المقالة

التلفزيون وأنا…

 

لست على علاقة وطيدة بذلك الجهاز البارع في الكلام والحركة دون انقطاع… ككل الصغار احببت الرسوم المتحركة، وتابعت الأغاني وتمايلت معها.. كبرت قليلا في بيت يقطنه أغلبية من الذكور، فتابعت مباريات كرة القدم، وشجعت الفريق الهولندي واللاعب كرويف… ثم تابعت مباريات التنس وكنت وما ازال شغوفة بهذه اللعبة التي تتابع فيها الكرة ويلهث خلفها لتركل بضربة واحدة تشعرك بالنشوة.. تابعت السويدي بورغ وضحكت على حركات ماكنرو.. وكان لرولان جاروس وغلبة اللون الأخضر في ملعبه وقيافة المشاركين في ادارته جاذبية خاصة.

تحكمت والدتي في أزراره خاصة في اوقات الامتحانات.. لكن ما أن يحل الصيف حتى نتبادل دور التسلق فوق السطوح ومحاولة توجيه الهوائي لإلتقاط القناة التونسية والقنوات الإيطالية.. مع الصياح والتوجيه من الإسفل…

لكنني شيئا فشيئا فقدت العلاقة مع “التي في”.. احببت الحركة الحية والكلمات المباشرة، فعشقت المسرح وخاصة الغنائي منه.. واحببت السينما التي تتعاقد معك على مدة محددة… 

حتى انقطعت العلاقة به تماما وعشت في غرف وبيوت لا تعرف جهاز التلفزيون قبل أن يتحول إلى شاشة مستطيلة مسطحة.. ففي غرف داخلي “البركة” كانت العلاقات والروابط بين سكانه تغنيك عنه..مسلسلات واغان وقصص حقيقية تدور من حولك، ثم في باريس نسيته تماما من كثر انشغالي وانطلاقي لمشاهد من حولي ناهيك عن الفنون الدائمة على ركح المسارح والمهرجانات المتنوعة لأعراق وثقافات جعلت من باريس مسرح العالم.. حتى انني وصلت إلى حضور ” fete de l’humanite” ثم عدلت عن حضوره.

واصبح حضور المسرح والمهرجانات والحفلات الموسيقية جزءا من ترحالي…

وهكذا حين انتقلت نقلة نوعية إلى بيت جديد اصطحبت بيانو اشتريته من المركز الثقافي الروسي بطرابلس.. ولم اعبأ بشاشة تزين حائطي.

أعيش بدون شاشة دائمة الصور والثرثرة.. اتحكم في جهاز حاسوبي، اختار ما أرغب في مشاهدته.. أفضل الصمت أو الاستماع لأغنية احبها أو الانصات لنوتات موسيقية أو في بعض الأوقات متابعة مسلسل وحيد بناء على نصيحة. واستخدم غالبا حاسوبي في القراءة.

اعتبر الشاشة المسطحة ضوضاء دائمة واستغرب حين أزور البعض أن أراها مشاركة معنا، تفرض دفة الحديث وغالبا ما استأذن بلطف من مضيفتي أن تخفض صوتها، والاستجابة تكون عادة بإخراسها بنقرة على زر فأستريح.

وبتعدد القنوات، بات هذا الجهاز يلعب ادوارا كثيرة… ينتقي ويصب المعلومات، ويخلب العقول، ويهز الافئدة ويؤثر في الأفكار وتوجهها .. بل أعلن أحداثا وحرض عليها ووجه دفتها. جهاز ينمي حاسة السمع ويعطل بقية الحواس. 

لست ضده، ولكنني لا استخدمه ولا أستسلم إليه، ولا أعيش متفرجة بين جدران.. معتقدة بأنني فاعلة وما أنا بذلك!

مقالات ذات علاقة

مناقشات خيالية … دِماءٌ على أربعةِ شواطئ

يوسف القويري

ما يمسكهم اكتاف..!!؟

جمعة الفاخري

هابيتوس العودة الفلسطيني

نورالدين خليفة النمر

تعليق واحد

مهند شديد 7 مايو, 2018 at 18:22

تلفزيون زمان كان أجمل من تلفزيون اليوم الذي يركز على البهرجة

رد

اترك تعليق