قصة

الجروة الضالة ..

.

إلى مريم … ثمانون حولا

وإلى مريم … ثمانية أيام

على التوالي ..

أو بالعكـس … لا فـــرق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في ليلة الرابع والعشرين من فبراير 1994، الموافق ( لا يعترض أبدا) 14 رمضان 1415 هـ ولدت إبنتي مريم، أنا بالطبع لم أطلق عليها هذا الإسم، بل أطلق عليها رغما عن أنفي، ودون علم منها.

كانت ليلة صافية السماء، بدت نجومها شديدة البعد مثل ليلة خريفية من ليالي شمال أفريقيا، بل انها كانت تبدوا كما لو لم تكن نجوما حقيقية، إذ كانت تبدوا كما لو كانت قد عكست في مرآة، أو في مستنقع ماء بعد المطر. وقفت في ساحة مستشفى “إليناس” أحدق في السماء، ادخن سيجارتي الثانية، لأن التدخين في الأماكن المغلقة لم يكن يروقني، وتركت الصالة المخصصة للتدخين داخل المستشفى تعبق بتبغ الآسوس والكاريليا، وأغلقت الكتاب الذي جئت به معي، لأنني أعرف مراسم الإنتظار ومواسمه. كان كتاب السيرالثلاث لهرمان هسّه، وكنت قد قرأته منذ زمن بعيد جدا، وأردت، أو أرادت الصدفة أن أعود اليه بعد كل هذه العقود، وفي هذه الليلة بالذات. كنت قد انتهيت لتوي من قراءة السيرة الأولى، والتي تجري أحداثها في عصر الأموية، ليس العصرالأموي بالطبع، ولكن عندما كان المجتمع البشري تقوده المرأة.

وولدت إبنتي مريم.

لم يكن الأمرعفوا، كان إشارة من إشارات القدر كما يقول كازانتزاكيس، وفورأن انتهيت من السيرة الأولى، سيرة صانع المطر، وشرعت في قراءة السيرة الثانية، إنتابتني رغبة في التدخين، فخرجت إلى الساحة ودخنت. دخنت بعمق، وحدقت إلى القمرالفضي المتكامل بعمق، وإلى النجوم بعمق، ولكنني نسيت أن أحدق إلى نفسي. حتى أخرجني صوت مكبرالصوت الخافت من خدري اليقظ ..

ـ السيدة عزابي .. بنت.

يا إلهي .. بنت في هذه الليلة.. ليكن، ولكن ما حاجتي أنا إلى بنت، أو إلى ولد. لم أكن في حاجة إلى أي واحد منهما، ولكنها علامة لا أعرف إلى أين ترمي. وعلى أن أتقبلها حتى أعرف القصد منها في نهاية المطاف. وهو لابد أن يظهر يوما، كما يحدث مع الجميع. فكل حالة علامة، وكل علامة قصد. لعلني بدأت أهذي كدراويش الصوفية.

* * * *

كانت امرأتي تستيقظ من المخدر لتوها، حاولت أن تبتسم، ولكن الألم كان أكبر من حجم اسنانها. اشرت لها أن لاداعي للإبتسام، لأن المرء في نهاية المطاف لايعرف ما إذا كان يجب أن يبتسم أم يبكى عندما يولد له مولود. تذكرت عبدالقادرالجيلاني الراقد في بغداد البعيدة، عندما أبلغه احد ما بولادة إبن له، فقال “شاء الله وما شاء فعل”، واستمر في تأملاته وذكره، ولم يذهب حتى لرؤيته، فقد كان مشغولا بالذكر والمجاهدة الى حد لم يترك له هامشا لذلك، بعد زمن جاء من يخبره بأن ابنه ذاك قد مات، فقطع الجيلاني الذكر وقال.. “لله ما أعطى ولله ما أخذ”، واستمر في ذكره ونجواه. ودون أن يفرغ نفسه لحظة واحدة ـ بين الميلاد والموت ـ لرؤية هذا العابر في حياته والذي لم يره، حتي في لحظة موته، كما تقول الكتب.

لعلها علامة.

طردت هذه الأفكار الصوفية العجيبة من امامي، هششت عليها كما يهش الراعي على كلابه. ثم مالي أنا وعبد القادر، فلا علاقة لي ببغداد، ولا بالطريقة الجيلانية، فلماذا تتوارد على رأسي هذه الخواطر والأفكار.

ـ ماذا تريدين تسمية هذه البنت .. سألت إمرأتي

ـ مريم .. قالت – على إسم أمك، لأنني وعدتها بذلك

ـ ولماذا مريم.. ؟ فإذا سمى كل واحد من اخوتي بناته على إسم امنا فأنا لا أعرف كيف ستكون الحال غدا، وكيف سأفرق بينهن، تخيلي ثلاث بنات عم يحملن نفس الإسم ونفس اللقب، ربما خلق لهن ذلك مشاكل لا نستطيع أن نتخيلها الآن. ثم إنني لا أحب أن يعيش شخص ما وفي أعماقه ظن انه يعيش في ظل شخص آخر، أو أن مجرد قدومه إلى هذا العالم هو لمجرد حمل إسم شخص آخر لكي لاينسى.

ـ مريم .. قالت باصرار، وبإجهاد بعد ما عانته طوال الليلة الماضية من إخراج حياة جديد، او متجددة، إلى هذه الدنيا، وزيادة سكان هذا الكوكب الملوث بمقدار إمرأة.

ـ دعينا من الوعود، لماذا لاتسميها كلبة، فهي قد ولدت في عام الكلب حسب التقويم الصيني الأكثر دقة وجمالا من التقويم الغريغوري الأوربي. هذا العام بالنسبة للصينيين هو عام الكلب. ثم ان الأمرلم يحدث عفوا، فنحن لمجرد اننا قررنا ان نغيرالهواء كما يقولون، اطلق علينا منذ أعوام إسم الكلاب الضالة، لقد سمعت ذلك في الراديو، رأيته في التلفزيون، وقرأته في الصحف، حتى الـ “سي إن إن” أصبحت تستخدمه كمصطلح إجتماعي بشري بعد أن ترجمته إلى اللغة الأمريكانية. إسمعي الكلام ودعينا نسميها كلبة. لعل الله نفسه يريد ذلك، ثم إنها ليست المرة الأولى التي يحمل فيها الأنسان إسم الكلب، ألم تسمعي ببني كلاب، وكليب، والكلبيين، و …

لم أكمل كلامي، كانت تنظر إلى برعب، وقد فتحت عينيها على إتساعهما، وقد نسيت كل الألم والتعب والبنج. فهمت على الفور بأنها بدأت تشك في قواي العقلية. ربتت على يدها المتعبة، كما لو كنت أريد أن اثبت لها عن قرب بأنني لم أجن بعد.

ـ بلاش.. دعينا من اسم كلبة، إنه إسم سيء بالفعل، دعينا نسميها جروة، الجروة هي إبنة الكلب، أنا شخصيا لم أعترض عنما خلع علي إسم كلب ضال، بل لعله بدا يعجبني بعض الشيء، أنه أمر مسلّ بالفعل. ليس لي فقط، ولكن للكثيرين غيرى أيضا، تذكرين بأننا أطلقنا الكثير من النكات على ذلك الحدث، واعتبرناه محطة في حياتنا الكلبية هذه. فلنسمها جروة .. جميل .. جروة.

مرت أخرى حدقت نحوي وقد إزدادت حدقتاها إتساعا، كانت على وشك أن تستدعي الممرضة، وتسأل عن الطبيب النفسي بالمستشفى، فحاولت التخفيف من حملتي تلك، حتى لا أجد نفسي في مكتب شخص مجنون يعتقد جادا انه طبيب نفسي، يحاصرني باسئلته التافهة، ويخربش ـ دون أن يستمع إلى ما أقول تماما ـ على ورقة أمامه أسماء أدوية مهدية علي أن أبتلعها فيما بعد.

ـ باهي .. لن نسميها جروة، ولا أي حيوان آخر، أستردي عافيتك أولا، ثم سوف نتفاهم على الإسم فيما بعد. ثم حتى لواننا سميناها جروة أو كلبة، فإن ذلك لن يكون نهاية العالم، أو نهاية التاريخ. وهنا خطرت على بالي فكرة أخرى قدرت أنها قد تكون مقبولة أكثر.

ـ إسمعي.. ما رأيك لو سميناها فوكويامة، باعتبارأن التاء علامة التأنيث، تنويع بسيط على أسم فوكوياما، من يدري، لعل الألف هنا هو علامة التذكير في اليابانية، وربما سافرت البنت غدا إلى اليابان، فيسخراليابانيون من ألف التذكير في إسمها. أنا غير متأكد ما إذا كانت التاء هي نفسها علامة التأنيث في اليابانية الفصحى، ولكننا لن نخسر شيئا، أتعرفين .. لو كانت ولدا لاقترحت عليك إسم فوكويابه، وهو أيضا إسم لابأس به، سميها فوكويامة.

ـ فوكويامه.. ؟؟

ـ نعم .. إسم ياباني جميل، على إسم الأمريكي الذي قال بأن التاريخ قد إنتهى. فلينته، هو تاريخ امنا ولا ابونا ؟.. إننا لن نخسر شيئا ذا بال في نهاية التحليل، أليس كذلك ؟

ـ قال بنهاية التاريخ.. ؟

ـ نعم، رغم أنني لا أرى شيئا قد تغير حولى.

ـ مالذي يجري في عقلك اليوم يارجل.. ؟ إنها المرة الأولى في حياتنا معا، المرة الأولى منذ ستة عشر عاما التي أراك فيها كما لو كنت قد فقدت صوابك بالفعل.

لم افقد صوابي، بل لعلها المرة الأولى في حياتي التي اشعر فيها بهذا الصفاء العقلي، والتماسك الذي يجعلني أتحدث من زاوية منطق الأشياء، بل بلسان وبلعوم وأسنان المنطق ذاته. ولكنها لا تفهمني. كانت دائما تتفهم وجهات نظري، أو توافق دون أن تفهم شيئا، مثلما كنت أفعل أنا أيضا. ولكنها المرة الأولى التي نقف فيها على طرفي نقيض، ونختلف على إسم.

ـ وما الغريب في الأمر إذا اعطيناها إسما يابانيا.

ـ لابد أن فلبينية ما قد عملت لك سحرا، وإلا ماهذا التوجه المريب نحو الشرق الأقصى، مرة تريد أن تسميها حسب الأبراج الصينية، وأخرى تريد اعطاءها إسما يابانيا يذكرك بنهاية العالم.

ـ ليس العالم .. التاريخ.

ـ وما الفرق في ذلك ..

ـ هناك فرق، ولكن الوقت ليس مناسبا لمناقشته الآن.

واستمر نقاشنا أكثر من ساعة، نسيت انها متعبة، فيما كان المصل يتسرب في عروقها قطرة قطرة، حتى تلك الممرضة الهزيلة المصفرة اللون مثل مومياء مصرية، والتي لم تكن تفهم من نقاشنا شيئا، كانت توشك أن تأمرني بالتوقف عن الحديث المتعب، ولكنها قالت بأدب مومياء إنتهى تاريخ صلاحيتها الشخصي منذ عدة آلاف عام، بأن امرأتي في حاجة إلى النوم..

ـ لا أدري عم تتحدثان، ولكنني أقترح أن تتوقفا عن النقاش الآن.

ـ كنا نتناقش عن الكلاب الضالة، أعني عن الكلب الأمريكي من أصل ياباني، والمولود في عام الكلب من التقويم الصيني المقابل عندكم ـ تقريبا ـ للتقويم الغريغو….

ـ نظرت إلى الممرضة مليا وقد فغرت فاها بدورها ..

يا إلهي.. هذه أيضا تظن بأنني قد جننت.. غير انها استأنفت حديثها بهدوء إغتصبته إغتصابا..

ـ مالنا والكلاب الآن، نحن لسنا في مستشفى حيوانات، أريد فقط أن تدعها ترتاح.

كنت أود أن أشرح لها الكثيرعن برج الكلب، أوعام الكلب في التقويم الصيني، وبرالكلب في الأسطورة الشعبية، وعن بني كلاب، والكلبيين. عن ديوجين الكلبي وجرته، والاسكندر، عن الكلاب الضالة، وعن فوكوياما، ويوسف العبد، او يوسف كنخت، وهيرمان هيسه، وما قالته الانسكلوبيديا بريتانيكا تحت مادة كلب، وكل ما يتعلق بالكلاب، وحياة الكلاب في هذا العالم، لولم توقفني نظرة امرأتي وقد بان التعب والإنزعاج بوضوح على وجهها، ثم قالت بوهن والممرضة تعدل لها من وضع ذراعها الذي دخلت فيه إبرة المصل.

ـ إني سميتها مريم..

ـ لاأعرف لماذا تصرين على هذا الإسم، دعينا من الكلاب والكلبيين والصينيين واليابانيين، سميها رمضانة. ألم تولد في رمضان، فلماذا لا تسميها رمضانة.

ـ لقد سميتها مريم.

ـ ألا تذكرين شعبانة، هناك .. لقد ولدت تلك المرأة في شعبان، فدعتها أمها شعبانة. لا أدري لماذا أتذكرها الآن، لقد رأيت ابنها في التفزيون لسبب ما، أعتقد بسب مشكلة ما في لندن. كان يرفع يديه الاثتين ويهتف لصالح احد ما، ربما.. لم أعد اذكر بالضبط، لقد وصل إلى درجة عليا في جهاز الأمن، غيران الناس في القرية مازالت تطلق عليه إبن شعبانة، سمّها رمضانة، لعل أحد ابنائها يصل بدوره في مرحلة قادمة إلى درجة عالية في جهاز ما، ويطلق عليه إسم إبن رمضانة.

ـ جهاز ماذا ؟

ـ اي جهاز، جهاز تكييف، جهاز تسخين القهوة، المهم جهاز والسلام، او ( زهاز) كما يقولون لدينا هناك، تعرفين.

نظرتها تدل على انها لم تكف عن الشك في قواى العقلية بعد.

ـ لقد سميتها مريم.

ـ هل قرأت سورة آل عمران البارحة، لا ارى أي كتاب قرآن إلى جوارك. على أية حال، يبدو انه لا فائدة في متابعة الحديث. كنت أريدها جروة صغير تتبع أباها أينما حل، ولكنها إرادة الأم، سمّها ماشئت، ولكنني سأدعوها بجروتي، حتى إذا كبرت. ربما خطر لي وناديتها رمضانة في بعض الأحيان، أو شعبايامة من باب التنويع والإبتكار. اطلقي عليها الاسم الذي يروقك، رغم ان السلطة هي التي تطلق علينا ماتشاء من أسماء وألقاب، فتأتي الأسماء التي نقترحها نحن في الدرجة الثانية بعد أسماء السلطة.

كنت مازلت أريد القيام بمحاولة أخيرة لاقناع إمرأتي بوجهة نظري، غير أن الممرضة الموميائية كانت تنظر في ساعتها الأثرية القديمة ـ والتي قدرت انها تعود إلى الاسرة الثامنة عشر ربما ـ باستياء، قبل أن تعلن لي بما بدا لي انه يشبه اللغة الفرعونية القادمة من بداية التاريخ الذي أشهد الآن نهايته غير الواضحة تماما، بأن الزيارة قد إنتهت، وانه بإمكاني العودة غدا لمواصلة الحديث حول الكلاب.

ـ ولكنها جروة.

ـ ماذا ؟

ـ لاشيء.

كانت إمرأتي تغط في النوم، والجروة الصغيرة الوليدة ايضا في السرير المستقل إلى جانبها، وبدا لي انها توشك أن تنبح على نحو خال من المجاز. أجتاحتني رغبة شديدة في أن أنبح في وجه الممرضة، أو في وجه أي أحد ألاقيه قبل أن تتقيأني المستشفى إلى الشارع. كنت أريد بالفعل أن أنبح في وجه هذا العالم الكلب.

وعضضت شفتي وانا اشعربالندم، فلقد أحسست بأنني قد وجهت لتوي إهانة بالغة للكلاب.

فبراير/ مارس 1994

مقالات ذات علاقة

حديث بلا شفاه

عبدالرزاق العاقل

شعبٌ من الغبار

عبدالمنعم المحجوب

الوعـــــــــــــد

المشرف العام

اترك تعليق