المجموعة القصصية الطائر الذي نسى ريشه
دراسات

التماسك اللغوي المكون للخطاب الحكائي عند زياد علي (الطائر الذي نسي ريشة) أنموذجا

عبد الجليل غزالة (كاتب من ليبيا)

عن الشبكة
عن الشبكة

طرح  الاشكالية:

ما الوسائل اللغوية التي يستعملها القاص الليبي زياد علي لتسطير كيفيات الاتساق النصي داخل مجموعته الحكائية التي تحمل عنوان (الطائر الذي نسي ريشه )؟ هل تستطيع المفاهيم الغربية المنظمة لألسنية النص تحديد اتساق الخطاب الأدبي عند المؤلف؟

الاطار النظري:

تدرج ألسنية النص والخطاب وكذلك قطاعا نحو النص وتحليل الخطاب مصطلح الاتساق النصي في العديد من بحوثها الأساسية. نوظف مصطلح الاتساق النصي في دراستنا الحالية لتحديد التماسك المتين بين الأقسام اللغوية المكونة للخطاب الحكائي الذي ينجزه زياد علي من خلال (الطائر الذي نسي ريشه ). يقوم اتساق النص الحكائي على بعض الوسائل اللفظية التي تربط بين العناصر اللغوية البانية لجزئيات الخطاب المتلاحم داخل هذا العمل الأدبي.

سيقطع عملنا طريقا خطيا مترابطا منذ البداية حتى النهاية، بغية وصف النصوص التي تخلق هذه المجموعة، وتحليل الضمائر والاشارات المحلية والاحالات (سابقة ولاحقة). كما سندرس أدوات الربط والعطف والاستبدال والحذف والوصل والتوظيف المعجمي للكلمات القابعة داخل هذه الحكايات. والحقيقة أن مقاربتنا الألسنية ستبقى قاصرة على بناء موضوع الخطاب الحكائي والبنية الكلية للانتاج الأدبي الذي يقدمه زياد علي. فالظاهرتان تحتاجان الى مقاربة خارجية، أما ممارستنا الحالية فستكون داخلية خالصة، تبرز مظاهر الاتساق النصي أن كل ابداع أدبي يجسد لحمة خطابية موحدة، في حين أن غيابها يقصي هذا الاتساق ويدخل النص في دائرة العدم: أي وجود جمل مفككة ومبتورة. يشترط الاتساق النصي على كل مقطع لغوي خلق كل موحد، تتوافر فيه “خصائص معينة تعتبر سمة في النصوص ولا توجد في غيرها، ولا يقف الاتساق النصي عند المستوى الدلالي فقط، وانما يتوغل أيضا داخل مستويات أخرى مثل النحو والمعجم. وهذا مرتبط بتصور الباحثين للغة باعتبارها نظاما يملك ثلاثة مستويات : الدلالة (المعاني)، النحو والمعجم (الأشكال ) والصوت والكتابة (التعبير). يعني هذا التصور ان المعاني تتحقق كأشكال والأشكال كتعبير…” ( 1).

يهتم الاتساق النصي بالعلاقات الموجودة بين أقسام الخطاب الأدبي، لكي يحدد مجموعة من الوسائل والمظاهر التي تربط بين عنصرين لغويين: عنصر لاحق وآخر سابق.

الاتساق النصي في (الطائر الذي نسي ريشه):

يرتكز الاتساق النصي عند زياد علي في هذا المجموعة الحكائية على عدة وسائل ومظاهر لغوية محددة، تنسج البنى الداخلية بكل علاقاتها ووظائفها، نذكر من بين هذه الوسائل: الاحالة، الاستبدال، الحذف، الوصل والاتساق المعجمي.

الاحالة:

يطلعنا التحليل الألسني الخطابي ان مؤلف هذه المجموعة الأدبية يوظف عدة إحالات لغوية تبرز أن العناصر البانية للنصوص لا تستطيع بمفردها تأويل الخطابات الداخلية، بل لا بد من الرجوع إلى ما تحيل إليه مثل بعض الضمائر الوجودية المنفصلة والمتصلة وضمائر الملكية والنسبة وكذلك أسماء وظروف الاشارة الزمكانية وأدوات المقارنة (كمية وكيفية )… يحكم زياد علي نسج إحالاته اللغوية المشكلة لخطابات (الطائر الذي نسي ريشه) بواسطة نوعين من الضمائر:

1- 1- : ضمائر وجودية منفصلة: (أنا، أنت، هو، هي. نحن، أنتما، هما، هم، هو).

تنتظم هذه الضمائر داخل عدة صفحات من هذه المجموعة الحكائية، نجد في ص 9:..”وشربت ماء لا هو من الأرض ولا هو من السماء”. فالاتساق النصي ينطبق هنا من الجملة الثانية المحتوية على الضمير المنفصل(هو)، الذريحيل الى الكلمة السابقة (ماء)، المقيمة في الجملة الأولى.ان هذه الاحالة تجعل الجملتين متسقتين نصيا وتمنع تكرار بعض الكلمات التي يعوضها الضمير المقيم في الجملة الثانية. ولذلك نقوم بتأويل الجملتين (الأولى والثانية) باعتبارهما لحمة متحدة تبني نصا أو جزءا منه، تبعا للطول والقصر. يتوالى نظم زياد علي للاتساق النصي داخل (الطائر الذي نسي ريشه) بالضمائر عينها، وهكذا نصادف الأمثلة الآتية في ص 12: (أما الماء الذي شربه وهو ليس من الأرض) وفي ص 21: (وهو يحادثه في شأن الافراج..) والصفحة 45 تبرز لنا الضميرين الوجوديين المنفصلين: (أنا/أنت) من خلال المقابلة: (أنا أفقرته، وأنت تغنيه.. أنا قتلته، وأنت تحييه ). فهذه العلاقات اللغوية بين الجمل اللاحقة والسابقة قامت على الضمائر المذكورة آنفا، وهي التي ساعدت الكاتب على بناء خطاب حكائي متماسك… اذن يشترط الاتساق النصي هنا توافر بعض الضمائر العائدة صحبة الكلمات التي تعود عليها، فالا حالة تكون تبادلية بين الضمائر والكلمات التي تحيل اليها: أي أن الاثنين يحيلان إلى الشيء ذاته. يبث الكاتب رسالة لغوية محكمة الى القارئ العربي من خلال ضمائر منفصلة تربط بين جمل لاحقة وأخرى سابقة. فالقارئ لمجموعة (الطائر الذي نسي ريشة) لا يستطيع الفصل بين الضمائر العائدة والكلمات التي تحيل اليها، لن تقوم للاتساق النصي قائمة اذا ألغى القارئ الضمائر قائلا: (شربت ماء، لا ماء من الأرض ولا ماء من السماء)، فعدم تعويض كلمة (ماء) في الجملة الثانية والثالثة بضمير عائد مناسب يقصي الاتساق النصي ويبذر التفكك بين الجمل الثلاث.

تقف التحاليل الغربية الألفية الخطابية التي ترصد الاحالة النصية عند مفهومي الضمائر المنفصلة والعلاقات السابقة، في حين أننا نجد في اللغة العربية مفهومي الضمائر المتصلة والعلاقات اللاحقة، علاوة على المفهومين الغربيين السالفين. لذلك يعد طرح الاحالة النصية داخل اللغة العربية أوسع مما هو عليه داخل اللغات الغربية (الانجليزية والفرنسية مثلا) نجد عند زياد علي:

ا – 2 ضمائر وجودية متصلة :

ينتج المؤلف جملا ثانية وثالثة ورابعة.. متماسكة نصيا ومرتبطة بالجملة الأولى، عن طريق بعض الضمائر الوجودية المتصلة البانية للاتساق النصي.

تطالعنا الصفحة 5 بالقول التالي (شيخ وزوجته لم يخرجا من الدنيا إلا بولد عوضهما الله به عن الفقر وقسوة الزمان، فعاهدا نفسيهما أن يهباه للعلم والمعرفة). فضميرا المثنى (الألف/هما) يجعلان الجمل اللاحقة تحيل الى الجملة الأولى (شيخ وزوجته ) يمكن توضيح هذه العلاقة السابقة بالمخطط الآتي:

يبني الضمير المثنى السالف علاقات وثيقة مع الجملة الأولى (شيخ وزوجته). وهي علاقات تخلق اتساقا نصيا بين الجمل. ان تأويلا عشوائيا يقصي ضمير المثنى العائد سينتج جملا حكائية غير (أصولية) ويؤدي الى تكرار بعض الكلمات التي تجعلنا الضمائر في غنى عنها.

يوظف القاص زياد علي في مجموعة (الطائر الذي نسي ريشه) إحالة لغوية أصيلة تقوم على عدة ضمائر وجودية متصلة ومنفصلة. إن هذه الانجازات اللغوية المبدعة تسلك طريقين للاحالة :

1-3 طريق الإحالة المقامية:

يعانق المؤلف العالم الذي يقع خارج النص الحكائي.

1-4 لحريق الإحالة النصية

يلج المبدع الى أعماق نصوص هذا المجموعة فينغفس فيها، يخلق الطريق الأول النصوص الحكائية، حيث يجعل الكاتب يحدد الفضاء الزمكاني للأحداث التواصيلية داخل عمله، وكذلك العلاقات الفيزيائية بين المتفاعلين مع الحكايات “بالنظر الى ايماءاتهم  واشاراتهم  وتعابير وجوههم ” (2). يجعل الطريق الأول المبدع زياد علي يربط لغته الواصفة بسياق المقام الحكائي. وقد أجاد ذلك بدقة متناهية. تذكرنا التقنيات الحكائية الموظفة والمكونات المعرفية المضمرة، التي يغلفها الكاتب بطرق أسلوبية متينة، بحكايات (ألف ليلة وليلة) الشائعة في الكون وبـ(مائة ليلة وليلة) التي درسها الباحث التونسي محمود طرشونة وببعض الحكايات الروسية التي وضع لها “فلادمير بروب” تنظيرا شاملا… وبالحكاية المصرية الخلاقة (ياسين وبهية) وبغيرها من الحكايات في العالم، مما يجعل مؤلف مجموعة (الطائر الذي نسي ريشه) يتواصل عالميا دون دونية أو زلل مع تقنيات وشروط الانتاج الموضوعي للحكايات الكونية. لا يوصل طريق الاحالة المقامية زياد علي الى تأسيس اتساق مجمل داخل مجموعته الحكائية، في حين أن طريق الاحالة النصية يمثل سر الاتساق اللغوي عند هذا الكاتب.

1-5 علاقات لاحقة:

لا تتعرض الألسنية الخطابية الغربية لهذا المفهوم، أثناء الممارسة التطبيقية، يقف تحديدها له عند المستوى النظري فقط. تحكم الاتساق النصي، الذي يخلق تماسكا متينا بين الجمل المتوالية المكونة للخطاب الحكائي عند زياد علي، مجموعة “من العلاقات اللاحقة كقوله في ص 45:

“انا أفقرته، وأنت تغنيه

أنا قتلته، وأنت تحييه..”

ان الضميرين المنفصلين الابتدائيين “أنا، أنت” يحيلان الى الافعال اللاحقة “أفقرت/ تغني، قتلت لم تحيي”. فالعلاقة بين الضمير المنفصل والفعل هي علاقة السابق باللاحق من حيث الدلالة والتركيب. نجسد ذلك بالمخطط الآتي:

أ _ أنا _ أفقرت + (ـه) _ علاقة لاحقة.

    أنا _ قتلت  + (ـه)  _ علاقة لاحقة.

ب- أنت_ تغني + (ـه) _ علاقة لاحقة.

أنت  _   تحيي  +(ـه) _ علاقة لاحقة.

يفرغ الكاتب نصوصه الحكائية في قوالب لغوية مقبولة تلوح بانجازاته الألسنية الموظفة لأسلوب شخصي متميز، يعتمد على المقابلات والمقارنات والإبراز أو الإخفاء لبعض العناصر اللغوية. وهي خصوصية أسلوبية لا مضارع لها عند مبدعي النصوص الحكائية، لأنها تنسج الخطابات بلغة واصفة ترسم في بعض الصفحات معالم الخطاب الصوفي والسريالي بدقة فريدة… يوزع زياد علي أدوار الكلام داخل نصوصه الحكائية المتسقة عن طريق الاحالة اللغوية المرتكزة على عدة ضمائر منفصلة وأخرى متصلة، كما أنه يغادر النص ليعانق الإحالة المقامية التي تقطع جذور الاتساق النصي، مما يجعل بعض الخطابات تتوغل في السرد. تضم الإحالة اللغوية، التي تمثل مظهرا قويا من مظاهر الاتساق النصي في حكايات (الطائر الذي نسي ريشه)، مجموعة أخرى من الضمائر نطلق عليها:

1- 6ضمائرالملكية والنسبة:

أبرز التحليل الألسني الخطابي أن الكاتب يبدع اتساق نصوصه الحكائية بالاعتماد على استعمال ضمائر وجودية منفصلة ومتصلة تخلق علاقات سابقة ولاحقة بين الجمل المتتالية. ارتبطت هذه الضمائر كلها بالأفعال فقط. نجد وسيلة أخرى للاحالة اللغوية عند زياد علي، وهي توظيفية لبعض ضمائر الملكية والنسبة المتعلقة بالأسماء فقط، مثل : “أصحابه، أهله، خالي، عزمهما، أصحابك، لفرسه، جسدها، بأنغامه، موقفهما، ولدي، أغانيه، دكانك، صديقه، قصتك، والدك، رأسه، لكلبه، مهرها، سلوكه، طبعه، بعيادته، أمي، “بوي”، أحواله، تجارته، عملك، جوعه، سراحه، بأرجلها، بطنها، والده، خاله، بجناحيه، ريشه، صلاتكم، مشاكلكم، نفسا، ولدها، مضاربهم، أولادي، أختي، خالها…”. يوظف زياد علي ضمائر الملكية والنسبة ليبني اتساق النصوص الحكائية التي تحملها مجموعة (الطائر الذي نسي ريشه)، يساعدنا هذا التوظيف على التمييز بين أدوار الكلام التي تنتمي اليها كل ضمائر الملكية والنسبة المتعلقة بالمتكلم : (ولدي، أمي، بوي، أختي…) والمخاطب : (أصحابك، دكانك، قصتك، والدك، عملك صلاتكم، مشاكلكم، أولادك…)، والغائب بأعداده الثلاثة : (أصحابه، أهله، عزمهما، بفرسه، جسدها، بأنغامه، موقفهما، أغانيه، صديقه، رأسه، لكلبه، مهرها، سلوكا، طبعه، بعيادته، أحواله، تجارته، جوعه، سراحه، بأرجلها، بطنها، والده، خاله، بجناحيه، ريشه، نفسه، ولدها، مضاربهم، خالها…). تحيل ضمائر الملكية والنسبة السالفة الى السياق المرتبط بالمتكلم والغائب والمخاطب والفضاء الزمكاني. انها ضمائر نعتبرها بنيويا خارجة عن النص. وهو ما نعتناه سابقا بالاحالة المقامية.. لا تلج هذه الاحالة عالم النص الحكائي إلا في الكلام المستشهد به “أو في خطابات مكتوبة متنوعة من ضمنها الخطاب السردي، وذلك لأن سياق المقام في الخطاب السردي يتضمن سياقا للإحالة.. وهو تخيل ينبغي أن ينطلق من النص نفسا، بحيث ان الإحالة داخله يجب أن تكون نصية “.(3)

والحقيقة أن الخطاب الحكائي الذي يوظفه زياد علي لا يلغي الاحالة السياقية التي ترحل خارج نصوص (الطائر الذي نسي ريشه). يمكن اعتبار الضمائر التي يستعملها الكاتب : “أنا، نحن “، أو تلك تشير الى القارئ العربي: “أنت، أنتم ” بأنها سياقية. وهي عملية لغوية تؤدي الى تنوع أدوار الكلام في خطابات هذه المجموعة. يتجلى الدور الرائد للاتساق النصي عند زياد علي في بعض ضمائر الغيبة العددية (مفرد، مثنى، جمع) التي تؤدي أدوارا كلامية مخالفة للضمائر الوجودية المتصلة. هذه الضمائر هي: (هو، هي، هما، هم، هن )، وقد سبق الذكر أنها تخلق علاقة سابقة مع الجملة الثانية : “وشربت ماء لا هو من الأرض ولا هو من السماء”. انها تربط عناصر النص ببعضها وتصدد كل فراغ بين الأقسام. والملاحظ أن ضمائر الملكية والنسبة الموظفة في هذه الحكايات تقوم بعمل مزدوج : فهي تضم المالك والمملوك أو المنسوب، والمنسوب اليه، من خلال التدقيق في كيفية عودة الضمائر على الكلمات المتعلقة بها.

________________________________

نشر بمجلة نزوى

الهوامش

ا – محمد خطابي، لسانيات النص: مدخل الى انسجام الخطاب، المركز الثقافي العربي: الدار البيضاء، المغرب، ط ا، ا 199، ص 15.

2 – المرجع نفسه، ص 17.

3- المرجع نفسه، ص 18.

مقالات ذات علاقة

البناء النصّي في شعر عبدالمنعم المحجوب (10) .. جدلية التعاقب والتراتب في أزمنة القصيدة

المشرف العام

ليبيا واسعة – 7 (صقع)

عبدالرحمن جماعة

مقدمة كتاب: خراريف ليبية

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق