النقد

التحليل النقدي لقصة “أخطر أسراري” للقاصة عائشة إبراهيم

علي البدر/ قاص وناقد

يعالج النص ما يحدث في معظم الأسر عندما تُرزَقُ بطفل جديد حيث تتركز الرعاية المقترنة بالفرحة والسعادة مع مقدمِهِ، وتنحسرُ عن الطفل السابق الذي كان يجلس على عرش الدّلال والرعاية التامة التي لم ينافسه بها أحد. ” وحينَ تجاوزتُ سِنَّ الثالثةَ بقليل، شعرتُ بأنَّ شيئاً ما أصبح يلازِمُني من دون أن أستطيعَ التخلصَ منه…”. ولم يكن التساؤل ناتجاً من فراغ. فقبل سن الثالثة خبرات مكتنزة في اللاشعور وتراكم لمجمل التفاعلات البيتية. بالتأكيد لم تفهم مجملها لكنها تُخزَن حتى قبل مرحلة النطق، حيث نلاحظ الطفل يركز نظراته على ما يشاهد من تصرفات دون فهمه، لكن صورها تُطبع في لا شعوره.

وهكذا تكتنز خبرات الدلال قبل حلول الضيف الجديد الذي يسحبها منه تاركة تأثيراتها النفسية حسب استعداد الطفل وطبيعته. فعندما يحتاج الطفل لحضن أمه، ذلك الوعاء الذي شرب منه الحنان والصدر الذي طالما التصق عليه ونام على نبضاته ، وتغور أصابعها وسط خصلات شعرة ليشعر أن أمه هي كل الدنيا. وتأتي تلك اللحظات التي يتبلور فيها صراخ الأعماق وذلك الفراغ العاطفي الذي فقدة، ليقترن بطفل جديد وسط حضن الأم. وبالتأكيد يكون عمره قاصراً عن فهم رابطة الأخوة فكل ما يحس به هو أنه فقد كل شيء.
وأرى تقمص الكاتبة هنا وبذكاء، تلك الطفولة فكشفت عن مشاعرها وهي في سن الثالثة: و” وجودُ طفلٍ صغير في حضنِ أمي قالوا أنه أخي..”، أجل قالوا لها وهنا ينعكس شعور اللامبالاة واللاترحيب بسبب القهر والعزلة الداخلية التي سببها هذا الطفل. والذي يزيد الحالة تأزماً، هو إبعاد الأم لها عند محاولة الإلتجاء لحضنها إضافة لعدم وعي الأب لهذه المرحلة حيث اللامبالاة والتجاهل. لينتج َردَّةِ فعل وارتداد داخلي واحباط frustration، فلم يثمر البكاء والصراخ ولا محاولات التودد، وبالتالي، الامتناع عن الطعام بسبب فقد الشهية أو الإصطناع من أجل لفت النظر والرغبة في الحصول على إلحاح المتعلقين لدرجة التوسل باقناع الطفل على الأكل وهذا ما يريده، وعليه فإن استمر بالأكل دون ترغيب أو أصرار فإنه سيفقد إحساسه بالإهتمام وعليه فإن عدم الرغبة بتناول الطعام تتحول لا إرادياً إلى عدم الشهية وهو رد فعل منعكس وتأكيد لذاته ليساهم في دعم واسناد الأنا التي ذاب بريقها عندما تحول الإهتمام نحو القادم الجديد، لكن هذه الحالة تقلق الأم، محاولة التعبير عنها لطفلها بتوسلاتها وخوفها عليه،وهذا ما يريده الطفل كجزء من التعويض عن الهدر النفسي.
إن هذه القصة برأيي المتواضع، صرخةٌ باتجاه حماية الطفولة ودعوةٌ من أجل توازن وسلامة فكر الطفل. وياترى من يشعر بإحساس الطفل عندما يسمع من أقرب ناسه أنه مصاب ” بمرض ممّي”، أي ألفطام المبكر وعدم شبع الأبن من حضن أمه وحنانه؟. وهل يوجد أقسى من ترسيخ المرض بذهن الطفل؟ وبالتأكيد إن هذا السلوك غير عدائي أي ناتج عن قصور ثقافي للعائلة التي تحاول ترسيخ الحيرة والشعور بالإنكفاء خاصة عندما اكتفى الوالد ” بإرسال بيضة مسلوقة إلى شيخ الجامع ليقرأ عليها رقية “تقيني من تداعيات الفطام..”، لتأكلها كعلاج من مرضها. وعندما تمر السنون تتداخل مشاعر الحيرة والإرتباك خاصة عند عدم استطاعة الأبوين تلافى ماسبباه من ضرر نفسي نتيجة الإهمال غير المحسوبةِ نتائجه، والتي قد تحفز الطفل للغور في تخيلات تثير فضول من حوله وتعطيه دعما نفسياً مؤقتاً على الأقل، وفي كل الأحوال يبقى شريطُ الخبراتِ لمرحلة الطفولة راسخاً يساهمُ بتكوين الشخصية إلى حد كبير.
ومن مفاصل السرد، نرى وبوضوح استرسال القاصة عائشة ابراهيم باسلوب مكثف كانت هي المتحدث الوحيد حيث بدت تعكس ما بأعماقها reveals herself وقد أرجعتنا بل قادتنا إلى عالم الطفولة الذي هو أساس البناء النفسي والذي يرسم شخصية الفرد. وقد أعطت تلك الطفلة مقدرةً على الكشف عن معاناتها نتيجة القصور الثقافي، فوضعتنا وسط ذكريات بدت لنا كجزء من حياتنا . وفي الوقت الذي تَحسُب فيه العائلة المثقفة كل خطوة من خطوات التربية ، نجد البعض عكس ذلك تماماً. ويبقى تأثير الإحباط والشعور بالحيف ليترسخ كصدىً يعجز الفرد عن التعايش معه ليشعره بحيرة ، وسط عائلة غير متفهمة. أجل يا أمي..”هناك صوت يتحدث معي… وأمسكتُ بيدها ووضعتها على الجانب الأيمن من عظم جمجمتي…”. وماذا ينافس يَدَ الأمِّ أو قلبها المتدفق عاطفة وحباً لاينضب؟ ياتري.. هل تدرك ما تسببه لإبنتها من ضرر وخيبة بتصرفها هذا؟ بالتأكيد يكون الجواب بالنفي. ” وكلما حاولتُ الفرار الى حضن أُمي، كانت تبعدني برفق…” أجل تبعدها “برفق”، لأنها أم أولاً ولأن الوليد بحاجة إلى رعاية، وهاهي تعبر عن قلقها حيث ” بسملت وحوقلت وسقتني من ماء الرقية، ومازال ذلك الصوت معي.” 

وهكذا يبدو النصُّ انسيابياً جاذباً يُفهَمُ من بين سطوره أن كاتبتة تمتلكُ وعياً ثقافياً تربوياً رصيناً. إن هذه القصة برأيي أعطت بعداً زمكانياً عشنا وسطه فمنحنا تداعيات نحو طفولتنا، وهي صرخة باتجاه حماية الطفولة وضرورة تثقيف العائلة من أجل توازن وسلامة فكر الطفل الذي هو الإنسان القادم لمجتمع مثقف واعٍ يعيش وسطه بأمان…
القاصة عائشة إبراهيم تحياتي ويسلم إبداعك.

مقالات ذات علاقة

الهروب من جزيرة أوستيكا.. تنتصر للحب في زمن القهر

جمعة بوكليب

حواء القمودي كما قرأتها في (وردة تنشب شوكها) و (بحر لا يغادر زرقته)

مريم سلامة

رباب أدهم.. ودروب الحياة بين عمان وبيروت وطرابلس

إنتصار بوراوي

اترك تعليق