المقالة

التناغم والتوافق في قصيدة طق العود

الفنان محمد حسن. الصورة: عن صحيفة العرب.

التناغم هو سر الوجود، والكون برمته هو عبارة عن منظومات متداخلة ومتراكبة من أصغر ميكروب إلى أكبر مجرة، كلها تسير وفق أوركسترا أزلية واحدة موحدة متناغمة، لا ترى فيها أي نوع من أنواع النشاز.

إن الإنسان بطبعه لا يفتئ يبحث عن التوافق والتناغم في حياته، إلى الحد الذي يُمكن القول بأن حياة الإنسان من المهد إلى اللحد هي رحلة متواصلة لاصطياد وإلتقاط التناغم، فهو يبحث عن التوافق مع محيطه، ومع الحظ السعيد، ومع الوفرة، ومع السعادة…الخ

ويبدو أن قصيدة (طق العُود) قد بُنيت على هذه الفلسفة، وأُسست على هذا المبدأ، ونشأت من هذه الفكرة.. ويمكنك بسهولة بالغة أن تُلاحظ ذلك إذا قرأتها من هذه الزاوية.

تبدأ القصيدة بنوعٍ غريبٍ من التوافق لم يتفطن له كل الحضور:

“طق العود وطق مقاسه”

و(المقاس) هو الأساور التي ترتديها المرأة التي ترقص على إيقاع (الطبيلة)، ولكن ثمة أمر مسكوت عنه في هذه الكلمات، وهو تناغم حركات جسد الراقصة مع طقات العود، والتي تسببت بدورها في طقطقة المقاس، وربما هذا ما عناه الشاعر فتغاضى عن ذكره بذكر مسببه.

إلا أن ما يعنينا هنا هو تلك العدوى التي تُشبه حركة أحجار الدومينو: تحرك الجسد على إيقاع طق العود فطقت الأساور فطاح شعرها، فتبعتها سلسلة من الحركات والارتدادات التي لم تنتهِ عند دقات القلوب وتصفيق الأكف، وربما لا تزال آثارها تترى وتتوالى إلى يومنا هذا!.

لكن الشاعر لا يهمه كل ذلك، فما ذكره هو مجرد مقدمة تمهيدية لنوع التوافق والانسجام الذي يتمناه وهو: “مبرك يوم توافق ناسه”.

إن كل ما أراده الشاعر قد عبَّر عنه – ضمناً – بمعادلة منطقية صارمة، لا تقبل الجدل بالنسبة له: بما أن عودي توافق مع طقطقة أساورها فلا بد أنني سأتوافق مع أهلها، أو بمعنى آخر: بما أن عودي قد توافق مع طقطقة أساورها؛ إذن.. فهي لي!.

إن التوافق بين طقة العود وطقة المقاس، لم يكن سوى بشارة أو إشارة إلتقطها الشاعر ليثني على التوافق بينه وبين أصهاره وكأن الأمر حدث بالفعل، فهو لم يقل: أتمنى، وإنما قال: ما أبرك هذا اليوم.. إذن فالموضوع وصل إلى درجة المباركة، أي أنه تحصيل حاصل بالنسبة له.

ثم ينطلق الشاعر في تعداد أنواع التوافق ليثبت لنا أن ما حدث من توافق وتناغم طقطقة المقاس مع طقطقة العود، وما (حدث) من توافقه مع أهلها لم يكن محض مصادفة عابرة، وإنما هو أمر طبيعي وسنة كونية، فيقول:

“من يوماً صار معاشرها.. عشرة لرقة للترفاسة”

ولا شك أن هذا من أبرز أدلة التوافق، فالباحثين عن الترفاس (الكمأ) يستدلون على وجوده بوجود عشبة (الأرقة)، وهنا يُخبرنا الشاعر بأنه لا أهمية لمعرفة أسباب التوافق، فالمهم حقاً هو وجود التوافق فقط، كما أنه لا أحد من جامعي الترفاس يسأل عن أسباب هذه الرفقة القديمة بين الترفاس والأرقة.

ثم يستمر الشاعر في جمع الأدلة وتحشيد البراهين على وجود التوافق، وكأنما هو في مناظرة بينه وبين نُفاة التوافق، فيقول:

“جوف اللي تشبى بهرجها”

ومعنى تشبى أي: تشب، وهو أن تقف الفرس على قدميها الخلفيتين رافعةً رأسها وقدميها الأماميتين، وهذه الحركة يستحيل أن تحدث مع وجود الهَجْر وهو ربط قدم خلفية مع قدم أمامية في حبلٍ واحد، إذ لا بد أن تتوافق القدمان الأماميتان في الارتفاع، وتتوافق القدمان الخلفيتان في الوقوف وحمل جسد الفرس، ومع ذلك فغريزة التوافق تنتصر لتشب الفرس رغم أنف الهِجار.

ولا يكتفي الشاعر بذلك بل يُمعن في إثبات التوافق في وصف شَعرها الذي تدلى نتيجة لهذا التناغم ليغطي جسدها وكأنه قطعة من الليل تكسو الأرض برمتها، اختار القمر فيها أن يغيب عن المشهد لسببين:

الأول: لتأكيد سواد الشَعر.

والثاني: لأنه لا يُمكن أن يجتمع قمران في ليلة واحدة.

ولكن السؤال الذي يتناغم مع هذا الطرح هو:

لماذا هو بالذات، ولماذا عوده هو الذي أحدث كل هذه السلسلة من التناغم والتوافق؟

ألا يُمكن أن يكون هذا التوافق لأحد رفاقة الذين يطقون معه؟

الشاعر يقطع الشك باليقين، وينفي هذا الاحتمال منذ بدايات القصيدة بقوله: “وجَتْ قدامي”، فالجواب جاء منها هي، وهي صاحبة الشأن، والفيصل في هذه القضية، وقد حسمت القضية لصالحه فعلاً لا قولاً حين جاءت تدنو منه جاثية على ركبتيها، أو على حد تعبيره “ركبة بركبة” لتتوافق معه جلوساً كما توافقت معه إيقاعاً وحركةً، وكما توافقت معه طقة بطقة، وكما توافقت معه هياماً وعشقاً!.


القصيدة من تأليف المبدع: علي الكيلاني، غناء الفنان الراحل محمد حسن.

مقالات ذات علاقة

إليكم هذا التقرير..!

إبراهيم حميدان

تكتيكات الصحافة الإلكترونية

رامز النويصري

ملحمة فزان

منصور أبوشناف

اترك تعليق