من أعمال التشكيلي رضوان أبوشويشة
قصة

الجهة القديمة للريح

مأمون الزائدي

لايتوجب التفكير بالسعادة لانها تجتذب الشيطان.

                                         غوستاف فلوبير

Radwan_Abosjwisha_01

دأب المكتب السياحي الوطني ضمن برنامج السياحة السوداء (وهي تقليعة لاتزال رائجة حتى هذه الأيام) ومنذ تم انشائه على تدبير رحلات سياحية نحو أماكن الموت والخراب ومواقع المذابح والمجازر فشملت خارطته أماكن كمفاعل تشرنوبل وساحة الثالث من مايو بمدريد1 وأفران الغاز الألمانية وحقول القتل في كمبوديا ومخيم شاتيلا في لبنان وأماكن أخرى.

كان المكتب السياحي يختار صحافيين موهوبين لإرسالهم الى هناك وعند عودتهم كان يجرى مسابقة لاختيار الأفضل بينهم حتى يتأهل للسفر الى جهات أخرى أكثر جاذبية كحيد الحلم البحري أو إحدى مدن البكاء أو ينابيع الغش الطبيعية الفوارة. ويقال انه ينسق حاليا في اعتماد مواقع جديدة كصحراء الشك أو حدائق الحقد المقدسة.

وصلت ضمن البرنامج المقرر الى دولة الحزن ومأوى الريح وبعد الإجراءات الروتينية في المطار كان المفترض ان يقلني المرشد السياحي الى مدينة البكاء وهي رحلة لا تستغرق سوى بضع ساعات بالحافلة حسب قراءاتي اما بالسيارة فيمكن وصولها بأسرع من ذلك. انهيت الإجراءات وخرجت الى الصالة حيث كان بانتظاري يلوح بلافتة كتب عليها اسمي تبادلنا التحيات ثم صعدت الى السيارة وانطلقنا.

في الطريق تبادلنا حوارا قصيرا عن الطقس المغيم والهواء الأصفر الكئيب الذي يسوده وشاهدت من نافذة السيارة وهي تشق طريقها الترابي مغادرة منطقة المطار حشودا من البشر تتجول بكأبة واضحة وتتنقل بتثاقل مثير للشفقة فسألت سائقي كيف يمكنهم تدبر العيش وسط هذا الغم الفادح الذي يتنشقونه كل يوم في مدينة لا تزورها الشمس ولا تنبت فيها الازهار. فأبتسم ببطء وزفر كلماته دون ود عاداً ذلك مسألة هوية وشأن قومي بل انه اعتبر ان المؤامرات التي تحاك في الخفاء ضدهم ونشر الشائعات الكاذبة كإحصائيات حالات الانتحار والحديث عن عرض وهم الاكتئاب الفردوسي الذي تشيع جامعات خارجية خرافة كونه داءً مستوطنا انما كل ذلك من قبيل الأقلمة والعولمة وما يحاك ضد الشعوب كما هو معروف ثم أردف قائلا:

 – نحن سنعبر الان حقول زهرة القديس جون2. انظر من حولك. ادرت رأسي فوجدت الاخضرار الداكن لتلك العشبة بزهرتها الصفراء المميزة تمتد مزروعة في صفوف لا متناهية منتظمة ينتشر فيها عدد قليل من العمال حاملين سلالهم الصغيرة وسكاكين القطف.

– كما ترى هذه نتائج ما كنت احدثك عنه.. مزودين ببحوث مريبة وأفكار شعبية ينعم هؤلاء المستثمرين بحصاد وفير وتجارة مزدهرة حيث يشيعون ان لهذه الزهرة مفعولا مضادا للحزن والاكتئاب انهم يحاولون كالعادة تدمير البنية الزراعية التقليدية لصالحهم كما حصل مع زراعة المطاط واشجار الكاكاو في بلدان أخرى كما وأنك تعلم.

     ترامت الحقول أمامي على جهتي الطريق وبدا أنها لانهائية ولسبب ما لم يبهجني ذلك الاخضرار الذي بدا لي بعدها شاحبا بسبب الارتباع3.

– ولكنكم دولة ناشئة واقتصادكم في طور النمو. وهذا يوفر  لكم فرص عمل.

– لسنا دولة ناشئة دعني اصحح لك. نحن أمة عريقة وموجودون منذ بدء الخليقة لدينا تاريخ طويل وتراث لامتناهي. جدنا أدم كان أول مواطن في هذه الجمهورية كان حزينا حقيقيا ومواطنا من الدرجة الأولى حيث ظل يبكي لأربعين سنة. ان عدد مواطنينا أكثر من أي دولة على سطح الأرض الا انهم ينتشرون في كل مكان ويصر الكثيرون منهم على التمسك بجنسيات أماكن ولادتهم. صدقني لا معنى لما يحصل ابدا. في الماضي كانت جداتنا وامهاتنا حزينات ورائعات على الدوام وعندما يتفاقم الامر كن ينادين جارتهن واقاربهن وينخرطن في نوبة بكاء جماعية مهيبة كنا نتحلق حولهن وحين ينحدر سيل دموعهن كنا نقذف بأنفسنا فيه ونستحم ونغتسل وحالما ينتهين كان كل شيء يعود نظيفا وجديدا. الرجال كذلك كانوا في أماكن منزوية يبكون بحرقة شديدة وصمت وكنا نسمع نشيجهم وعويلهم المتخافت ثم بعدها يتمخطون ويهدأون يفركون عيونهم ويشعلون سجائرهم نافثين دخانها براحة كبيرة. كنا نتدبر امورنا بصورة جيدة. تراثنا الشعبي ملئ بالأمثال مثل ليس من لا يبكي سوى خشبة. وان جفت عينك جف قلبك.

– لاريب ان ذلك تغير الان. جعلني أرد بحسرة.

– نعم …ما جدوى ان تنتج علاجا للحزن بطريقة تنتج فيها الحزن نفسه؟ الجدوى الوحيدة لذلك هو الأرباح التي ستجنيها لنفسك. لازال كبار السن ولنحمد الله يتمسكون بالعادات ويصرون على نقلها الى الأجيال اللاحقة وهذا حسن جدا. على جدول مواعيدك لقاء مع عمدة البلدية وسيحدثك أكثر عن الإجراءات التي يتدبر اتخاذها في المدينة من اجل الحفاظ على هويتنا من الاندثار والمحو. مدينة البكاء التي يتولى عمادتها المدينة القديمة والأولى في البلاد قبل بناء هذه المدن الحديثة الأخرى.

    وصلنا الى المدينة التي لم تكن كما تصورتها تتشح بالسواد ويتعالى فيها صوت البكاء المكلوم والعويل والنشيج بكل بؤس ممكن، بل كانت اقل تراجيديا وأكثر اتزاننا. موطن البكاء ذاك كان حزنه دفينا ومتأصلا حيث يعد فنا راقيا من فنون البقاء.

     ركن السائق السيارة امام الفندق فتركته ينزل الحقائب ودخلت .كان كل شيء معدا سلفا وفيما استلم مفتاح غرفتي من مكتب الاستقبال قال السائق انه سيتركني ارتاح ليلتي هذه وسياتي في الغد صباحا ليصحبني حسب الجدول تمنى لي ليلة سعيدة وغادر فصعدت الى غرفتي لأنام.

     كانت الغرفة متواضعة وليست مزودة بتلفزيون فلصوص المكتب الوطني لا يرأفون بأحد، غالبا ما اعتقد ان البيروقراطية هي أكبر مولد للصوص وأن غول الفساد يلتقم ثدييها العامرين حالما يعتريه دوار الجوع. دخلت الى الحمام أخذت دوشا باردا وخرجت تناولت جهازي المحمول وحاولت البحث عن كابل الانترنت او ورقة كلمة سر الواي فاى وباءت جهودي بلا شيء اللصوص كما أسلفت اختزلوا هذه المبهجة في شكل بلاط سيراميكى في أحد منازلهم أو ربما قرط في أذان زوجاتهم.

     اعدت الجهاز الى مكانه واتكأت متأملا السقف تسللت الى أذني موسيقى ناي الدودوك 4 الارمينية الشجية فأخذتني تحسراتها وتنهدها المفجوع وتسربت الى داخلي. كيف يمكن للحزن ان يكون على هذا القدر من الجمال وان يكون عفيا وصافيا هكذا مثل صباح شتوي. وغفوت مثل طفل.

     في الصباح جاء المرشد كما وعد وخرجنا مشيا ً نحو مكتب البلدية حيث ينتظرني العمدة ومواعيد أخرى. تمشينا في الشوارع التي كان يطبق عليها صمت شديد وتكاد تخلو من المارة سوى بعضهم هنا وهناك، اغلب المحال التجارية مغلقة وبعضها موارب بعض العجائز كن يمضين في طريقهن دون هدف وقد أفضى بهن الحزن الى العمى والعته والامنيزيا5

– كما ترى يقضى معظم السكان اوقاتهم حبيسوا منازلهم .الاكتئاب الشديد والغم الوجودي يفتك بالكثيرين منهم. تحاول البلدية تحسين الخدمات الصحية وخدمات الاتصال كي لا ينتهي بهم الامر الى الموت. يمكنك قضاء الكثير من الأمور وانت جالس في وعثاء بيتك كما سيشرح لك العمدة أيضا.

– والأطفال …تساءلت وانا ألهث من رعب اجابته المتوقعة.

– ها هم. انظر هناك…

     على قارعة الرصيف كان صبية صغار ذوو مظهر كث يفترشون الأرض أمام حصائر تتكوم فيها بالونات متسخة تحوي سائل شبه رائق.  توجهت نحوهم فهرعوا يحملون بالوناتهم وهم يتصايحون كانت ملامحهم متحجرة من البؤس وفظاعة العيش. دفعني رفيقي واستحثني على المغادرة

– انهم يبيعون دموعا رخيصة وربما تكون ملوثة لا تشتري منهم…ثم أخذ ينهرهم ويفرقهم.

– حينما ينفذ دمع الانسان ولايجد دموعا فانه يشتريها لو استطاع .هذا ما كان يحصل منذ الازل. فى الماضي كانت نسوة بارعات يشرفن على عملية الإنتاج والتسويق بصورة تقليدية وكان الامر مأموناً تماما ..اما الان وفى ظل الأفكار الاقتصادية الوافدة والتي هي تسويق للفقر والذى كما تعلم هو الأخ الشقيق للموت . اخذت بعض العائلات يدفعها العوز الى دفع اطفالها الى بيع الدموع  لجلب بعض المال. كانت النسوة القديمات يفعلن ذلك ويستدررن دموعهن باستحضار الموتى والذكريات والغائبون او بمجرد التأمل والتفكير وحينما يفشلن كن يلجئن لتقطيع البصل او نباتات أخرى وللأمانة كن يبعن دموع البصل المفتعلة بسعر أقل. هؤلاء الاوغاد الان اتعلم كيف يدفعون أولادهم الى البكاء؟ بالضرب انهم ينهالون عليهم بالضرب والعض والقرص. تحارب البلدية ذلك دون جدوى. هناك عدو جديد يفتك بهم وهو العوز. الحاجة. لقد ضاعت تلك الأيام التي كنا نبكي فيها بسبب الحزن فقط.

     أشحت بصري بعيدا عن تلك الطفولة المنحوسة ولأول مرة منذ وطئت المكان شعرت بدموع تكاد تطفر من عيني فقاومتها ومططت وجهي بابتسامة من بلاستيك..

– الفقر …نعم …أول مذيب عضوي وجد على الأرض.

– ابائهم يعملون في حقول الازهار وامهاتهم واخواتهم في مصانع البلدية ولكن دون طائل …الاجور دوما زهيدة. ها نحن قد وصلنا.

     ارتفع امامي مبنى البلدية مكونا من بضعة طوابق من طراز معماري غربي ربما بقي من حقب الاحتلال القديمة تساءلت وسط هذا (الإطار العام) كيف يمكن صوغ سياسات لا تكون امتدادا اعزل لسياسات كان يتكلمها البارود. دون ان يرعوى او يتئد.

     على درج المدخل كان المرافق الانيق  يمد يده النحيلة مرحبا وهو يقتادني الى مكتب العمدة.

     داخل قاعة المكتب المهيبة استغرقت عدة خطوات واسعة لأصل الى المكتب الذي لبث خلفه رجل ضئيل الجسم بشعر غير منسق وثياب عادية ما ان اقتربت منه حتى رفع عينيه نحوي مشيرا لي بالجلوس .نظرة عينيه كانت شديدة الفراغ ومنها قد تطل على المأساة مباشرة كما خطر لي ان أتصور. جمع يديه امام وجهه منتظرا جلوسي ثم بادرني بالحديث :

–  نرحب بك هنا ، كما  قد تعلم هنا اخر مكان في العالم تجد فيه شيئا من البهجة ، لا اعنى انه يطبق علينا  الحزن  تماما ولكن بطريقة ما ما نعتبره مبهجا ومفرحا يعتبره غيرنا غاية في السواد والقتامة .ولكى لا ا طيل عليك دعني اتصفح معك الخطة البلدية لتمجيد البكاء واغناء الحزن واحياء تراث الاسلاف الذين مضوا ، مع محاولة المختصين والخبراء لدينا إضفاء مسحة الحداثة على الموضوع .. فنحن في عصر العولمة وتوحيد الثقافات بحاجة ماسة الى اذكاء عناصرنا القومية   بما يمكنه ان يجعلها موضوع مشاركة مع الاخرين. هناك الهم الإنساني المشترك وهذا ما نحاول ان نعمل عليه. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لدينا همومنا المحلية ومشاكلنا التي سنكون بصدد التصدي لها حالما نفرغ من مهمتنا الأولى .الا ان هناك عائقا يعترض المساعي الحثيثة التي نبذلها وخصوصا على المستوى الاقتصادي ، فمنتجاتنا لا تروج جيدا في الوقت الراهن كما كانت في الماضي.

 لسبب لا نعلمه ولكنه قيد بحوثنا حاليا يعزف الناس عن الحزن والشعور بمتعة الحزن لقد اخذوا منذ سنوات عديدة يهربون من هذا التعتق النفسي الجميل نحو قنوات أخرى اما لمنع الحزن او لتصريفه دون نضج ولهذا مضار صحية بالإضافة الى ما قلته عن المنتجات .هل تصدق انهم يتجهون الى أماكن كالغضب والعنف بل واثارة الحروب بدلا من الخلود لمدة محددة والاستسلام للحزن .أي جنون هذا الذى يفعلونه..

– سيادة العمدة هل لك ان تحدثني بتفاصيل أكثر…

– نعم …سأخبرك…تعتمد سياستنا على فلسفة مؤداها ان الحزن هو مرحلة بين الولادة والموت وهو مثلهما قد يفضي الى الولادة كما قد يفضي الى الموت كما يفضي كل منهما الى الاخر. وكما هو دورنا ان نحافظ على استمرار الحياة حيثما تكون ممكنة فان دورنا هو افساح المجال للموت بطيبة خاطر عندما يكون ذلك الممكن الوحيد. اعترف اننا اقل مساوة بين الحقين في الحدوث فنحين بطبيعة الحال نميل الى الحياة أكثر ولهذا نطور مجموعة من الأساليب التي يمكن بها ان نمنع الحزن من انتزاع الحياة طالما استطعنا ذلك. هل تتابعني؟

– نعم …ولكن لا تقل لي انكم تعتبرون الحزن والأسى أسلوب حياة؟

– حسنا …قد يصدمك قول اننا نعتبره كذلك…

– اسمح لى ان اقاطعك.. ولكنى كيف يمكن تدبر العيش بصورة ممضه والم رهيب يعتصر قلبك كيف يمكنك التفكير والتصرف بصورة سليمة؟

– لا داعى للتفكير استسلم للحزن فقط وعندما تصل الى حد احتمالك النهائي يمكن الاتصال برقم الخدمات المختص…أسمعني جيدا ليس الحزن كما يقول المختصون سوى انخفاض عابرافي مستوى مادة السيروتينين6 في دماغك. وكما ولابد أنك تعرف فان قطعة جيدة من الشكولاتة الحقيقية السوداء او كوب كاكاو دافئ يمكنه ان يدع تلك المستويات ترتفع. مستويات كل الأشياء سواء أكانت داخل جسم الانسان او خارجه ترتفع وتنخفض وليس ذلك بالشيء المفاجئ او الغريب بالطبع هناك أشياء -إذا أصرينا على استعمال هذه الكلمة -نتصرف نحو حركتها بصور مختلفة ولكن ما قصدته هو إعادة الاعتبار للحزن باعتباره شعورا حقيقيا ونبيلا وليس كابوسا او بوابة للموات.

    الكثير من علماء البيولوجيا يتحدثون عن كأبة الشتاء7 وتلك الأوقات التي تنحدر فيها روحنا المعنوية الى مستو متدني ويعزون السبب الى انخفاض معدلات الإضاءة أو بطء الايض المترافق مع البرد والسرعة في خزن الدهن لماذا يا ترى؟ انه سبب طبيعي انه أصلنا الذي نشترك فيه مع غيرنا من الثدييات التي في الشتاء يحين بياتها الشتوي انه الحل المناسب حتى يختفي البرد القارس والثلج وتعود الأرض لتكتسي بالعشب الذي يشكل عنصرا في السلسلة الغذائية العواشب تتغذى عليه واللواحم تتغذى على العواشب وهكذا…أرأيت؟ الاكتئاب هو رد فعل طبيعي ..فمن المجنون الذى يريد ان يلوى عنق الطبيعة ويرش السموم في طريقها؟ هل هو سليم العقل؟ كلا …ليس سوى مهووس باحث عن المال…

– سيدى هذا عن الاكتئاب الدوري8 وهو ليس ذو شأن لكثير من الناس وقد يمر دون ان يلاحظونه…ماذا لديكم للحزن ومشاعر الاسى بشكل عام.؟

– تلك الناجمة عن الفقد؟ الناجمة عن الموت ..؟  هذا شيء عادي جدا ..لماذا نعتبر الخسارة مؤلمة وهى الوجه الاخر للربح؟ أي مصداقية هذه؟ الخسارة هي شيء يجب تقبله بصدر رحب. ان ما يجعلها صعبة الاحتمال هو نحن ..نحن نضع انفسنا امام الاخرين في حالة خسارة مما ينتقص من تقييمنا لذواتنا…فيما الاخرون رابحون كما نري نبؤ نحن بالخسارة لوحدنا وهذا يعزلنا عن الاخرين ولاداعى للقول ان انتهازية البعض الاخر وشماتته تزيد الامر سوء…لدينا حل قديم لذلك…حفلات البكاء…المشاركة…ما رأيك؟ حين يكون كل المحيطين بك مدركين لحجم خسارتك من داخل قلوبهم فان كلماتهم وعيونهم حتى ان لم يتحدثوا تكون قد قالت لك الكثير.

– العزاء …هذا ما تقدمونه…

– يسميه خبراءنا نظرية تثبيط الاستجابة المفرطة بواسطة تحفيز العزاء الفعال. صدقني الامر له فعالية السحر. تقول بعض المراجع الدينية9 انه يمكنها السيطرة على مشاعر الحزن في ثلاثة أيام فقط. وإذا رغبت سيتولى المختصون تزويدك بما ترغب من تفاصيل.

– سيكون ذلك ممتازا.

– تدير البلدية مجموعة من الصناعات الموجهة منها مثلا: المصنع المحلى للدموع الصادقة وهو يدار بأسلوب عريق وقديم متوارث ماعدا إضافات بسيطة كالحسابات والدورة المستندية اما عملية الإنتاج الاصلية فتقوم بها نسوة متخصصات يتوارثن هذه المهنة. وبعيد عمليات التوسعة والتطوير الأخيرة زود المصنع بخط للتعقيم والتعليب تخصص منتجاته لغرض التصدير. كما تشغل إدارة التسويق أكفأ الخبراء فيما يختص بفتح واستهداف الأسواق الجديدة.

لكن مسألة انتشار الحروب المتلاحقة في العالم لا يساعد التسويق فالناس لا تجد الوقت الكافي بين حربين للتمتع بنعمة الحزن. ما ان تنطفئ هنا حتى تشتعل هناك دون مهل او ابطاء. كما ان الحروب تحصد الناس بالجملة ما يقلل فعليا من إجمالي المستهدف من المستهلكين.

     عيادة العيون المتقرحة هي أكبر المصحات هنا حيث ندعمها بشكل كثيف وتتولى فيما تتولاه مداواة العيون من اضطراباتها العديدة مثل انحباس الدموع او الدموع المتحجرة و الجفاف او التقرح والتفتت وهي حالة قليلة الانتشار نعزوها لعوامل وراثية. يتولى الأطباء كذلك استخراج الرمل من العيون عقب البكاء الغزير والمتكرر ويعتبر الأطباء هذا الرمل أثمن سيليكا طبيعية يمكن وجودها على الأرض. ابتكرنا كذلك طريقة لصنع اكواب زجاجية نفيسة من هذا الرمل ولكن للأسف لا يمكن سوى للمقتدرين ماديا شراؤها والتمتع بتجرع الحزن والغصات فيها.

   تشرف البلدية أيضا على مزارع البصل والنباتات المخرشة الأخرى وهي كما جرت عادة الاسلاف تستعمل لإنتاج الدمع الأقل سعرا.   ونباتات أخرى ذات أهمية تراثية وقد استقدمت حديثا مزارع زهرة القديس جون بسبب الاهتمام العالمي بها.

    هناك مزارع القصب والبوص وحتى البامبو التي روعي فيها توفير المناخات الطبيعية لإنتاج أكثر جودة وتقام صناعات تحويلية عديدة عليها أهمها مصانع النايات والمزامير ومصنع لالة الفلوت وكل الآلات الموسيقية الشجية الحزينة الأخرى. كما يتبين لك نحن نعتبر الحزن ثقافة واحتفالا بالحياة وليس مرضا أبدا.

– نعم افهم ذلك.

– حسنا سأتوقف هنا فلا ارغب ان اخذ وقتك كله يمكن زيارتي مرة أخرى إذا رغبت. أرحب بك مجددا.

– شكرا سيدي العمدة على وقتك.

– العفو…مع السلامة.

قضيت بقية اليوم في زيارات ميدانية واستمعت الى شروح ضافية من المدراء والمشرفين وعدت مساء الى الفندق متعبا ومنهكا فاغتسلت وأخلدت للنوم.

في الصباح وقبل مجيء المرشد لاحظت البريد على الطاولة الصغيرة بجانب السرير وصحف الصباح التي لم اهتم بها، تصفحت البريد سريعا لم يكن سوى مطبوعات إعلانية ومواعيد لحفلات بكاء وغيرها بالإضافة الى حفل موسيقى يقيمه فنان صاعد كما يبدو، وفى قصاصة ورق مكتوبة على عجل قرأت” الساعة الخامسة. مقهى العدالة. اقصد النادل.  “. تأملت القصاصة وتركتها وبدأت في التجهز للخروج.

قادني المرشد الى السيد (منتشل الأرواح وصاحب الشفقة المطلقة) وهو كما يلوح رجل دين او ما شابه ما جعلني اتأمل مخزوني من التثاؤب وأطمئن عليه.

دخلت المبنى الذي يشبه مخزنا كبيرا بنوافذ صغيرة وكان المكان مزدحما بلا اثاث مطلي بلون أزرق خفيف تدور مروحة كبيرة في السقف بالكاد يمكنها ان تبدد اللهاث والبخار الناجم عن العيون المنفتحة على أوسع بكائها.

 كان الواقفون يحدقون بصمت في ستارة زرقاء كتب عليها بخط أصفر …الرحمة هنا…فيما يتكدس اخرون منهارون على الأرض يحاول مرافقيهم حثهم على التماسك والوقوف. الاضاءة البسيطة الاتية من النوافذ تجعل تمييز وجوههم صعبا ولكن أصواتهم فقط ما يمكنه مساعدتك على تمييزهم من حيث الجنس او العمر او حجم الكارثة.

دخلت الى مكتب السيد المذكور…كان عجوزا نحيلا يعبق مكتبه بتلك الرائحة التي تميز المسنين رائحة عطن ولزوجة وتفسخ داخلي. كان يحدق في الفراغ محاولا اهمال الأصوات الصارخة المكتومة التي تتعالى ثم تخفت ومحاولا إيجاد مفتتح جيد للحديث معي

 قال بصوت متهدج:

– سيكونون بخير…لا تقلق..اعتدنا هنا على النجاح فيما نقوم به. دورنا هو ببساطة اخراج الحزن ..تركه يخرج ويتعلق في تلك الستارة الزرقاء…فى اخر النهار نجهز لها قبرا صغيرا وندفنها فيه بحرص مع القيام بالطقوس اللازمة بالطبع كى لا تفر الاحزان وتعاود الظهور من جديد .فلا شيء أسوء من أحزانك القديمة حين تعاودك مرة أخرى.

يمكنك زيارة المقبرة في الساحة الخلفية انها على شكل طبقات لاختزال المساحة يمكنك الدخول من باب القبو للتجول في الطوابق السفلية. دأبنا على ذلك منذ نشأة هذه الخدمة منذ قرون وشعبنا وكل من يقدم لزيارتنا لا يكف عن الامتنان والشكر لنا.

نقدم كذلك خدمة الاستشارة حيث قد لا يشعر البعض ان حزنه قد خرج وتعلق جيدا، حينها نقوم بإرشاده ويعود الى الغرفة او قد نقوده الى غرفة أخرى حيث يمكنه التفوه بما يشأ من كلام. نجلس معه وندعه يطوف شاتما ولاعنا مهرطقا دون ان يوفر أحدا. وعندما ينضج يعود للستارة حيث يستكمل الامر. بعضهم لا يفعل شيئا سوى الوقوف امامها وقذف كمية كبيرة من البصاق ويغادرون. نقوم بإبلاغ السلطات عن هؤلاء لأنه يشتبه في اصابتهم بالغضب. ويسير الامر بشكل عادي. لدينا مطبوعات وكتب ارشادية وقائية وبابنا مفتوح على الدوام وكذلك قلوبنا.

قاطع حديثه دخول أحدهم فجأة وهو يقول

– سيدي لدينا حالة هستيريا…

– بمن تتشبت؟

– برجل يا سيدي…كان ينشر الخشب في ورشة صنع التوابيت ..انهار فجأة واخذ يصيح ويمزق ثيابه…

– حسنا. خذوها الى الكرسي وسوف الحق بكم.

وعاد لمحادثتي

– نسيت ان اخبرك ان عدونا الأول هو الشيطان..حالما تتفكك ملامح الانسان بسبب الحزن وتتخلخل لا يضيع الشرير اى وقت في انتهاز الفرصة والدخول اليه مسببا الهستيريا…و هي حالة متقدمة بالطبع…ننصح رعايانا وذويهم بارتداء ملابس سميكة خلال احزانهم لمنع الامر ،في الماضي كان هناك اثواب خشبية ودروع نحاسية ومن الرصاص  ثم صارت من الالمونيوم الخفيف ولكن الان الكل يرتدى البوليستر  واللدائن القبيحة الرخيصة…تعال معي.

ذهبت معه ودخلنا الى غرفة (العلاج) بدت لى كغرفة تعذيب في سجن شرق أوسطي حافلة بمنتجات القرون الوسطى حيث الكلاليب والسفافيد المسننة والسلاسل المتدلية من خشب السقف. كان (المريض) مقيدا الى كرسي غريب مثل كرسي الإعدام بالكهرباء القديم. يداه وقدميه مربوطتان بسيور جلدية ورأسه مثبت الى المسند بمسمار ملولب. تقدم العجوز منتشل الأرواح منه فيما هو يحاول التملص من قيوده ويحدق فيه برعب. بدا العجوز في مهمته وأخذ يقرأ من كتابه المقدس:

أيها الشرير ..الحظ الذى هو لك قليل ومن الرحمة قلبك فارغ. من حسدك تولدت بليتك وطين احمر تفوق على نارك. لا تنتقم وغادرنا. سيف أزرق في خاصرتك وعلى عنقك ثقل شديد أخرج الى حيث مستنقع أسن، حفر عميقة مهجورة تنتظرك. فى قلب من لحم لا تقعد ومصيرك عندها مشؤوم. أقرأ عليك الحروف التي تخنقك والى غبار لا يلمس تعود الى هباء تكون وبالكلمات المتحولة نارا اقابلك واحرقك.

واصل المريض التحديق برعب ومواصلة الفكاك من قيوده فأرخى العجوز يديه وأشار الى مساعديه. فتقدم أحدهم ونزع بنطلونه فيما احضر الاخر دراجة غريبة يمتد من مقدمتها ذراع معدني في  نهايته قضيب مطاطي متصلب.  وفى الحال اخذ المريض يصيح ويهتاج وينتفض فبادره العجوز:

– حسنا. حسنا … خذوه الى غرفة الاستشارة.

دفع المعاونون الرجل المذعور على نقالة وخرجوا به من الغرفة. وواصل العجوز كلامه الى

– كما ترى .. ينجح الامر دائما بمجرد التلفظ بالكلمات ..يخرج الملعون  فاراً غير ملتفت لشيء. والا فاننا نقدم له الدراجة لكي يفر… أرأيت …نجهز المكان حسب الجنس ثم نصوب وندخل المطاط المقدس …يدولب أحدنا الدراجة فيتلقى عندها اللكمات التي لاتكل…لا نحتاجها كثيرا بالنسبة للرجال اما النساء فلضعف قوائمهن التي ينهكها الحزن فإننا في الغالب ما نحتاجها …لا يمكن للملعون الجري وهو يفر بسيقان متعبة فنمنحه الدراجة. قد لا ينتهي الامر بسرعة ولكنه ينتهي على ما يرام على كل حال.

النساء كما تعلم أكثر تعرضا للشرير بسبب طبيعتهن المتراخية المبللة وامتلائهن بالفوهات ولأنهن لا يحرصن على ارتداء ما يكفي من الثياب. وحفاظا على مصداقية أساليبنا وجدواها فانه من باب النقد الذي يؤدى الى التجويد تراودني أحيانا الشكوك في معدل انتشار الهيستيريا بينهن وهل لذلك علاقة بطمعهن في الحصول على جلسة الدراجة ما يجعلهن يدعين المرض. قدرتهن الباهرة على التصنع ترغمني على الشك ولكن زملائي المهنيين لا يوافقونني على ذلك وهم مقتنعون ان افكاري هذه محض ظنون وحدوس غير يقينية.

جال بى بعدها على بقية التجهيزات وهو يشرح استعمالاتها وفوائدها وأخبرني ان لديهم من هو مختص بتدوين ما يحصل في كل الجلسات العلاجية ومراكمتها لكى يأتي من يمكنه دراستها واستنباط النظريات الهامة منها.

واصل بعدها ابهاري بسيل من هراء مماثل أفلح فيه حقا وجعلني أنسي التثاؤب والتفكير فيه فما شاهدته وسمعته كفيل بإصابتي بأرقى أنواع الأرق. متأكد تماما انى سأستيقظ ذات ليلة وأجلس مبتهجاً في سريري وسأفرك يدي فرحاً يالله الحمد لك أنك لم تجعلني في مطال هذا السافل الكئيب الغث العجوز. يالكارثة العيش هنا.

مضت بقية اليوم كسابقه جولات ميدانية وزيارات ومافى حكمها. كان على جدول زياراتي الذي قارب على الانتهاء زيارة للمتحف الوطني الذي قيل ان به تصنيفا زمنيا جميلا لتاريخ وجغرافيا الحزن في العالم منذ بدء الحياة يشمل كما حدثني المرشد قسما للتاريخ الطبيعي يدون مظاهر الحزن المنقرضة لدى الديناصورات والمخلوقات الأسطورية الأخرى ويحتوى القصص الحزينة التاريخية العظيمة ومن انفس ودائعه دمعتان محفوظتان في الكهرمان لاتزال تلمعان حتى اليوم يقال حسب المصادر المطلعة انهما سقطتا كلؤلؤتين من عين حواء امنا حال وصولها الى الأرض واثر اول شجار مع زوجها الحبيب.

وفى المساء عدت للغرفة و ما ان انرتها حتى التصقت فوهة معدنية باردة برقبتي الحاسرة ووجدت ثلاثة شباب مثلمين بمناديل همس أحدهم :

– بهدوء تعال معنا بهدوء. فيما تولى اخر تقييد يدي الى الخلف وألصق فمي بشريط لاصق ثم غطى رأسي بكيس أسود. وحملت هكذا كبساط ملفوف عبر الأبواب الخلفية الخاصة بالحريق وبسرعة انطلقت بنا سيارة دون ان أتمكن من فهم أي شيء.

يبدو أنني اتعرض للخطف ولابد ان هناك مساومات ستحصل لا يبدو ان هؤلاء لصوص او مجرمين لسبب ما كان حدسي يؤكد لى ذلك. حاولت افهام نفسي انه لا ضرورة للامتعاض او الهلع من الامر فانا في نهاية الامر اقضى جولة سياحية سوداء. أليس كذلك؟

وقبل ان تستغرقني الأفكار والتوجسات توقف السيارة وانزلنى الخاطفين فيما لاذت السيارة بالفرار.

اجلست على كرسي ورفع الغطاء الأسود فشاهدت شابا يبتسم بوقاحة في وجهي قائلا:

– اعتقدوا انه يمكن القدوم لوحدك…لقد أرسلوا لك موعدا… على القصاصة ولم تحضر هؤلاء العجائز فوق لا يتكلمون لغة الواقع…أقدم اعتذاري على معاملتك ككيس نفايات…ولكن لم يكن الطرف الاخر ليتركك تتجول لوحدك دون برنامج مسبق ودون مرافق…

– من انت؟ ومالذي أفعله هنا…. لديك ثلاث ثوان قبل ان اتصل بسفارتي وتملئ أنت ومدينتك أكياس النفايات. أجبته محتجا على مرحه الصفيق.

– لا تخف ..لا تخف لسنا كما تعتقد…أطمئن نحن أصدقاء ..

– أصدقاء؟ لا تصدق انى فهمت شيئا

– دون خوض في التفاصيل المملة والتي ليست من شأنك…سنلتقط لك بعض الصور وسنستضيفك لبضعة أيام. أضمن لك أن اقامتك ستكون طيبة. دعنى أوضح لك أكثر نحن نرفض الاستمرار في هذه المهزلة المفروضة علينا وكل الهراء الذي لابد أنك تعرضت له. لدينا اساليبنا وستملأ صورك غدا وسائل الاعلام وستنال نصيبا من الشهرة أتاك دون تعب. سأتركك الان لتنام ونلتقي في الغد أتمنى لك ليلة طيبة.

اقتادني الشباب الى غرفة أخرى بدت اكثر نظافة خاطبني احدهم بلهجة مهذبة

– يمكن ان تستحم وتغير ثيابك. لديك ثياب جديدة هنا. امتعتك بقيت في السيارة سنجلبها لك غدا.

أخذت دوشا واستبدلت ثيابي من كيس الثياب الذي وجدته   واستلقيت على السرير وغرقت مباشرة في النوم.

في الصباح أيقظني طرق على الباب ثم دخل شاب تمنى لى صباحا طيبا ووضع طعام الفطور وجرائد الصباح على الطاولة وقبل ان يغادر قال انه سيكون قريبا في حال احتجت الى شيء شكرته بتثاقل دون ابتسام واستدرت الى الجهة الأخرى مكثت برهة ثم تذكرت انى لست في الفندق، قفزت وقصدت الباب فتحته فوجدت الشاب واقفا في الخارج ابتسم لي وسألني هل ارغب في شيء تجاوزته بنظري الى اخر الممر حيث كان يجلس الشبان الثلاثة يدخنون ويتبادلون الحديث عدت الى الغرفة وأغلقت الباب قصدت النافذة وفتحتها تأملت الشارع شبه الخاوي من المارة وفى مقابلي تمام كان رجل يقف ويقرأ الجريدة مدخنا سيجارته على طريقة المخبرين القدماء رفع رأسه ناظرا الي ثم رفع قبعته لتحيتي فهمت رسالته فسارعت بالعودة الى الغرفة .

تجهزت للخروج وجلست لتناول الإفطار تناولت جرائد الصباح لأبحث عن تسلية فقرأت في الصفحة الأولى العنوان العريض…ضحية جديدة للهلوسة… تعرض سائح اجنبى مساء الامس الى الاختطاف على ايد مجهولة من مقر اقامته بفندق المدينة وفيما تولت السلطات المسؤولة الشروع في التحقيقات فان مصيره لايزال مجهولا ولم يعرف بعد، حيث لم تعلن اى جهة مسؤوليتها عن الحادث ويرجح محللون ان أصابع الاتهام تشير الى تورط جماعة المهلوسين ومثيروا الفرح الإرهابية في الموضوع. وجدير بالذكر ان السائح الأجنبي قد قدم لقضاء برنامج سياحي ضمن الخطة السياحية الطموحة التي تنفذها الحكومة مستهدفة رفع مداخيل هذا النشاط وتعزيز الدور الفعال الذي يلعبه في الاقتصاد الوطني.

وفى عنوان جانبي …مروجو الضحك يحاولون اجهاض أحلامنا في اقتصاد قوي.

عنوان أخر…. اقتصادنا يتداعى تحت قصف القهقهة

اقتحم الباب بعدها الشباب نفسهم وانتشروا في الغرفة ثم دخل ذلك الشاب المتعجرف

– صباح الخير ..لابد انك قرأت الصحف…سنعلن مسؤوليتنا رسميا الان….ولتعلم اننا سنطالب مقابل اطلاق سراحك بتسريح رفاقنا المعتقلين لديهم ..رأسك مقابل أربعة منهم..

– لا علاقة لي بذلك ارجو ان تدعوني أذهب لا اريد ان احشر في أمور مماثلة لا اعلم الى اين ستنتهي…يمكنكم انتهاج طرق أكثر انسانية للمطالبة بما ترونه من حقوقكم

رددت عليها محاولا اعتبار الامر مجرد مزحة سخيفة في بلد تعيس.

– نحن لسنا دمويون ان كان هذا ما فهمته ولسنا إرهابيين بل اننا لا نتسبب في اذى احد كما  قد تعتقد…نحن نطالب بحقوقنا في العيش بحرية وسعادة…هل تعلم ان مجرد التلفظ بهذه الكلمة هنا يعد جريمة يعاقب عليها القانون…هل تصدق ذلك…ان تبتسم في وجه احدهم يعد نذالة وخسة طبع وابلغ إهانة يتعرض لها شخص هي قيامك بالضحك في وجهه ..اصحاب القسمات المنفرجة والوجه البشوش الذين خرجوا هكذا من بطون امهاتهم هؤلاء من احط الطبقات الاجتماعية هنا…وانت مجبر على التخلي عن ابنك اذا ولد هكذا…ماذا اعدد لك …نحن نطعن كل يوم بتلك الحربة الشيطانية المثلثة في ارواحنا .. اى كابوس هذا….؟

– هذا شأنكم لوحدكم…ولا داعي لتوريط الغرباء والزج بهم فيما لا يعنيهم…كن منصفا

اجبته ببرود حاولت ان يجنبى حرج القفز والصراخ يا للهول أي جنون هذا الذي يحدث معكم…فواصل كلامه

– شأننا لوحدنا…؟ ألسنا بشرا مثلكم…الا تنابكم أيضا مشاعر الحزن ام انكم ترفلون في السعادة حتى حشيش آباطكم…؟ لما يكتب علينا ان نعيش تعساء وتعساء مهمومين فقط…اين هي انسانيتكم ومشاركتكم…؟

– وهل حين تخطفني وتهدد بقتلي فان احلامك الجميلة ستتحقق؟ أجبني…الست انسانا أيضا؟

أجبته بعنف مقصود…فكلمة الإنسانية هى أقسى ما يمكنني تحمله من شتيمة…

توقف عندها وأشار لهم بالخروج سحب كرسيا وجلس قبالتي أشعل سيجارة وعب  منها قبل ان يتوجه الى قائلا بصوت مواسىٍ  خفيض:

– لا تصدق اننا قد نقتلك…ابدا نحن لسنا قتلة كما أسلفت لك…ما يسمونه إرهابا وتخريبا هو قيامنا بين حين واخر بدس عقار ال اس دي10 في ماء الشراب في بعض الاحياء انه عقار يجلب النشوة والمتعة دون ادمان…ننتشي بمشاهدة الشرطة وهى تستنفر لضبط جموع المقهقهين والضاحكين… انهم يطلقون طائرات هيلوكوبتر بمكبرات صوت تبث أصوات نحيب وبكاء للتغطية على أصوات السكان …ويجلبون حشدا من متقنو التعاسة وهى فرقة خاصة مدربة على القيام بكل مامن شأنه ان يسقطك في براثن البكاء مثيرين كل ما بداخلك من لوعة كامنة …وحزن غامض ودفين…ان مجرد سماعك بهم وليس رؤيتهم يؤدون حركاتهم المتقنة كفيل بتمزيق اعماقك كمنديل ورقي سقط في الماء ومالم تكن متماسكا او مدربا على الحزن فان انفعالك الذي لا يلجم ربما يجعلك تسقط ميتا والدم يطفر من انفك وعينيك…

مسحت عرقا باردا عن جبهتي فيما واصل حديثه

-لا تتوقف عند هذيان هؤلاء الموتى الذين يعتلون السلطة…ويمنعون حتى الشمس من الظهور ، الألوان محرمة دينيا ذاك الكاهن ومطاطه المقدس يحرمها  ويعلق لافتات مكتوب فيها ” الألوان تسبب لنا العمى “11ويحرم العطور وكل ما يعتبر ناعما والزركشة والنقوش و قصات الشعر المبتكرة الجذابة .

حيازة كمية من السكر مثل حيازة الهيرويين عندكم المحليات والنكهات والطعوم كلها محرمة لديك فقط المرارة والملوحة والطعم الحامض والحريف .

الماء الذي يشربه السكان ياصديقى هو ماء محطات التحلية المزعومة التي تولد الكهرباء ماء يدلك لونه الأصفر ورائحته على تركيز محتواه من الكبريت .والجلوس في بقعة مشمسة والتمتع بالصحو والسلام ذات ظهيرة او ذات صباح هو فعل فاضح ومن يضبط متلبسا فقد ضاع الى الابد…هناك مؤسسة خاصة توظف تقنية مطورة خصيصا لحجب الشمس انهم وبناء على حسابات فلكية يقدرون الأيام المشمسة الممتعة كما نشاهدها في الأفلام المهربة والممنوعة ويطلقون حينها سحبا كثيفا من دخان خاص بل وسخام أحيانا من اجل منعها من السطوع كما تحب…أنهم يفتكون بنا دون هوادة.

– وكيف يمكن للعبث بحريتي ان يخدمكم.

رددت بضيق وانا اكاد ألهث. فنهض وذهب ليتطلع من النافذة ثم فتحها وعاد للحديث:

– انهم يسخرون كل مقدرات البلد من اجل قبضة امنية لا ترحم فيما يروج البؤس والفقر والجهل …نحن نصنع ثورة هنا …وعليك ان تساعدنا ولنا ينسى شعبنا لك ذلك…

بما تبقى لى من هواء كان دبقا ثقيلا يتسلل الى رئتي وانا أشمم روائح أخرتي … سارعت بمقاطعته

–  …ارجوك يا صديقي. ارجوك.لا تسكب على مسامعي كلمات خرائية ممجوجة مثل ثورة وثورات وما الى ذلك…ارجوك. إذا رغبت لنقل في الحد الأدنى من تعاطفي معك…بحق السماء تخلص من هذه العلكة المشؤومة…

– نحن نسعى الى تغيير واقع الناس…اجاب متمالكا نفسه…

– نحن …انت تقول نحن…دعنا من هذا القرف…لقد انتهى زمنه…زمن القطعان والدواب والسوائم التي تقاد الى مذبح الحرية…يااااه…اشعر برغبة قوية في التقيؤ…أسمع لقد تركتك تتحدث كما تشأ. لقد قلت انها حربة مثلثة تلك التي تخز ارواحكم كل يوم…

– نعم…السلطة التي تدعم الخرافة والتدين المشوه وتروج التقاليد التي ينخرها الدود كجثة دون دفن…

– حسنا…لن أحاول اقناعك ولكن لو تمليت في الامر لوجدته على هذه الصورة الشعب هو من يتغذى على التقاليد التي يقول انه يستمدها من الدين .الدين الذى يراه يؤيد السلطة ويقبل مؤخرتها ويباركها…والسلطة تدعم الكهنة في المقابل…

– الكهنة…. كما أتمنى رؤية ذلك الكاهن مخوزقا على مطاطه المقدس وقد اخترقه حتى يبرز من احدى عينيه….

– هل تابعتني؟ …

– لا أستطيع ان استمر في الحديث معك.  سنعلن مسؤوليتنا ونقدم مطالبنا ستكون مسجلة صوتيا إذا رغبت يمكنني ان أطلعك عليها.

– لا رغبة لدى أخبرني فقط متى يمكنني المغادرة.

– سيكون ذلك قريبا…فمطالبنا واضحة …إطلاق سراح زملائنا ورفاقنا المعتقلين

جيوش الدوار الدبق تقتحم الان حصون وعيي المزعومة وانا أرد

– وان قتلوا او كانوا موتى …

–  تسليم جثثهم…

– وان أحرقت وبعثر رمادها في الغابات والانهار …

– ابلاغنا بالشكل الجديد الذي تقمصته أرواحهم فالأرواح لا تذهب سدى كما تعلم …

– ماذا؟

– كما سمعت…يمكنك اثناء انتظار ردة فعلهم ان تسهم في دعمنا بطرح افكارك…سنغير مكان اقامتك الى جنة بورخيس12…. .لا تقل لي إنك لست فأر كتب.

قال ذلك وهو يغادر الغرفة وقد اغلق الباب وراءه.

احتلنى الغثيان تماما وسقط أخر فرساني المغاوير. سقطوا صرعى مثل جذوع جافة وتبددت خمرة الصحو ، أريقت على مهل وتشفي واصوات المقتحمين الهمج كانت تصيح كنسور فوق جثة.فى نهاية الامر مزق سيف أزرق ما تبقى من وعيي لم اعد أرى شيئا تحول كل ماراه واسمعه الى لون ابيض قاسي وشاق وطويل لا ينتهى .ابيض فقط .وابيض تماما.

     كان ذلك اخر عهد لى بالشوارع والمتاحف والمهرجانات ومواعيد الغرام وزهرة القرنفل وكورال الأطفال والحليب المكثف وربطات العنق ومزيل العرق ذو رأس الكرة المتدحرجة وفاكهة الكيوي والديكة المتبخترة رائحة المطر أقلام الحبر الزرقاء والكباب بالبقدونس والبقلاوة باللوز والسمن ودفء الشمس والفن التشكيلي والملابس الرياضية والصيدليات والمذيعات المتبرجات وأفلام جايدن جيمس13 وسبيلبيرغ وكارولين ليف14 واغاني غادة غانم ولينا شماميان وكيني روجرز ووليد التلاوي15…بل ورجال المكتب السياحي الوطني الخسيس وسياحتهم السوداء.

———————————————-

-هوامش:

1-راجع لوحة دون فرانسيسكو غويا الثالث من مايو 1808 م التي تخلد حدث اعدام الفرنسيين للثوار الاسبان قمعا لهم وكانت نموذجا لقرنين من الزمن في اظهار بشاعة وقسوة الحرب. يقام احتفال عسكري سنوي مهيب في ساحة الأرواح حيث وقعت الحادثة لتمجيد وتخليد الذكرى.

2-saint john’s worth (Hypericum perforatum) نبات يحتوي على قلويد ثبت علميا أثره في معالجة الاكتئاب.

3- الارتباع ظاهرة تحصل للنبات المحروم الضوء تجعله يستطيل متوجه نحو نقطة الإضاءة وتشحب أوراقه بسبب نقص الكلوروفيل.

4-الدو دوك الة ارمنية قديمة استمع الي هذه المقطوعة: إYani : prelude (album tribute1997)

5-amnesiaفقدان الذاكرة.

6-serotonin   ناقل عصبي منظم للمزاج ومسؤول عن الشعور بالشبع.

7-winter depression (Seasonal affective disorder) نوع من الاكتئاب ينتشر من أواخر الخريف حتى أوائل الربيع

8-periodic depression

9-(لا عزاء بعد ثلاثة أيام) حديث شريف.

10-LSD: lysergic acid diethylamide

عقار مهلوس قوى سهل التصنيع لا يسبب الإدمان تحدثت غادة السمان عن تجربته معه في كتابها السباحة في بحيرة الشيطان.

11-تنسب هذه العبارة لبرنارد كليرفو مؤسس المذهب البندكتي في القرن الثاني عشر. (ألوان شيطانية ومقدسة. هيرمان بلاي).

12 -من نص لخورخي بورخيس”

                                        خلال عتمتي أتكشف ببطء

                                     نصف النور الاجوف بعصاى المترددة

                                       انا الذي تصورت الجنة دائماً

                                         على شكل مكتبة

(خورخي لويس بورخيس. مرآة الحبر. مختارات).

13  –Gyden games : نجمة أفلام (ثقافية) أمريكية.

14 – Caroline leaf : مخرجة أمريكية لا فلام الانيميشين القصيرة من اعمالها الشقيقتان ومسخ كافكا والبوم الذى تزوج أوزة.

15 – مغني شعبي ليبي.

مقالات ذات علاقة

قصص قصيرة جداً

خالد السحاتي

الخروج من عين الإبرة

رجب الشلطامي

حُلم

المشرف العام

اترك تعليق