المقالة

الحب في الروايات

عيشة بنت الحوات.. من أعمال التشكيلية نجلاء الشفتري.

شكري الميدي

العلاقات العاطفية في الروايات تغدو مفهومة فجأة، في حالة خروج من واحدة وهذا وضع غير مبشر لمن يريد تجربة هذا الفهم الصوفي، من ناحية هي مسألة صعبة وعويصة وتشبه عملية نزوح واسعة، تأتي دوماً في لحظة غير متوقعة، ويجب الإخلاء على عجل، من ناحية أخرى قد تكون طويلة وقاسية، ممتعة لمازوخي يحب الاستماع لأغاني الهجران والشوق، تفاصيل حميمية لشخص مثل أورهان باموق، فأحد العشاق في رواياته، خلق متحفاً بأسره من حاجيات سرقها من محيط محبوبته. قيس ليلى بلا شك سيعتبر هذا مثيراً للاهتمام.

أول صدمة لي في عالم الخيال، حدثتْ بقراءة ألف ليلة وليلة، الكتاب مليء بقصص العشق المأسوية، في واحدة انتحر المحبوب مع محبوبته حرقاً، وفي أخرى فقد المحبوب يده لاضطراره للسرقة من أجل إعالة معشوقته، نظرا نظرة أعقبتها ألف حسرة وحسرة، وفيها قصة المتيم المسلوب، وجد نفسه مذهولاً في “عشق مستحيل” مع جارية هارون الرشيد، أضطر لقمع عشقه في عملية إخصاء مؤلمة، مشاعر عاشها الشيخ غوما في رباعية الخسوف لإبراهيم لكوني، عندما قمع عشقه لباتا التي ستغوي ابن الشيخ غوما وحفيده أيضاً قبل أن تصل لنهاية مأسوية تولستوية، لا تختلف كثيراً عن ما حدث لآنا كارنينا.

تمر السنين ولا يمكنني نسيان مشاعري حيال قوت القلوب وباتا وجاك بارنز، بطل همنغواي، العائد من الحرب، مصابا بالعنة، بالتالي معزولاً عن محبوبته، وهي تمثل “نفسية همنغواي” العاجز عن الحب.

الأدب يغص بالعلاقات العاطفية المذهلة والناجحة، بينلوب في قصائد هوميروس انتظرتْ زوجها أوديسيسوس لعقدين، واجه خلالها الآلهة عائداً لمحبوبته، بمساعدة الإلهة أثينا، في الأدب الحديث فعل ماركيز أمراً مشابهاً، فلورنثيو أرثا صعق بجمال فيرمينا داثا، في روايات غارسيا ماركيز، يولد الحب من النظرة الأولى، استمتعا للحظة ثم تحولتْ لمأساة، وافترقا خمسين سنة. تجربة هومرية خالصة.

عشرات القصص المماثلة، تعيش في صفحات أغلب الكتب الأدبية، لكنها مشاعر غامضة للقراء، أنت لا تقرأ الروايات لتتعلم الحب دوماً، بل تقرأها في أحياناً، لأجل أن تتذكر وتتفهم ما حدث معك بالفعل، فالعلاقات العاطفية في الروايات تغدو مفهومة، لدى الخروج من واحدة.

مقالات ذات علاقة

من القبلية إلى المواطنة .. متى؟

محمد محمد المفتي

طرابلس.. محنة أو “لعنة” العاصمة

سالم أبوظهير

إلى محمد حسن في يوم الوداع: “يسلّم عليك العڨل”

المشرف العام

اترك تعليق