حوارات

الحبيب الأمين من شاعر يكتب باسم مستعار خوفا من قمع النظام إلى وزير للثقافة في ليبيا الثورة

وكالة أنباء الشعر- ولاء عبدالله

ارتياح كبير يعم الأوساط الثقافية للجارة الشقيقة “ليبيا” لاختيار الشاعر “الحبيب الأمين” وزيرا للثقافة في أول حكومة منتخبة فعليا في ليبيا الثورة برئاسة “علي زيدان”.

حيث يؤكد المثقفون الليبيون على أهمية اختيار الأمين وهو واحد منهم، قائلين :”لأول مرة يأتي وزيرا للثقافة منا ومعبر عن تطلعاتنا”.

الشاعر_الحبيب الأمين

وقد عانى المثقفون الليبيون كثيرا كما عانى الشعب الليبي أيضا خلال فترة حكم القذافي، التي كانت بمثابة تجريف لثورات ليبيا البشرية والمادية، وخلال هذه الفترة كانت سياسية “تكميم الأفواه” هي الطريق الأمثل للنظام الليبي خاصة بالنسبة للمثقفين الفاعلين، فقصفت أقلام وغيب الكثير من المبدعين الليبيين في غياهب السجون، وسجن آخرون داخل سجن الوطن الكبير، وغيرها من الأمور التي ظلت تضيق الحصار على المثقف والمواطن بلا استثناء.

لكن مع بداية رياح الربيع بدأت الشرارة الليبية وكان وزير الثقافة الحالي الشاعر الحبيب الأمين أحد الدعاة لهذه الثورة حيث يقول:” خلال متابعتي لما يجري في تونس كتبت (ما أحوجنا لذلك في بلادي) وكنت أقصده بقوة”، وليس هذا فحسب بل كتب في 14 فبراير مقالا ثوريا عنوانه “أجراس على قارعة الصفر” كان من بين ما جاء فيه :

“إن الشعب الليبي المحروم والمحاصر, الضائع على مفارق الحياة بهوية شائهة وحقوق مصادرة وتطلعات محجوبة، لهو أحوج ما يكون للحرية كجواز سفر وللثورة السلمية من قاع الجب إلى شوارع الكشف في تظاهرات ترفع سقف المطلبية بوجه حكومته الجائرة ونظامها, كي يسمع صوته وتنفذ مطالبه بشكل فوري وعاجل, فلقد صبر الليبيون صبر كل الشعوب مجتمعة وعاني بكل شرائحه وفئاته من التهميش والتجريد من التعقيم والتعليب لعدة عقود.

كان للركود آسن البرك وللقمع صولات وجولات وكان الصمم قصفا وعصفا بوجه كل صدر يطلق الأنين أو لسان يفصح بالحق المبين أو عن مكنون ران بالباطن ولو كان معقول الطلب محدود الكلفة, كان التخوين وصمة وكانت العمالة بصمة دائمة على صحف الاتهام, فهل كان لكل هذا التكميم والتعتيم والقمع من جدوى وهل أتى بالفردوس الفريد والحياة الرغيدة لأبناء ليبيا ؟؟ “.

وقد كان المقال الثوري الحماسي للحبيب الأمين ابن “مصراتة” -مدينة العلماء والمبدعين الليبية العامرة- سببا في اعتقاله ومجموعة كبيرة من المثقفين الليبين، في أول خطوة استباقية لنظام القذافي ، وفي السجن كان الأمين على موعد مع تنفيذ حكم الإعدام، وبالفعل ارتدى “البدلة الحمراء”، لكن يحصل الليبيون على استقلال من نظام القذافي ويخرج الحبيب ورفاقه من المبدعين الذين وقعوا في أسر النظام القمعي، وتحتفل ليبيا بنصرها، ويصبح الشاعر “الحبيب الأمين” بعد ما يقارب العامين وزيرا للثقافة في بلاده ليبدأ مشوار تشاركي مع المثقفين الليبيين في طريق الإصلاح الثقافي في بلاده.

قبل أقل من عام وخلال فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب كان “الحبيب الأمين” حاضرا ضمن وفد من المثقفين الليبيين حضروا للمشاركة في فعاليات المعرض، وعلى هامشه أقاموا عددا من الفعاليات كان من بينها ندوة شهادات لمبدعين ليبيين تحت عنوان “حبر ودم” والتي كان وزير الثقافة الجديد أول المشاركين فيها وتحدث خلالها عن الثقافة والثورة عن ليبيا المقموعة، وليبيا بعد الثورة، وآماله لها.

وفي كلمته أشار إلى درجة التحدي السافر التي عاناها المثقف الليبي في مشواره خلال فترة حكم القذافي، مشيرا إلى أن شهادته قد تأتي متواضعة إلى جوار تضحيات الكثير من الليبيين على مدار فترة حكم العقيد، فهناك من قدم نفسه وقدم روحه، و ليبيا قدمت قافلة من الشهداء والمناضلين من أصحاب الرأي والمثقفين، فقد عانت بلاده كثيرا من نظام القذافي، ، حتى وصل به الأمر في النهاية إلى ما رأيناه من نهاية له، والتي لم تكن من صنيعه الشعب الليبي ولكنها كانت صنيعة ما فعل، وقدر الذي قدمه للشعب، فهو وعلى مدار أربعة عقود يحكم الليبيين بالحديد والنار، سنوات حارب فيها الإبداع والعقول بشتى الطرق والوسائل، وغيب العقل.

وأكد الأمين في شهادته التي قدمها بروح شاعرية واصفا فيها ما عاناه الشعب الليبي من نظام العقيد خلال الفترة الماضية مؤكدا أنه حاصر الليبيين في العيش، والحياة، فالنظام كما يراه كان عادلا بين أبناء الشعب الليبي بكافة أطيافه فقد عمل على أن يعدل في توزيع الظلم بالتساوي على أبناء الشعب،

وقد تطرق الحبيب في حديثه إلى الثقافة مؤكدا على أن الإبداع الليبي كأي إبداع آخر، فالإبداع بلا جغرافيا، ولا جنسية، مهما اختلفت بلده وتغير منشأه فهو واحد، موضحا أن ليبيا بها العديد من المبدعين المتميزين في كافة المجالات لكن القذافي وآلته الإعلامية، ومحاولاته الدائمة في أن يظهر وحده ويتصدر المشهد، فكان يتم تصديره هو بشكل أكبر، في حين أن ليبيا لم تخل من الإبداع، ويشير على سبيل المثال إلى مدينة مصراته في 1916 كان بها حوالي خمس صحف، في حين خلال حكم القذافي ظلت المدينة بلا صحف حتى سنوات قليلة ظهرت صحف لكنها عرجاء، عجفاء، وهذه هي الحقيقة، فالمبدعين هجروا و حوصروا أو وضعوا في السجون، أو غيبوا وراء الشمس.

ويوضح الحبيب أن ليبيا عرفت السجن السياسي في فترة السبعينيات، ووضع القذافي المبدعين والمثقفين في سجون ومنهم من قضى عشرات السنين خلف أسوار السجن، وكان القذافي يغيب الابداع ويحاول طمسه من حياة الناس، فكان نظام شرس جدا، وكان قادرا على شراء الصحف والشخصيات، بل والدول، ويقف خلفه جهاز مخابرات بشع وشرس جدا، والذي بدأ يحلل الحرف والكلمة، ولا عجب ان قلت أن هناك كلمات مُنع الليبيون من قولها، وكانت من بينها “ليبيا”، ومن يعيد وسائل الإعلام الليبية يجد أنها لا تحتوي كلمة ليبيا، وكان التعامل مع الإبداع يدار بصورة قمعية شديدة جدا، فكان المحيطون به يعملون ويفندون الإبداع برؤاهم الجبارة حتى في قراءات للوحة مثلا يقدمها فنان، فيقرأها هؤلاء وفقا لهواهم.

وعلى جانب الشعر يؤكد أن النصوص الشعرية كانت هي الأخرى محاصرة، وكان النخبة لا يستطيع التواصل بالكلمة المباشرة مع جمهوره ومن يفعل يوضع تحت سندان مطرقتهم، فكان الشاعر يلجأ للرمز وللمواراة للحول بينه وبين السجن والتعذيب والقهر، ومع ذلك فقد ظلت النصوص في محاولات دؤوبة من قبل الشعراء للوصول في النهاية إلى الشعب.

ويشير إلى أن انتشار الفن والثقافة والإبداع الليبي ظل محاصرا ولا يستطيع المبدع الليبي أن يحلق في فضاءات وعواصم الفكر العربية، لأنه ما أن يكشف عن إبداعه الحقيقي وعن حضوره حتى يتحول إلى عدو، فكان القذافي ما أن يكتشف مثقفا صاحب إبداع حقيقي في ليبيا حتى يحاربه ويغيبه، في حين أنه كان يصر على ملاقاة المثقفين في كل بلد عربي يزوره،

ويؤكد أيضا أن القذافي ومن خلال الصورة النمطية التي صدرها عن الليبي للعالم، كان الليبي يعاني ويلات العامل معه في الموانئ والمطارات الدولية وكأنه إرهابي.

وأشار الأمين إلى الفضاء الرحب الذي فتحه الانترنت للكتاب الليبيين الذين ومع هذه الثورة المعلوماتية انطلقوا للتواصل مع الآخر عبر الانترنت، ومنها بدأ المثقفون الليبيون في مناقشة الرؤى وفي طرح القضايا ، كما أنه فتح مساحات ومجالات الكتابة، فكان البعض من الكتاب الليبيين ينشرون رؤاهم وإبداعاتهم حتى التي تمس القذافي وتنتقده بأسماء مستعارة، كاشفا عن اسمه المستعار الذي كان يذيل به مقالاته الحادة، وقصائده التي تنتقد القذافي، إذا لا يمكن أن يكتب نصا يضع به اصبعه في عين القذافي بدون أن يذكر اسمه المستعار والذي كان “أيمن الحباب”، والذي جاء باقتراح من صديق مناضل ليبي، وبه استطاع الكتابة عن العديد من القضايا، وإضافة إلى هذا فقد كتب اسمه أيضا في عدة موضوعات واضحة، لكنه لم يكن ليستطيع أن يتجاوز فيها.

ويوضح أن المثقفين في ليبيا كانوا يقدمون محاولات من قبلهم على مدار السنوات الماضية وهم على يقين أنها ستأتي بمردود وإن لم يكن مباشر، وأنها ستأتي بمردود وتصل إلى شباب (الجينز،والبنطلون الساقط) رغم أن البعض كان على يقين بأنهم لن يتغيروا ولن يتحركوا، حتى ذهب بالبعض إلى القول له بأنه ينفخ في الرماد، وأن الشعب الليبي لن يتغير، والقذافي عائلته وراءه، لكنه كان على يقين أن الشعب هو الذي يصنع قدره.

وعن الثورة قال:” حدد 17 فبراير كموعد لثورة سلمية لم نكن نفكر في حمل السلاح لكن هذا النظام الشرس هو الذي أجبرهم، وخرج عليهم بوابل من أمطار الرصاص، والكاتيوشا والهاون، استخدم آلة للفناء ضد شعبه، وهو الذي أجبرهم على حمل السلاح في مواجهتهم، وكان هو أيضا من قبل من أجبر البعض على إشهار الريشة والأوراق في وجهه، فهؤلاء الذين كانوا يتخذون الكلمة وسيلة للتعبير عن القهر، هاهو وقد جبرهم من جديد على أن يحملوا السلاح، وأن يدركوا أن إزاحته لن تتم إلا بلغة يعرفها جيدا.

وقد كتب مقاله “أجراس على قارعة الصفر” نشرت في 14 فبراير وغير حتى صورته على الفيس ليؤكد أن الوقت قد اقترب، وأن ثورتان عن يمين وعن شمال قد نجحتا، وكتب بيان في الفيس بوك ودعا المناضلين الليبيين بالخروج، ومباركة الثورة كل في مكانه حتى لو قطع الانترنت، لكن في يوم 15 فبراير تم القبض على بعض النشطاء وكان من بينهم”إدريس المسماري”، وفي اليوم التالي، جاءت مخابرات القذافي لاعتقاله، ومن مصراته نقل للسجن في طرابلس وهناك قابل بعض المدونين والمثقفين وبقوا في السجن عدة أشهر وهم لا يعرفون شيئا عما يجري خارجا حتى جاءت بعض الوفود التي جلبت من المنطقة الشرقية، وأخبروهم بما تجنيه الثورة من ثمار، إلى يوم 24-8 عندما دخل الثوار إلى هذا السجن البشع المروع، “بو سليم” وخرجوا في ذلك اليوم، وأصر الثوار أن يدخلوا بهم إلى ميدان الشهداء(الساحة الخضراء سابقا) وأصروا أن يقفوا الكتاب التسعة على المنصة وسلموهم أسلحة ليطلقوا النار ويحتفلوا جميعا بذهاب الطاغية إلى غير رجعة.

واليوم فإن الشاعر الذي عانى ويلات القهر والقمع، يجلس الآن على كرسي صنع القرار “وزيرا للثقافة” في بلاده، وينتظر منه أصدقاؤه من مثقفي ليبيا أن يقوم بإصلاحات ثقافية طالما نشدها الجميع، وتمنوا حدوثها على مدار عقود مضت، مطالبين بحرية في الفكر والإبداع، وبمؤسسات ثقافية تفتح الباب للثقافة كقائد للتغيير في ليبيا المستقبل، وتصدر المثقفين والمبدعين الليبيين إلى العالم وتؤكد للعالم بأسره أن ليبيا بها ثقافة فاعلة وقادرة على تجاوز الحدود.

مقالات ذات علاقة

يوسف السيفاو: التشكيل الليبي بحاجة إلى مدونة توثقه

خلود الفلاح

عائشة إدريس المغربي: شعرت أنني أملك منذ صغري حدسا تجاه الأشياء والكون

المشرف العام

الشاعرة الروائية “عزة سمهود”: نحتاج للتخلص من المجاملات، وتغيير الدماء في شرايين و أروقة الثقافة

حنان كابو

اترك تعليق