المقالة

الحرايمي، لَمْ يَكُنْ يهودياً

المبروك درباش

وجبة الحرايمي من المطبخ الليبي (الصورة: عن الشبكة)


لستُ منحازًا لأي الفِرَق، لا تعنيني الحمية في قراءاتي للتاريخ ووقائعه المتناثرة بين الكَذِب والأكذب منه، بل المنطق هو ما يستدعي استدراكي بين الحينة والأخرى، حيث تستوقفني بعض تلك الوقائع فأذكرها ضمن مدرسة التحليل الاستنباطي Interpretive historical records من جهة، والمعلومات المتوفرة، بقدر التوسّط، من جهة أُخرى.

لقد عاش اليهود في كل مكان من العالم. استوطنوا أمكنة عدة وحافظوا على ثقافتهم في كل منها، بشكل متكامل غير مُجزأ؛ لغةً وعادات. وأقول لغة وعادات هنا، وأعني بذلك السلوك الديني، فالعبرية لغة دين وليست لغة شعب، حتى أن بني إسرائيل، القبيلة السامية التي دَخل عدد كبير منها الإسلام، بعد تخليص الأخير لهم من طغيان الروم، كانت تتحدث الآرمية القديمة في فلسطين، والمصرية القديمة في بلاد النيل. وعيسى اليهودي كان يتحدث الآرمية في البيت ومع رفاقهِ، والإغريقية في تجارته، وتحدث، أو بالأصح قرأ العبرية في المعبد فقط.

بنوا معابدهم، وحافظوا على وصلهم الديني والثقافي مع جلّ جالياتهم في كل أطراف الأرض. بنوا مؤسساتهم، ورسموا طقوسهم في أذهان بنيهم وبناتهم، وطرقهم في التجارة، وسلوكهم، وزواجهم وعلاقاتهم ببعضهم البعض وكذلك علاقاتهم بالآخرين. فلم يترك التلمود اليهودي، أي الذي يوازي الحديث ‘السند’ في الإسلام، شيئًا إلا ووضع أُسسًا له، حتى أبناء نسائهم من غير اليهود نسبوهم لهن، خلافاً لجل تقاليد سكان الأرض.

وضعوا قوانين جادة وواضحة لعطلاتهم، كيوم السبت، أو ‘الشبات’. حرّموا أكل الخنزير، وحيوانات البحر، وشرّعوا لطرق أكل الأصناف الأخرى، فوضعوا الشريعة اليهودية التي تأمر بأكل ‘الكوشر’، أي الحلال، والذي يختلف شيئًا ما عن التحليل الإسلامي؛ فهم، رغم تشابه مسألة ذبح الكائنات الحية، إلا إنهم يذهبون إلى أكثر من ذلك، فقد شرعوا طرقًا لتجهيزه، وشرعوا أن يقوم إمامهم، أي الحاخام المحلي، بمباركة ما يأكلون وطريقة تحضيره.

عموما، هذا ليس صلب موضوعنا هنا. مرة أخرى، لقد عاش اليهود في أوروبا الشرقية؛ في بولندا، وروسيا، ويوكرانيا، إلى رومانيا ودول البلطيق. عاش اليهود في بريطانيا، وأسبانيا، وهولندا، وألمانيا. عاش اليهود، أيضاً، في الأمريكيتين، والهند، والصين، وحتى في منغوليا. ونعم، عاش اليهود في بلاد العرب، والشرق الأوسط. عاشوا في كل هذه الأماكن، ولما لا وهم أول التوحيديين؛ فاليهودية تعني المؤمن بالله وحده.

كرّر اليهود نفس السلوك الاجتماعي الخاص بهم، تجارياً، ودينياً، وحضارياً. في كل هذه الأماكن، كانت لهم عوامل وعناصر مشتركة، فلقد اهتموا بالتجارة والصيرفة، والإبداع الفني لبعضهم، إلا شئ واحد، لم يعيروه إهتماماً. فاليهود لم يبنوا مطبخًا، أي لم يكن لهم أكلهم الخاص بهم، وكما أردفت سالفاً، اكتفوا، فقط، بطرق تجهيزه، وكانوا يأكلون في معظم موائدهم، الأكل الشعبي المتاح بالأمكنة التي سكنوها، في ألـ’قتو’ في الغرب أو الحارات في الشرق، أي أكل الفقراء، كالبطاطا المسطحة المقلية في شرق أوروبا، ‘خرتشوقا’.

هذا لم يمنعهم من ممارسة تجارة الطعام، أي فتح مطاعم في الأمكنة التي سكنوها، أو جلب بعض أنواع الأكل من أمكنة أخرى، كانوا قد سكنوها سابقًا أو هُجروا منها، كجلبهم لأكلة ‘السمك المقلي والبطاطا المقلية (فش آند تشبس) من الأندلس وقرى المغرب المطلة على المحيط والمتوسط إلى بريطانيا. كذلك، استمر اليهود في تجارة الطعام حتى يومنا هذا، وفتحوا مطاعم سموها ‘مطاعم يهودية’، في كل مكان. ولكنك بمجرد أن تنظر إلى قائمة الموائد المباعة فيها، فأنك تجد أنها تحتوي على ‘الفلافل’، و’الشكشوكة’، والشُربة المغربية ‘الحريرة’، وكذلك الكسكسى، إلخ. لقد وجدت، خلال ترحالي الطويل، في إحدى هذه المطاعم ‘كسكسي يهودي’.

السؤال هنا، لماذا لم يبنِ اليهود مطبخهم الخاص بهم، كما فعل العرب، والطليان، والاغريق، والهنود والشعوب الآسيوية؟ والإجابة على هذا السؤال طويلة ولكن أهم ما فيها هو عدم شعورهم بالانتماء للأمكنة التي سكنوها بسبب اضطهاد الأغلبيات لهم في كل مكان سكنوه.

بناء المطبخ له علاقة بالهوية ويحتاج إلى عوامل استقرار، ضمن عوامل أخرى، كملكية الأرض والزرع والماشية والعلاقة الإجتماعية بالجغرافيا. لهذا، ولأسباب كثيرة أخرى، لم تبنِ الجاليات اليهودية مطبخًا واحدًا في أي مكان من العالم.

الآن، ويا ترى، ما الذي جعل البعض يعتقد أن يهود ليبيا كانوا كغير بني جلدتهم، ما الذي جعل البعض يعتقد أن يهود ليبيا هم من ابتكروا بعض الأكلات الليبية كالـ’حرايمي’، أو ‘المقروض’، أو ‘لقمة القاضي’، على سبيل المثال؟ الإجابة قد تكون في كونهم اشتغلوا في تجارة الأكل والطعام، أي استحداث مطاعم شعبية للأكل الشعبي، واستيراد بعض المشروبات الكحولية من شرق أوروبا كالـ’بوخا’ والتي سميت هكذا بناءً على قراءة ونطق لاتيني خاطئين للحرف الـ’سلافكي’, водка. 

إنه لا يوجد أي سند تاريخي يُظهر أن هناك أي علاقة بين الأكل الليبي ويهود ليبيا، إلا كونهم أحد الآكلين له، كباقي السكان. فالحرايمي مثلا، كانت أكلة البحارة، والذين كانوا يطبخون الأكلات السريعة، والذين جلهم من المهاجرين إلى ليبيا في فترات هجرات الغزوات.

اليوم، تحولت هذه الترّهات التي تسرق المطبخ الليبي من أهله؛ السكان الأصليين، إلى تأصيل تاريخي واهٍ. فلم يكن هناك ما يميز يهود ليبيا عن باقي يهود العالم، والطريقة الانطباعية في قراءة التاريخ هي سلوك أُمي، سماعي، وغير مسؤول، كالذين لايزالوا يطلقون اسم ‘كنيسية’ على جامع الدعوة؛ الجامع الثاني بعد الجامع الصغير الذي دمره المسيحيون الغزاة، وبالتحديد الحاكم العسكري ‘دي بونو’ وبمباركة القسيس الكاثوليكي ‘تونيزا’، المبرِّر الأول لجرائم الطليان تجاه الليبيين، لتُبنى على أنقاضه ‘كاتدرائية طرابلس’.

المطبخ الليبي له جذور عربية وجبالية وبعض من مهاجري المتوسط، وتنوعه له أُسس اجتماعية وبيئية، وليس للجالية اليهودية أي علاقة بتأسيس أي منه. و’الحرايمي’ حسب اللعنة هو أكلة ساحليّة، كما اللعنة.

مقالات ذات علاقة

بوصلة الصراع العالمي

علي بوخريص

غنّوا لنا.. وغنّى لهم قراءة في بعض أعمال الفنان أحمد فكرون

زياد العيساوي

“الشخصية الليبية” ودفاعات التكيف ــ 1

سالم العوكلي

اترك تعليق