قصة

التـمـثــال

– I –

كلّ الذي أردت أن أصيغه من جمال لا وجود له، إلاّ في مخيلتي وأراه مستلقيا على خيوط القمر، وسط فراش الليل الجليل بأحلام الشباب الوردية.

جعلته بين جزئيات هذا التمثال المهيب الذي يشبهني، من الطين الذي خلقني منه الله العظيم الأعظم، من مسحوق الرخام الذي يعشقه كلّ البشر لشدّة قوته ولمعان سطحه، من الماء الذي هو إكسير الحياة بالرغم من عدمية لونه وطعمه ورائحته، من ذرات أللآلي وماء الذهب، حتى يكون ثمينا، عالية قيمته بما يمنع أي أحد من شرائه، فيكون ملكا خالصاً له.

شكلتُ التمثالَ، وأضفت عليه قدرا من مياه الأعشاب العطرة، والأزهار الجميلة، من حقول وبساتين عدة.

مزجت كلّ ذلك المعجون الذي لم يسبقني إليه فكر فنان عظيم من قبل.

وفوق ذلك أيضا، ولكي يكون التمثال أعزّ مكانة وأكثر مهابة، وأوفر حسنا، نحته من أخلاق الطيبين، وحكمة الفلاسفة، وزهد العارفين، ورأى المتصوفة، وحياء العذارى.

جعلت قامته طويلة.

رأسه مستديراً.

صدره عريضا.

يديه بأصابع طويلة، دقيقة، تصلح جيدا للعزف على أوتار الحياة، ونصف جسده الأسفل، في غاية الرشاقة، مناسبا لنصفه الأعلى.

 في الوجه ناعم الملمس، رسمت له عينين، تنظران إلى الأمام وتتجهان إلى السماء قليلا.

الأنف مدبب أوله، مستدير أسفله، تحته فم يكاد ينفرج عن كلمة حب.

الذقن شكل بين المثلث، والخط المنحني.

الأذنان متوسطتان الحجم منفرجتان قليلا إلى الخارج، كأنهما في حالة إنصات لحديث داخلي.

والوجه بآسره يتكئ على رقبة مكتنزة باستدارة دقيقة.

 منذ الوهلة الأولى للواقف أمام التمثال، يلاحظ الدقة في النحت، والانتقاء الشديد لتضاريس الجسد خاصة، وأن الأخاديد والتجاعيد، جعلتها مطلية بالذهب، بما يمكن أن تعكس أية أشعة ضوئية منعكسة عليها، وبما يسمح للظلال أن تكون ظلا آخرا لها.

من المؤكد جداً، أنني كنت، حيث أقوم بعملية النحت، قد دسست بشكل لا يبدو مختفيا، كلّ الذي كان يمر في خاطري، من أمور، ومسائل، قد كانت تشكل فيما تشكله على سطح الحياة العامة، من مشاكل وأزمات، الجميع تقريبا، كان يشعر بها.

هذه الحركية في الأصابع، هي التي كانت تنحت التمثال بشكل ينساب ما في نفسي عبر أصابعي إلى الجسد كأجزاء تشكل الكلّ دون فكرة محددة بالنسبة لي أو مسبقة على نحو غرضي.

هذا ما أقوله للحقيقة، وهو شيء لم أخفه، لكنني أوضحه فقط.

كلّ ما كان لدي، قد صببته صبا في التمثال. وهاهو ذا ينتصب في الساحة الكبيرة كعملاق خرافي، ومنذ ثلاثة أيام فقط، لم يتغير شيء فيه، إلاّ بعض الخدوش التي أفلحت بدرجة ممتاز، في إخفاء اسمي على صدره بما أكد لي أن سوء نية لأحدهم، قد فعلت فعلها، لكنني لم أكثرت لهذا الفعل الغبي، لأن الكثير من متساكني المدينة قد شاهدوني وأنا أقوم بنحته، دون أن يسألني أي منهم عن ما أقوم به.

هذا أمر طبيعي، لأن السبب يدركه الجميع، وهو تزيين الساحة الكبيرة بتمثال عظيم فقط لا غير.

كلّ ما في الأمر، من ناحيتي على أقل تقدير، أن أصنع تمثالاً عظيماً كعربون محبة أقدمه لمدينتي.

ويبدو أن الحكومة، قد أدركت المعنى، وأحبت أن تكافئني على عربوني هذا، فقامت بأحياء حفلة صاخبة، كإعلان عن ميلاد التمثال.

الاحتفال جرى كما أُريد له أن يكون، وفق برنامج أُعد سلفا وعاشت المدينة ليلة راقصة من شدة الفرح البهيج لم تنته إلا مع الصباح، حيث عدت إلى بيتي الضيق الذي لا أملكه، وغصت في نوم عميق حتى المساء إذ داهمتني رغبة جامحة لرؤية ما شكلته يداي.

– II –

قال أحدهم لصاحبه محاذياً التمثال.

– علينا أن نسبق غيرنا بتقديم باقة ورد ضخمة له.

فالجميع قد أحضر الشموع فقط.

الفكرة راقت لصاحبه، إذ سمعته يوافقه، وانسلا من الازدحام وغابا.

إن وقتا طويلا لم يمض حين وجدت العديد من البشر يضعون باقات الزهور حتى امتلأت جوانب التمثال وروداً، بما حوّل المكان إلى بستان زهر كبير.

شموع كثيرة وحقل من الورود، وسط دخان البخور ورذاذ العطور، كان التمثال يغوص فيها.

استغربت لهذا وانصرفت إلى تسكعي على أرصفة المدينة التي وجدتها خالية إلا من أقدام ساكنيها تتجه إلى حيث تمثالي ينتصب. فأقفلت راجعا.

هاهو ذا الازدحام، يشمر على ساعديه، ويتحفز إلى فعل ربما لم يأت به من قبل.

يا إلهي الوحيد

التمثال صار معبودا

الوجوه جميعها تقابل

القامات تطأطئ له

التوسلات تنهال عليه

 الأدعية تصم أذنيه

القرابين تقدم له

أجساد النساءات تتمسح به

الأكف ترفع له

أذهلني ما أشاهده وأسمعه وأرعبني المنظر، الحالة أدهشتني وعقدت لساني.

قلت في داخلي.

كارثة عظمى تداهم المدينة، وفوضى تنساب في تسلل غريب بين ثنايا المكان.

– III-

سنوات عدة، مرت، والحالة كما هي عليه أعواما مديدة قد عبرت بلا رجعة والناس كما هم عليه.

– IV –

زحفت على العمر سنوات أخرى، والشتائم، والسباب، واللعنات تنهال على التمثال في حين كانت القلوب تضيق به، كأنه مغروز فيها.

-V –

مرّة وأنا أحوم حوله، وجدته يخرج من صلبه، يمد الخطى على غير هدى، وفي جميع الاتجاهات ينفض عنه غبار المدينة وتراكم السنوات وينزع السباب واللعنات.

أحس بأن لا أحد يرغب فيه، ويود التقرب له بعد أن عاش منذ تكويني له، سيدا لا يُشق له كبرياء.

زمجر في الجمع المحتشد.

أعاد صرخته ثانية

انتفض

والجمع المكتظ غير عابئ به ولا مكترثا له.

هذا التمثال لم يوف بما طلبه الجميع منه.

في أن يوسع عيشهم يحقق أحلامهم يطعمهم من جوع، يكسوهم من عريٍ، ويآمنهم من خوف.

 من جهة مقابلة فهم يريدون تمثالا جديدا يصنعونه ويقدمون له القرابين.

 ينحته أحدهم ويعبده الجميع يضعون عند قدميه الورود، يحرقون البخور، يوقدون الشموع ويشعلون القناديل فالتماثيل دائما تخاف العتمة.

– VI –

صار المكان مزدحما بالهيجان و لأنه لم يقدر على فعل أي شيء، سوى أن يصلب نفسه على ذاته وينتصب في سُرّة المدينة.

عاد إلى أدراجه، وصار إلى سيرته الأولى.

 تمثالا فقط، على قدر كبير، استحق العجز، واللعنات فأي فائدة سيفوز بها إذا ما غادر مكانه؟

أين سيجد كلّ هذا الحضور وهذه الفرجة إذا ما ارتحل إلى سفر التيه وطريق النسيان؟

من يضمن له، إذا ما فعل ذلك، أن لا تمثالا غيره سيحل محله، وينال الصلوات؟

– VII –

 مرّة ثانية.

وأنا أحمل تعبي وتثقلني سنوات عمري المائة وأنا في كامل الذهول من الذي كان.

مررت بذات المكان؟

وجدته قد اكتسى من جديد دخان المدينة

وشتائم الساخطين ولعنات اللاعنين.

بدا لي أكبر من عمره بألف عام ويزيد، مثقلا بعجزه مهموما بسنوات عمره، مقيدا على وتده، مصلوبا على الفشل الذر يع، والخيبة الكبرى.

إن هذا كفيل بتحقيق الانفجار الكبير، بما يترك المدينة تحت ردمٍ من اليباب.

في نفسي قلت

– لو أن الله ينفخ فيه من روحه !

– VIII –

مرّة ثالثة

منذ كلفت نفسي بتجسيد هذا التمثال من كلّ شيء جميل، وحياتي برمتها منشغلة به، وكأني لم أخلق، إلاّ لنحته، والاهتمام به.

لهذا فكلما عزمت من شدة الاستياء والسخط معا من التمثال ومن البشر، أن لا أعاود الاقتراب منه، والوقوف على ما يحدث، أجدني ألوي عنق عزمي، وأراني حيث هو، منتصباً في الساحة، وفي ذاكرتي فكرة أزلية.

ها أنا ذا الآن في ذات المكان، وهاهو ذا لا وجود له، وفي شدة الغياب الطويل. غير أن المدينة بأكملها، رأيتها قد تحولت إلى تماثيل، تنتصب في كلّ الأمكنة، حيث يمكنها الوقوف إلى أبد الآبدين.

وها أنا ذا اللحظة في عالم آخر جديد، بما لا يمكنني معرفة الذي سيحدث.

تُرى ما الذي حدث بالضبط وعلى وجه الدقّة والتحديد؟

مقالات ذات علاقة

امرأة في ثوب العار

سعد الأريل

صَــــــــــــــــــــوْتٌ …!!

جمعة الفاخري

أمام المدرسة

إبراهيم حميدان

اترك تعليق