المقالة

التليسي.. فلسفة التحرر والبقاء

الفنان التشكيلي مرعي التليسي

جمعتني جلسة ذات يوم مع الفنان مرعي التليسي بمرسمه، وكان مشغولا بفكرة سر البقاء، يحدثني جالسا أمام شاشة «الكمبيوتر» محركا يداه في الفراغ قائلا: «كيف يمكن لإنسان المحافظة على حياته في أحلك الظروف، خصوصا إذا وضعك القدر في صحراء جرداء لا ماء فيها ولا كلأ، ما السبيل للعيش في هذا اليباب؟».

اعتقدت أن ذلك كان ترفا فكريا من التليسي وهو يبحث مستعينا بمحرك «غوغل» ربما عن صيغة بدائية للحياة، وفق ظروف قاسية إذا ما جالت عليك الدنيا بوجه كالح، لكن يبدو اليوم أن ترف التليسي ماض في تحوله إلى حقيقة مرعبة، ويقترب ككرة ملتهبة من العذاب لتجرد الليبيين من أبسط حقوق الكائن «الحياة».

تلك إشارة للصيغة التي يؤثث بها التليسي كينونته الفنية ويستثيرها باحتمالات تشاكس المعتاد، وهي نتاج مران متواصل لتذويب المادة اللونية في أعماله وتطويعها للتماهي مع سقف انزياحات رؤية فلسفية للفنان، تتبنى تهشيم النمطي إلى ما لا نهاية، كما تسيح «اللافا» البركانية ظفائر ثائرة متحررة من غطاء القشرة.

فنرى في مشهد نظرة الفتاة المبتسمة لحياة تتوق لرؤيتها بعد أن غادر خيالها قبل جسدها ممزقا غلاف اللوحة، متحررا من فيزياء مربعها الصغير، جاذبا جسدها إلى سحر العالم الواسع، وفي صورة أخرى تبدو متوثبة أكثر للخروج، بانحناءة خفيفة متجاورة مع الطائرة الورقية وسيوف الرمال الممتدة، تنتفض هذه الرؤى بالحركة ممتاحة من رصيد الذاكرة والتجربة وفلسفة الألوان ومعاني الإسقاط، بالنظر عميقا في أسئلة الفن والتشكيل، خصوصا التي يراها التليسي عبر أعماله اقترابا من موضوعات الهوية المحلية من جهة والتنوير بأبعاده الإنسانية العامة.

وليس بعيدا عن اللوحات الثلاث، حيث اليدان تمزقان العازل وتغازلان قرص الشمس، تحاكي هذه الومضة مغزى الاكتشاف والسباحة نحو مكامن الضوء باستنارة ذاتية مشحونة بالرغبة في الحرية والانشداد نحو آفاق مغامرات مفتوحة مسيرة بخيال جموح، ذلك الذي يعلن عنه الطائر الواقف على السياج يناجي تموجات السماء الملونة، بنظرة عمودية إلى الفضاء وهو المجال الحيوي الذي يعاكس حالة الثبات المميت، ويعبر عن الحركة في ذروتها القصوى وهو التحليق.

وربما ستكون الفتاة الجالسة مع رفيقها وهو يعزف أنغاما على الناي تكملة لدائرة سفر الخروج في الإمضاءات اللونة الأربعة من الإطار إلى الفضاء، كسيناريو تخيلي لوجهة نظر متصورة مني تحاول أن تتناغم مع سياق التأويلات المتعددة التي يشغف المتلقي المجهول دائما لإسقاطها على جسد اللوحة بعد تحررها من زمن الإنجاز وتهشيمها لسجنها المؤقت، وقد تتمادى الحالة في ثوريتها كما تفعل السمكة بكسرها الزجاج متفجرة برغبة الحياة والتوق قد تتجاوز انجرافاته للتخلص من كل شيء حتى من الحياة ذاتها، وقد جسدت في ذلك الرغبة الأزلية في التحرر والبقاء، البقاء الذي حدثني عنه التليسي في مرسمه.

لم يقتصر السرد التشكيلي عند مرعي على الإلماحة فقط، بل تفاعل مع مظاهر الحياة الليبية في مكونها الحضري والصحراوي، وقد عاين بخياله ملامح تلك الفضاءات، وجهد في ملاحقة تفاصيلها، كما في حديث الجارات بالمدينة القديمة أو تجوال رجال الطوارق رفقة المهاري، أو اتكاءة البدوي على عصاه سارحا بنظره إلى شيء ما.

لكن بالنظر إلى اللمسة الواقعية في هذه الأعمال، ندرك هدفا يحاكيه التليسي وهو تبسيط لغة الجسد في مقابل فتح مدى الإحالة التعبيرية للنص غير المرئي أو الشق الملغز، الذي سيقوم الشريك الآخر «المتلقي» بإكماله كما يفعل في كل مرة ودائما.

وليس البقاء الفيزيائي مقصودا من هذا الإبحار في عوالم التليسي، فهو زائل بفعل ناموس القدر، إنما صد الفناء بالمعنى الفلسفي، المبني على صمود تجليات الوقع الجمالي للأثر الإنساني، عبر الزمن، وتحفيز مهارات القدرة البشرية ولغز تحديها الساحر.

مقالات ذات علاقة

ما يمسكهم اكتاف..!!؟

جمعة الفاخري

المقتبسات

ناصر سالم المقرحي

إذاعة طرابلس وفيروز

فاطمة غندور

اترك تعليق