قصة

الجري في منطقة الظل

                                                ( 1 )

… هل رأيتم بهلوان ” السيرك ” عندما يقف على كرةٍ كبيرة ..؟ الكرة الكبيرة بارتفاع البهلوان ذاته ..؟ حين يدحرجها سيراً فوقها ..؟ .. أنا سأفعل مثله ولكن بطريقة تبدو مغايرةً إلى حدٍ ما .. الكرة التي سوف أدحرجها أكبر .. أكبر أكبر .. ” الله غالب ” ليس لديَّ حل آخر .. فأنا لا أقدر على رؤية الشمس .. رؤية الشمس تفرض التزامات منهكة .. انهض من النوم ، رتِّب فراشَكَ ، أحضِر الأرغفة من “الكوشة” ، أوصِل العيال للمدرسة ، استلم قائمة طويلة بطلبات المطبخ من الهانم ، “اصطبح” في سحنة المدير العكرة .. باختصار .. ” زمَّارة مكسورة ” .. الحل الأمثل ، الجري فوق الكرة .. بشرط أن أكون في النصف المظلم .. أعرف أن عديدين غيري يقدرون على رؤية الشمس دون عناء .. لكن أنا لا .. لذا واعتباراً من الليلة – وما أن تغيب الشمس – سأباشر الجري .

بدايةً يجب التخطيط للأمر .. حسناً .. الشمس تبزغ من الشرق لتأفل في الغرب . إذاً اتجاه الجري سيكون غرباً .. هكذا سأكون دائماً في الجانب المظلم .. جريٌ مستمرٌ يعني ظلاماً مستمراً .. لا مدير يتفلسف عليَّ ولا أرغفة عليَّ جلبها .. صحيح أن ذلك سيحتم عليَّ الجري ، لكن ليست مشكلة .. إنه أخفُّ الضررين وأحلى الأمرَّيْن ..

                                              ( 2 )

.. لحظة الصفر تقترب .. بدأت بالإحماء .. أشعر بالاضطراب .. صعوبة أي عمل تكمن دائماً في اللحظات التي تسبق التنفيذ .. الشمس توشك على المغيب .. تأملتها ملياً ، فهذا آخر العهد بمرآها .. منحتها فرصة أن تسبقني بفترةٍ وراء الأفق ، لأحافظ على المسافة بيني وبينها .. احلَوْلَكَ المكان .. بدأت أعدو جهة الغرب .. أقطع خطوط الطول واحداً إثر الآخر .. أثناء الركض ، انتبهت لأمر كان غائباً عني ، وهو أنني سأعود حتماً إلى ذات النقطة التي انطلقت منها بعد يومٍ واحد .. تساءلت :

– يعني سأضطر إلى جلب الأرغفة ؟

.. أقلقني هذا الخاطر المزعج .. لكن لا .. عندما أمر على تلك النقطة سأمر ليلاً بالطبع .. نفس التوقيت الذي انطلقت فيه .. أي أنهم نيام .. وإلا فما الفائدة من الجري في منطقة الظل ..؟ كل الأمكنة التي أمر بها أهلها نيام .. هذا أحسن ما في الأمر .. عندما يستيقظون في الصباح ويطلبون الأرغفة ، سأكون حينها غائباً في منطقة الظل ، على الجانب الآخر من الكرة ..

واصلت الركض .. خطوط الطول تتلاحق تَتْرَى كخطوط الطلاء البيضاء على طرق الإسفلت وأنت تركب السيارة .. مررت على بواباتٍ حدودية لدولٍ كثيرة .. حراس هذه الحدود لا ينامون ، خصوصاً في الدول العربية ، وأنا ليس لدي جواز سفر .. اضطررت إلى الانحراف قليلاً لتفادي تلك البوابات . انتهت اليابسة .. وصلت إلى شاطئ المحيط .. ماذا أفعل الآن .. ؟ مشكلة .. بالصدفةِ مرَّ قاربٌ على متنه مهاجرون غير شرعيين وافقوا على اصطحابي .. أمواج المحيط عاتية .. متلاطمة .. عواصف .. برد .. خوف .. وصلنا إلى الشاطئ الآخر .. استأنفت الركض غرباً فيما اختبأ المهاجرون في أحد الأقبية هناك .. مغفلون .. لماذا لا يحافظون على البقاء في النصف المظلم مثلي بدل الاختباء هناك ..؟ سيتم اعتقالهم في النهاية ..

                                               ( 3 )

.. ظللت أجري .. أجري .. اجتزت مدناً ، وقرىً ، وأريافاً ، وصحارى ، وجبالاً ، وسهولاً .. ردَّدت بيني وبين نفسي :

– ” سياحة بالبلاش ” ..

لكنها سياحة في الظلام .. لم أكن أرى بشكل جيد .. مؤكد أن المناظر في النهار أحلى بكثير .. البشر القادرون على رؤية الشمس ، دائماً يأتون هنا ليستمتعوا بالسياحة في النهار .. رغم أنها ليست ” بالبلاش ” .. ظللت أركض .. أركض .. مررت ببيتنا بعد أن حققت دورةً كاملة . كانت الساعة حينها الثانية والنصف ليلاً.

فكرت قليلاً :

–    تباً .. عندما انطلقت البارحة من أمام البيت كانت الساعة منتصف الليل .. هذا يعني أنني أتباطأ .. ستدركني الشمس لا محالة .. ستمسك بي من الوراء .. ” ستَقُدُّ قميصي من دُبُر ” ..

أسرعت أكثر .. أركض .. أركض .. شعرت بالجوع .. انعطفت صوب خط الاستواء .. هناك ” الخير واجد ” .. مياهٌ عذبة وفواكه وخيرات ، أقطف ما أشاء وآكل وأنا أجري .. مررت ببيتنا للمرة الثانية ولكن الساعة كانت هذه المرة الرابعة فجراً ..

– ” حَيْه بلا ” .. ستدركني الشمس . وقد تدركني وأنا في بلاد الغربة وبدون جواز سفر .. سيعتقلونني لاعتقادهم أنني إما إرهابي وإما مهاجر غير شرعي .. معقولة .. ؟ ” هظا عقابها ” .. ؟ معسكر غوانتانامو .. ؟

بلغ مني التعب والإعياء كل مبلغ .. فأنا لم أنم منذ مدة .. هذه أيضاً لم أحسب حسابها .. أخذت سرعتي تتباطأ .. تتباطأ .. يتسلل إليَّ اليأس وأنا أتخيل وجه المدير غداً وهو (( يتصفتر ))  قائلاً :

– ” وين غايب لك ثلاث أيام ياسي الـ …. ؟ ” ..

.. ستكون فرصته التي يتمناها ذلك ” الوغد ” .. سرعتي تتباطأ .. تتباطأ .. اليأس يتعاظم في داخلي .. أحس بمرارة الخيبة في حلقي .. أشعر بالرغبة في البكاء .. بالرغبة في النوم .. وفي التقيؤ .. فكرت في أن أتوقف بمجرد محاذاة بيتنا وليكن بعدها ما يكون .. لا يهم ربما سأنتحر .. اليأس يحاصرني .. وسرعتي تتباطأ .. ركبتاي خائرتان ترتجفان .. وأنا أتباطأ .. أتباطأ .. أ ….. تـ … بـ ….. ا ……. ط …………….. أ ……………

                                                  ( 4 )

.. من بعيد ، رأيت خيالاً في الظلام ينتظرني ، لم أتبين شكله فضلاً عن وجهه . جثوت حين وصلته وأنا ألهث منهكاً .. قال قبل أن أصافحه :

– ليس هكذا يا غبي ..

غضبت .. أردت أن أقول له أن ….. ولكنه قاطعني :

– جميعنا جرَّب ما أنت فيه الآن .. لن تستمر طويلاً بهذه الطريقة .. ستدركك الشمس .. هيا بنا إلى بلاد الجليد ..

 سألته :

– الجليد ؟ أين ؟ لماذا ؟ كيف ؟ ولكن مهلاً .. أنا .. أنا .. أعني أنت .. أنت ..

قاطعني ثانيةً :

– هيا إلى بلاد الجليد .. إلى أحد القطبين ياغبي .. ألا تعرف أن الليل هناك يطول لستة أشهر ؟ هناك يمكنك أن تنام وترتاح وتأكل وتشرب وتقرأ وتكتب وتغني وكل شيء .. نحن نركض فقط لمرتين كل عامٍ .. ركضتَيْ الشتاء والصيف .. في الشتاء نركض للقطب الشمالي حيث الليل ستة أشهرٍ كاملة .. وفي الصيف للقطب الجنوبي لذات السبب .. ولا نجري للأبد مثلك ياغبي ..

اقتنعت بكلامه رغم نعته لي بالغبي .. اتجهنا شمالاً .. وصلنا .. كان الليل هناك سرمدياً .. ليس ثمة أية التزامات مُنهِكة تفرضها رؤية الشمس هناك .. وجدت هناك الكثيرين .. كثيرون جداً .. أغلبهم من العرب والمسلمين .. يعيشون هناك في بلاد الجليد .. يأكلون ويشربون ويتكلمون ويشتمون ويسكرون .. يسيرون زُرافات وفُرادى على الأرصفة المتجمدة .. لمحت في وسط الزحام على أرصفة الشوارع المتجمدة وجهاً لم يكن غريباً عني .. حاولت أن أتذكره لكي أنادي عليه .. لكنه اختفى فجأةً وذاب في تلك الجموع .. لا أدري .. ربما كنت مخطئاً .. أعتقد  أنه .. أنه ..    ” الصادق النيهوم ” ..!!؟؟

مقالات ذات علاقة

حكاية الصادق النيهوم

رضوان أبوشويشة

انتهاء

سعاد الورفلي

مدمن الجزر

محمد النعاس

اترك تعليق