من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي
قصة

الثور

من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي
من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي

1
… ضباب الصباح.. الثور ينزل من سفح الوادي.. يتبختر فوق الأحجار العريضة المرصوفة التي تُشكِّل ظهر السَّد الحجري القديم.. الضباب على جسده يلتمع.. يقطر من أطرافه.

2
مَستورة ـــ الأرملة التي طال ترمّلها ـــ تجلس أسفل السد.. تُداعب ركبتيها بأصابعها.. تَتجمّد الأصابع فجأة.. تتعلّق عيناها باهتزازات جسد الثور.

3
يصل إلى وسط السد.. يتوقّف.. يلتفت إليها.. يرفع أنفه.. يتشمّم الهواء.. يخور.. لُعابه يقطر.. يُتيح لها مكانها المنخفض رؤيته من الأسفل.

4
يَمضي الثور.. يصل صاحبه.. 
ـــ ما رأيكِ؟ طويل.. أكحل.. مشدود.
يَحمرّ وجهها.. تخفض بصرها.
ـــ أنا أقصد الثور.
ـــ إي والله يا صالح.. ما شاء الله عليه.. فحل.. يمشي مشية ضابط جيش.. تخاف عليه من العين.
ـــ مجنّس.. الأب فريزيان.. والأمّ وطنيّة.. مرقّط.. واثق.. يلمع.

5
صالح كثير التباهي بثوره الفَتِيّ.. ابتداء من قرنَيه الصقيلين المعقوفين كخنجرين.. مروراً بذيله الذي يُشبه سنبلة قمح مقلوبة.. نزولاً إلى حوافره المشقوقة التي تُمكّنه من المشي برشاقة مع سفوح الأودية.. كلّما قام الثور بمغامرةٍ ما.. يقول صالح وفي عينيه بريق: (هذا ثوري)!

6
شاركْنا جميعاً في الإفراط بدلال الثور.. منذ أن كان عِجْلاً.. حظي بِمديح شُعرائنا الذين يَمتدحون كُلّ شيء.. الطَّيْر الحرّ.. الخيل.. الإبل.. وحتى التيوس.

7
يخرج وقتما يحلو له.. ويعود في أنصاف الليالي.. ثُمّ نطح أحدهم.. كُنّا نتوقّع ذلك.. صادفه فوق السد.. زَحَمَه.. غرز في صدره قرنيه المدبّبين.. رفعه عالياً.. ألقى به من فوق الحافّة.. شارك كلّ قاطنِي الوادي في دفع الديّة.. وجّهوا اللوم لصالح:
ـــ ما الفائدة من كسب ثور ذكر.. لا يلد.. لا يحلب.. خيره لغيرك.
ـــ سَمِّن ثورَك ينطحك!
ـــ الله غالب.. اصبروا.. الثور النطّاح ما يموت الاّ منطوح.
ـــ كلّ شيء في هذه الدنيا له عمر افتراضي.
ـــ حتّى الحديد يلين.
ـــ إذا أردتَ أن تؤدِّب ثوراً فاجعل سَوطه من جِلْده.

8
يتَخَلَّى صالح عن قول: (ثوري).. يتحدث عنه بضمير الغائب.. وفي تواطؤ غير مُعلَن بدأنا نتجنّب الثور.. في انتظار أن يقع من فوق السد.. أو يشيخ ويعجز.. فيما هو لا يزال يحتفظ بعاداته القديمة: يتبختر.. يتشمَّم الهواء.. يُشهر قرنَيه.. ويقصّ أحلامنا بخواره في أنصاف الليالي.

(2008)

مقالات ذات علاقة

الجنة

إبتسام عبدالمولى

ما قبل التاريخ

زكري العزابي

شيئاً يناغم ما بعده

اترك تعليق