكرة… تحسسها… شمّ فيها رائحة غريبة… رائحة الأمل… رائحة تربة الصحراء. وضع باقي النقود في جيبه. قبض على التذكرة. غمرته سعادة غريبة… شعور غريب… فرحة ممزوجة بحزن… فرحة العودة و حزن القدوم. فرحة أن يعود من الغربة، و حزن أنه جاء الى هذه الغربة بإرادته… بملء إرادته.

ـ لعن الله الغربة. تمتم بكلمات مبهمة.

ـ عفواً سيدي؟… ماذا قلت؟ سألت الشابة الشقراء.

ـ لا لا… لاشيء.

خرج… لم يلتفت و حتى لم يودع الفتاة.

تحسس التذكرة من جديد و كأنه يتحسس الأشياء لأول مرة في حياته. رفعها أمام عينيه… حدّق فيها… أنزل يده… رفعها من جديد… شمّها… أنزل يده. أحس بأنه طفل. غمره إحساس الطفل عندما يداعب أول لُعبة تُهدى اليه… شعور غريب.

عبر الرصيف. تراءت له الصور… الوطن… النجع…  الصحراء… الوديان… الرمال… الأغنام و هي تثير الغبار عائدة عند الغسق. رأى الأب و هو يهش القطيع… الأم العجوز تستعد لإعداد الشاي. أخذته الصور بعيداً… إختفت معالم المكان… إختفت المباني و الشوارع… إختفت ضجة المارة و ضجيج السيارات التي تقطع الشارع. عيناه و عقله يسبحان في فضاء آخر. توالت الخطوات… قطع الشارع. قطع الإشارة الحمراء. صوت رهيب يشق أذنيه… رائحة غريبة تغزو أنفه… رائحة الإطارات… لحظات… ثواني… فرملت السيارة من جديد… زحفت… تعالى الصوت الرهيب… إزدادت رائحة الإطارات… صدمته… إرتفع في الهواء… طار… إنقلب في الهواء… أحس بالدوار… بالهواء… سقط. إرتطم بالأرض… سكن البدن. سيل من الدماء تدفق على الإسفلت الأسود. خلف مقود السيارة تخشب عجوز في مكانه من الذهول. عيناه شاخِصتان… شلته المفاجأة.

تجمهر الناس حول البدن الممدد على الإسفلت…

تمدد الجسد على جهته اليمنى. شاب أسمر اللون، طويل الوجه. عيناه تنظران في الفراغ. تعلو الوجه إبتسامة… بقايا فرحة مرسومة على الوجه. الدماء مازالت تسيل مشكلة شبكة من الخطوط الحمراء على قارعة الإسفلت. إزداد تجمهر الفضوليين.

تقدم الشرطي. تفحص الملامح و الجسد الممدد. اليد اليمنى محصورة تحت الجسد. تفحصها الشرطي… حرّك الجسد… تحررت اليد من ثقل الجسد. لاحظ الشرطي أن اليد تقبض على شيء ما… ورقة… تفحصها… قلّبها… تذكرة سفر… إتجاه واحد… الى ليبيا…

إزداد تجمهر الفضوليين حول الجسد الممدد….

هناك في الطرف الآخر من العالم… خلف البحر… في أطراف الصحراء. عجوزان بائسان يجلسان أمام الموقد، يحدقان في البعيد… ينظران الى المجهول….

ينتظران….

ينتظران المسافر…. الغريب…. الوحيد….

15.04.2010

مقالات ذات علاقة

بيت صغير ضاحية المدينة

سالم الهنداوي

انتماء….

هدى القرقني

مدار الشهوة

سالم الهنداوي

اترك تعليق