من أعمال الفنان التشكيلي رضوان الزناتي
المقالة

الجنوب الأخضر

الكاتب يوسف القويري- من مفكرة رجل لم يولد

من أعمال الفنان التشكيلي رضوان الزناتي
من أعمال الفنان التشكيلي رضوان الزناتي

من الممكن أن يتجاوزها القطار، ثم لا يفيق أحدٍ إلى أن ثمة مدينة كبيرة قد مرت ..
فالمحطة صغيرة وريفية ..
والمدينة نفسها ليست باهرة، ومشهدها من النافذة لا يغريك بالهبوط، ولكن ما أن يبتعد القطار ويذوب صفيره في الهضاب والسهول حتى تكتشف أن هناك مدينة كبيرة تجري إلى الوراء، وأنها أفلتت منك بفضل صمتها ووقارها، وقد كانت – منذ لحظات – مختبئة وراء بساتين البرتقال وغابات الشجر.
وكلما ركض القطار كلما كشفت تلك المدينة مزيداً من فتنتها الحزينة. ورويداً رويداً يتجسد المنظر بأكمله محاطاً بإطار النافذة، فكأنه لوحة.
ها هو الجبل الصخري، بلونه الرمادي الضارب إلى الزرقة، يناطح السماء، والسحب البيضاء تطفو بمهل حول الثلث الأخير من قمته، وقمته هي بركان “أتنا” الخامد.
وعلى الأمتداد الدائري للسفح تنتشر “كاتانيا” راكعة أمام البركان الذي لايزال ينفث بقايا غضبه القديم، خيطاً رفيعاً، بطيئاً، هادئاً من الدخان.
– بونجورنو ! 
– بونجورنو ! 
– .. الساعة.. إلى نابولي ! 
– آسف جداً يا سيدي، فأنا لا أجيد الإيطالية.
– اسكوزي !
– بريقو !
وظل الرجل واقفاً، وملأ النافذة بكتفيه وشاربه. 
كاتانيا تغيب، ولم يعد في الأفق سوى الجبل، وفجأة أظلمت النافذة وغرق القطار في سواد عميق فيما إزدادت ضوضاء العجلات حدة، ومر وقت قبل أن ينتهي النفق وتتبعثر أمام العين رحاب “سيشيليا” الخضراء التي لا يحدها البصر.
– ياسيدتي العذراء..
ونظرتُ إلى المرأة السمينة الواقفة في الممر.
عادت تقول:
– ياسيدتي العذراء.
وأغمض الرجل عينيه، وكان شاربه الكبير يرتعش، وخيل لي أنه يصلي.
القطار مزدحم، ولكن نصفهم سيهبط في محطات الطريق. هكذا خمنت.
أدار وجهه ناحيتي وأزاح شفتيه مبتسماً عن أسنان قديمة مثل كاتانيا، تعلوها طبقة كثيفة من النيكوتين، وقال: 
– عفواً، من أين أنت؟ 
وفتشتُ في ذاكرتي، ثم هتفت بصوت منخفض: 
– حزر..
عندئذ أتسعت إبتسامة، ولاح لي أن ثلاثة ضروس على الأقل غير موجودة، وأن بقايا زيتون لاتزال عالقة باسنانه:
– هه .. آ .. آ .. لا أعرف !
أخرجت علية سجائري وقدمت له سيجارة، إلتقطها باهتمام، وفحصها، وكانت يداه كبيرتان وخشنتان، ولكنني لاحظت – بدهشة – أنمما تختلفان عن لون وجهه إختلافاً ملفتاً، فكأنه استعارهما من مكان ما !
إخترق القطار نفقاً جديداً، وإقترب مني الرجل رافعاً عقيرته:
أسبتا ..
ومرت برهة ..
نظرتإلى السهول الخضراء، وسمعت صوته بوضوح: 
– ماذا قلت ياسيدي؟
– من تريبولي؟
قال مردداً:
– تريبولي ! 
وصاحت المرأة وهي ترفع حقيبتها وتتطلع إلى المقصورات المزدحمة بعيون مستطلعة يشوبها التعب: 
يا سيدتي العذراء ..
وتناثر من فمها كلام آخر.
قلت في نفسي: أتمكن للعذراء أن تجد لهذه المرأة مقعداً ؟!.
وأخرج الرجل “بيتسا” كبيرة وشطرها نصفين، قدم نصفاً لي، ثم شرع يلوك النصف الآخر في فمه بشراهة ويتحدث، وأنا أختطف من تيار كلماته كلمة أو كلمتين وأحاول أن أفهم .. 
قلت : 
– إذن .. لقد زرتها.
قال بعربية ركيكة: 
– أي نعم .. عام 45.
قلت:
– في بلادنا كثير من الإيطاليين.
ثم استدرت إلى النافذة ببطء.
* * *
سيشيليا ريف عريض ورائع، وأجمل ما فيه أنه بلا هندسة، فهو أقرب إلى الشرق، وهو أقرب إلى الله أيضاً، ريف لم تحوله التكلونوجيا إلى مربعات ومستطيلات دقيقة ومحسوبة ومرتبة، بل هو هكذا، حقول تترامى على هواها، وسهول يكسوها جهد إنسان يعرف قيمة الوقت، ولكنه غير متعجل.
إن ريف الجنوب الإيطالي متخلف من ناحية التجهيزات العصرية، وربما كان لهذا السبب نفسه قادراً على مخاطبة القلب الشرقي ..
فما أشد بغضي للحديد رغم أنه أساس الحضارات العظيمة.
عندي أنه حينما يخضع الحقل للتنظيم الصناعي، وللآلات وللحساب فإن الجمال الخاص المميز للريف يتلاشى.
وهذه فكرة خاطئة وضارة بيد أن هذه – مع الأسف – هي مشاعري التي تكونت في بيئة لم تعرف بعدما هي مواضع الجمال في الحضارة الصناعية !
خفض القطار سرعته وأرسل صفيراً متقطعاً لحوحاً، ثم توقف.
محطة صغيرة جداً ومدينة إيطالية أخرى، متسعة كالحة اللون، وعلى الرصيف قشور موز وأوراق قذرة وبقايا مأكولات في لفائف وبراز قطة وعامل في زي أزرق يدفع أمامه عربة ممتلئة بالصناديق. 
وجدت المرأة مقعداً، لقد أنتصرت العذارء ! 
وتحرك القطار، وكان الركاب الجدد يثيرون هرجاً شديداَ في الممر.
النساء يتجنبن ملامسة الرجال أثناء عبورهن الممر، والخجل في العيون والكحل. لازلت قريباً جداً من الشرق، بل إن الشرق – ذات يوم – كان هنا في سيشيليا أو “صقلية” .
ووجوه كثيرة تحكي هذا التاريخ، تحكيه بلغة علم الوراثة. فثمة ملامح عربية لا تخطئها العين. وثمة لمسات أخرى في تكوين الفكين وطبيعة الشعر تكاد تنطق بأصلها العربي.
ولم أعتمد على لون البشرة لأن البشرة السمراء شائعة بين فلاحي الجنوب.
قال بلهجة غير مطمئنة وهو يداعب شاربة:
– سنجد بيتسا في المحطة القادمة ! 
وأحسست أنه جائع، وأن نصف الـ “بيتسا” الذي أهداه لي قد تسبب له نقصاً، ولكنني أراهن بأن عشر بيتسات كبيرة لا يمكنها أن تسد رمق هذا العملاق !.
وترامى إلى مسامعي صوت المرأة السمينة الذي أصبح مألوفاً لأذني، كانت تثرثر بصوت مرتفع مستريح، ولمحت طيفها على زجاج المقصورة، فقلت في سريرتي: إن النساء هنا يتهدلن بعد العشرين، وهذا نفس الحال عندنا !.
مررنا بنفق جديد، واستمر الظلام عشر دقائق كاملة وآثرت أن أنتقل إلى الضفة الأخرى، واستلزم هذا تغيير العربة، فأومأت إلى الرجل محيياً، والقيت نظرة إلى المرأة السمينة ثم انصرفتُ.
وفي العربة التالية وضعت حقيبتي في الممر بجوار النافذة وجلست.
ياللخضرة !
لون بهيج يسود كل شيء، حتى عيون هذه الآنسة التي تقترب.
قالت: 
– ….
قلت وأنا أحدق في عينيها:
– عقفواً .. لا أفهم !
– فقالت بلهجة إملائية : – نقود ..هل تمنحني شيئاً ؟!.
ولم أصدق ! 
وعادت تكرر نفس الطلب.
فهتفتُ في أعماقي : 
يا للحسرة ! إن وراء اللون الأخضر أشياء كثيرة لا أعرفها، وها هو الفقر يزاحم الجمال أمامي، وما عساي أن أصنع! وكومت في كفها الصغير كل القطع المعدنية التي كانت في جيبي.
قالت:
– جراتسي ! 
وشيعتها إلى نهاية الممر بنظرات حزينة.

نشرت في كتابه (في الأدب والحياة) 

مقالات ذات علاقة

سعادة افتراضية

عمر الككلي

النيهوم .. ماذا قدّم للأُدباء والصحفيين؟

يونس شعبان الفنادي

دون كيشوت ليبيا

المشرف العام

اترك تعليق