المقالة

التعصب والعنصرية لدى الشعب الليبي

العنصرية فاشية في الشعب الليبي. هذا واقعٌ من الضروري التسليم به. وهو ليس استثناءً في ذلك. فكل المجتمعات المتخلفة مجتمعات عنصرية. والعنصرية موجودة أيضًا في المجتمعات المتقدمة، لكنها أقل حدة وثمة قوانين تجرِّمها، كما أنها لا تتجه، على الأقل بشكل واضح، إلى الداخل (إلى الذات)، وإنما تتجه إلى الخارج (إلى الآخر).

لكن الأمر يصل في المجتمعات المتخلفة، والمجتمع الليبي من ضمنها، إلى درجة التعصب. وهذا التعصب يتجه إلى الذات أكثر مما يتجه إلى الآخر [نحن طبعًا ضد أشكال العنصرية قاطبة].

إنه تعصب يسري في كل شيء. فهو يشمل التعصب للون (أبيض/ أسود) والتعصب للدين (مسلم/ غير مسلم) والتعصب للمذهب الديني (مالكي/ إباضي) والتعصب العرقي (عربي/ أمازيغي/ تباوي) والتعصب السلالي، إذا جاز التعبير(أشراف/ عاديون) والتعصب الجهوي والقبلي والمديني إلخ.

حتى بدأت الآن تقليعة فحص الحمض النووي للتأكد من الأصل العرقي . وكأن الأمر يمكن أن يضيف إلى قيمة الشخص في حالة وافقت النتائج هواه أو ينقص منها في حالة خيبت ظنه.

فأنا شخصيًّا لا يؤثر فيَّ، سلبا أو إيجاًبا، اكتشاف أن أصولي تعود إلى الوندال الخلص أو الأمازيغ الأنقياء أو العرب الأقحاح أو إلى أي جنس آخر، وأني أنتمي إلى أكثر فروعهم حسبًا ونسبًا أو إلى ما يعتبرونه هم أنفسهم أدناهم وأوضعهم، ذلك أنني لست جوادًا أو كلبًا معروضًا للبيع يؤثر سجلي السلالي في قيمتي. فأنا أعرِّف نفسي الآن على أنني، من الناحية الثقافية، ليبي عربي مسلم، وهذا التعريف لا يمنحني، أو يسلب مني، أية ميزة. فأنا، على هذا المستوى، لست أفضل أو أسوأ من أي شخص يعرِّف نفسه على نحو آخر. ما يجعلني أرقى أو أدنى هو موقفي من القيم الإنسانية العامة وسلوكي الشخصي.

تمضي العنصرية بالليبيين، ويمضي بهم التعصب إلى نعت العائدين من المهاجر التي تم اللجوء إليها أثناء الاحتلال الإيطالي بـ”العائدون” وهو نعت تحقيري ينكر ليبيتهم أو يقلل منها. على الرغم من أن اللفظ نفسه، على الرغم من قصديته التحقيرية، يحمل اعترافًا ضمنيًّا بصحة “الأصل”، ذلك أن العائد يعود إلى موطنه الأصلي. يتم التعامل مع المهاجرين، أو”العائدون” وكأن الهجرة في ظروف الحروب والكوارث جريمة تورث العار إلى أبد الآبدين، في حين أن أعدادًا من هؤلاء المُحقِّرين أنفسِهم، تقدر بمئات الآلاف، نزحت منذ الأسابيع الأولى إلى الدول المجاورة. حكى صديقٌ حكاية لا أعرف هل أصفها بالطريفة أو المضحكة أو المخجلة الجالبة للعار والمعرة. تقول الحكاية إن سيدة ليبية تقيم، بسبب ظروف عمل زوجها، بتونس حملت وحين اقترب موعد وضعها عادت إلى ليبيا كي تضع مولودها هنا.

قريباتها وصديقاتها استغربن ذلك حيث الأسلم لها، من ناحية وضع المؤسسات الصحية، أن تنجب مولودها هناك. فأجابت أنها تخشى بأن يظل طوال عمره موصومًا بوصمة “عائدون”!. في حين أعرف أنا شخصيًّا قريبًا لي كان يقيم في دولة أوروبية وعاد إلى ليبيا وحين اقترب موعد إنجاب مولوده عاد بزوجته كي تنجب هناك ويصبح من الممكن لابنه أو ابنته مستقبلاً الحصول على جنسية تلك الدولة لو أراد أو أرادت.

مرة كنت أتحاور على “الماسنجر” مع شخص من معارف النت. تطرق الحديث إلى أحمد إبراهيم (كانت هذه الواقعة قبل 2011) فأصر على أن أحمد إبراهيم تشادي وأنه سيئ لأنه تشادي وليس ليبيًّا. عند هذه النقطة كان لا بد أن أوصد باب الحوار، وأقطع التواصل معه، لأن عنصريته فاقت المستوى الذي يمكن أن اغتفره (رغم ما أوقعه بي أحمد إبراهيم من ضرر شخصي مباشر). هذه العنصرية ذاتها هي التي جعلت المعارضة الليبية تركز على “الأصل” اليهودي لمعمر القذافي (مع ملاحظة أن اليهودية ديانة وليست عرقًا) وأن المصائب التي أنزلها بالشعب الليبي نابعة من “أصله” اليهودي. الأمر الذي حذا بمعمر إلى اعتبار معارضيه من أصول غير ليبية.

ومسألة التمييز ضد “العائدون” تمارسها مؤسسات الدولة رسميًّا. ففي كل مرة يضطر “العائد” فيها إلى استخراج جواز سفر بدل جوازه منتهي الصلاحية يُطلب منه إحضار صورة من الجنسية، وكأن المرة الأولى لا تكفي ولا تشفع له وثائقه الأخرى التي لا تُمنح لغير الليبيين. ولكن عند تجنيده في الخدمة الإلزامية أو الزج به في حرب، أو تحصيل الضرائب منه، لا يطلب منه إثبات جنسيته.

والسؤال الآن: كيف سيكون مستقبل الليبيين الذين سيولدون في المهاجر والمنافي للأسر الليبية المهاجرة عندما تفجرت أحداث 2011 في ليبيا حين يعودون إلى بلادهم بعد مدة تطول أو تقصر.. هل سيكونون “عائدون” وهل سيطلب منهم إثبات الجنسية في كل مرة؟

وسؤال آخر، إلى أي مدى سيدوم مصطلح “دبل شفرة” الذي يطلق على الليبيين مزدوجي الجنسية؟ هل هو مرتبط بأحداث سياسية ستنقضي؟ أم سيصبح مصطلحًا شعبيًّا تمييزيًّا ضد فئة معينة مدى حياتها؟

أريد، ختامًا، أن أعطي مثالاً مفارقًا:

سُجن معنا سنة 1979 ألمانيان لهما قصة طريفة. كان أحدهما قد اعتنق الإسلام في ألمانيا حين كان عمره ست عشرة سنة وغادر ألمانيا إلى ليبيا في نهاية الأربعينات حين كان عمره تسع عشرة سنة. نزل في ميناء بنغازي واتجه إلى السلطات البريطانية حينها بحثًا عن عمل. وبما أنه يجيد الإنجليزية وظفوه لحاجتهم إلى مَن يتعامل مع الأسرى الألمان. اختلط الرجل بالليبيين وتبنته إحدى القبائل هناك وزوجوه فتاة منهم وذهب إلى الحج وأنجب من السيدة الليبية تلك بنات وبنين. حين اُعتُقل كان قد مر على وجوده في ليبيا أكثر من ثلاثين سنة. وكان معه ألماني آخر له قصة مشابهة ومضى على وجوده في ليبيا حينها حوالي ثلاث عشرة سنة. كان الأول من ألمانيا الغربية والثاني من ألمانيا الشرقية. كانت السفارة الألمانية تتابع أخبارهما وترسل مَن يزورهما ويتابع قضيتهما، وفي النهاية تمت مبادلتهما مع مصطفى الزائدي الذي اعتقلته السلطات الألمانية حينها.

مغزى الكلام، أن الحكومة الألمانية لم تنكر عليهما ألمانيتهما على الرغم من خروجهما من الأراضي الألمانية شابين يافعين واعتناق دين آخر والزواج من غير ألمانية ومحاولة الاندماج في مجتمع آخر مختلف ثقافة ولغة وتاريخًا ودينًا وهيئة. ترى ماذا يسميهما الألمان الآن؟!

مقالات ذات علاقة

قراءة الرسوم الحائطية

زياد العيساوي

يوم الزّي الليبي

فاطمة غندور

أَحـَاسِيسُ لِلنّـسْـيـَان

عائشة إبراهيم

تعليق واحد

علي الخليفي 16 أبريل, 2014 at 16:04

المشكلة يا صديقي ليست عنصريه فيما اظن بقدر ما هي مشكلة اخلاقية. تقول الدراسات التاريخيه ان ما يقرب من سبعين بالمائة من الشعب الليبي قد هاجر الى المنافي ابان الحرب الايطاليه وفيما بعد ابان المجاعة التي اجتاحت البلد في اواسط الاربعينات. هولاء الذين هاجرو عندما عادو الى بلدهم وجدو ميراث ابائهم قد تم الاستيلاء عليه ممن لم يهاجرو من اقاربهم وعندما عاد هولاء المهاجرين وطالبو بحقوقهم في مسراث ابائهم واسلافهم لم تكن امام اؤلائك المغتصبون من وسيلة للحفاظ على ما اغتصبوه وسرقوه الا بالطعن في اؤلائك العائدون ووصفهم باقدع الاوصاف .
انها اخلاق اللصوص يا سيدي ،اللص الذي يريد ان يجعل من لصوصيته شريعة .
بالمناسبة هناك ظاهرة لم تعرج عليها فمعظم من يبالغون في هذا التمييز ويظهرون عداوة لمن يسمونهم عائدون هم انفسهم او عائلاتهن من العائدين فاذا ما وجدت اي شخص يبالغ في استعمال مفردة عائدون او صاد شين فتاكد انه عائد او صاد شين لكنه يتماهى مع مجتمعه الظالم ويتفوق عليه في شتم نفسه.
العائدون هم الفئة التي هاجرت خارج ظلمة ذاك الوطن واقتبست شي من نور المعرفة الذي كان قد بدا ينتشر في الدول المحادة لنا ولكنهم عندما عادو لنشر ذلك النور وجدو ان عتمة ذاك الوطن عتمة من نوع خاص حيث انها لا تتاثر بالنور ولا بالضوء.
اليوم تتكر نفس القصة الذين عارضو النظام السابق او في اقل الاحوال رفضو التعايش معه حفاظا عاى ادميتهم وتغربو واقتبسو شيا من نور المعرفة في مجتمعااهم الجديدة وعادو اليوم الى ليبيا الحرة كما يسمونها وجدو ان العتمة هناك غير قابلة للطرق ولا للسحب وهاهم يعودون ادراجهم لمنافيهم ويتركون تلك البقعة لخفافيشها ليرى العالم ماذا تصنع تلك الخفافيش بنفسها وبوطنها وباهلها.

كما اشرت في حوارك مع احد رواد الفيس بوك فان شعب الاه المحتار اي شعب ليبيا يحاول وصف كل من لايروق له بانه ليس ليبي وكان الليبين ملاركة الرحمن المصطفين ،كاننا لانعرف بعضنا البعض وعلى راي ذاك المصري البائس على مين يا طبرق.
صديقك ذاك جعل من احمد ابراهيم تشادي وقس على ذالك فالخويلدي تونسي وبوبكر يونس نيجيري وهكذا لكن شعب الله المحتار يتبرأ من هولاء المجرمون بتجريدهم من الجنسيه الليبيه ولكنه عجز على تجريد من جعل هولاء المجرمين محرمين ،الذي علم هولاء الاجرام وجعلهم قتلة مجرمين .عجزوا عن تجريد الذي كان شيوخ قبائلهم المغرقين في ليبيتهم بانه سيد السبيب وفارس كحيلة ،الذي رقصوا بين يديه وادخلوه الى حرمات بيوتهم وتسابقو على دق البنادير وتكسير الموائد بين يديه.
الا يكفي فقط ان يكون القذافي ليبي ليخجل كل ليبي من ليبيته ويتمنى ان يكون عائد او تربل شفرة وليس فقط دبل.
شكرا لشجاعتك في طرق ما لا يطرق.

رد

اترك تعليق