من أعمال الفنان التشكيلي عادل جربوع
قصة

الحب يموت مرتين

إلتقاها صدفة بأحد الأسواق الشعبية تشتري ما يلزمها من الخضر والفاكهة وبرفقتها صبي يميل إلى الهزال وإن أخذ منها الكثير من تلك التقاسيم والملامح التي تعكس جمالها العربي الأصيل فالبشرة بيضاء يشوبها إسمرار محبب والشعر أسود فاحم وتينك العينين نجلاوان بل أن الغمازة عند ضحكه هي نفسها .

رنت إليه تحمل الكثير من الشوق والحب مادةً يداً مرتعشة قائلة بما يشبه الهمس :

– كيف حالك ياأستاذ صالح ؟ وأين أنت طوال السنين الماضية ؟

ابتلع المفاجأة بصعوبة وبصعوبة بالغة مد يده مسلماً ومتحسساً يدها التي كثيراً ما كانت تجد طريقها إلى يديه الغليظتين في خلواتهما في ما مضي .

لم يدر ماذا يقول أو بماذا يجيب فسؤالها يدل على جهل مُطبق بما حصل معه ، بل يبدو أنها لم تكلف نفسها عناء السؤال عنه بعد أن تركته تتقاذفه الأقدار وتزوجت بآخر مدعية بأنها لم تجد مفراً من الموافقة ، فقد وافق أهلها جميعهم سيما وأن العريس ذو منصب كبير ولديه من الأموال ما تعجز عنها النيران كما قال أحد إخوتها في معرض حديثه عن العريس .

كان ذلك أخر عهده بها فبعد زواجها لم يتمكن من تجاوز الأزمة خاصة وأن الكثير من الأماكن التي كان يرتادها كانت تذكّره بها فلم يحتمل البقاء ولم يجد مفراً من السفر خارج البلاد ليتجاوز المأساة ويتمكن أيضاً من جمع المال الذي كان سبباً في فقد حبيبته وقد لام نفسه كثيراً وكان يقول في قرارة نفسه لو عملت بصورة أفضل أو إنتهزت واستغليت كل الفرص التي أُتيحت لي لربما جمعت ثروة جعلت مني نداً لهذا العريس الجاهل لأنه لا يعلم بأنه تزوج من امرأة لا تكنُّ له مشاعر الحب وانما أراد فقط أن يضيفها إلى مقتنياته الثمينة ليس إلا .

إنتبه إلى أنها لا زالت تنتظر رده على سؤالها فقال :

Adel_Jarbo3_01

لقد كنت خارج الوطن منذ مدة طويلة ، أنت تدركين بلا شك أن ما حصل معي كان أكبر من إحتمالي ولم أطق المكوث فآثرت السفر إلى الخارج وأبتعد عن كل تلك الأطلال التي تزيد من عذابي ثم رمق الطفل بنظرة فاحصة تحمل الكثير من المودة مردفاً :

– أهذا إبنك إنه يحمل الكثير منك ثم أضاف بنبرة أقل حدة كان يمكن أن يكون إبننا ، هل لك من الأبناء غيره ؟ .

أشاحت بوجهها إلى الناحية الأخرى حتى لا ير إنفعالها قائلة بصوت متهدج :

– ليس لي غيره فقد وافت المنية زوجي بعد أن أنجبته بفترة قصيرة وأنت ترى الآن كيف أني خسرتكما معاً وقد سألت عنك بعض المعارف وقيل لي أنك لم تعد موجوداً في البلاد ، كنت أريد أن ندفن الماضي معاً وننطلق من جديد لنبدأ حياة نعوَّض بها ما فاتنا .

قال وهو يحاول أن يكظم غيضه :

– الحقيقة أن ما فات لن يعوض بأي حال من الأحوال وخسارتي كانت كبيرة فأنت قد عشت حياتك مع زوجك الراحل كيف ما إتفق ولابد أنه كانت لك معه أياماً بهيجة ولك منه طفل سيحمل إسمه إلى الأبد وسيكون عوناً لك على الحياة أما أنا فقد ضقت المرارة ولم أتزوج لقناعتي بأني لن أكون سعيداً مع غيرك ولا أريد أن أظلم من سأتزوجها لأني متعلق بغيرها والآن لن يكون لي سند حتى مع ما جمعته من الأموال لذلك أشعر بالأسى على نفسي وعلى ما أهدرت من سنين عمري ، أنت أنهيت حبنا مرة وأنا أنهيه مرة أخرى والآن الوداع ثم التفت إلى الناحية الاخرى منطلقاً في حال سبيله تاركاً إياها ودموعها تنهمر مدراراً شاعراً بأنه قد رُد له إعتباره .

مقالات ذات علاقة

خـبـزة الـبـخـت…

فهيمة الشريف

فأر المكتبة…

أحمد يوسف عقيلة

النبوءة

اترك تعليق