دراسات

[..التحصن بالذات..]

عندما نكتب إنما ننطلق من ذواتنا، وعندما تعجبنا الحالة فإننا نتلبسها.. هنا يقفز السؤال الدائم، أين يتقاطع النص والذات؟، هل الذات هي النص، أم النص هو الذات؟.. وأقول أن لا بد أن يتقاطع النص والذات، حتى وإن خرج في أحيان كثيرة عنها، فإنه لا بد يعود من ذات الطريق، ولو بشكل آخرمغاير.

وفي هذه الأسطر نقتنص ذات ألبستها الشاعرة ثوب (هي)، الشاعرة هي/ حواء القمودي، صوت شعري متميز، ومتميز بتجربته الخاصة، التي مكنتها من التميز، رغم أن المشهد الشعري الليبي لا يقدم الكثير من الشاعرات، أو من ذات الجيل (لو صحت التسمية، والتي أتخذها اصطلاحاً)، إذ لم يتعدين الخمس شاعرات.

تتكأ الشاعرة على رصيد من المشاهدات الكثيرة، خاصة التي عاشتها صغيرة ولازالت تقتفي أثرها في البقايا، فالبيئة التي فتحت فيها عينيها، مكان تكثر في المزارع والنخيل والتراب الأحمر، إنها منطقة (سوق الجمعة)(1)، وفي مثل هكذا منطقة كان على الشاعرة أن تكون معبأة بالمشاهدات من الشمس المستفيقة الصافية، والأرض المعطاء، تنطلق في هذه المرابع تتبعها جدائلها، تستقبل الوجوه الكثيرة. فهو الطريق الوحيد إلى المدرسة، والذي يفصح عن تخمته في الشتاء، ولو عددنا هذه المشاهدات لما اكتفينا، فكيف بالشاعرة التي، رأت زحف المدنية على هذه البكر، تقول: (لم تعد هناك طوابي الهندي، يشرق من خلفها عباد الشمس)(2).. راح الإسمنت والإسفلت يغزو هذه المناطق صابغاً إياها بالبرود والصمت.

على هذه، ومن هذه الخلفية.. يمكننا الدخول لنص الشاعرة/ حواء القمودي، (هي وعاداتها)، من البداية تحاول الشاعرة أن تخرج عن نفسها لتراقب المشهد، فتستخدم الضمير (هي)، للدلالة بالحديث عن أخرى، وسواء كانت (هي) هي، أم (هي) ليست هي.. المهم أن النص يقدم من خلال الحديث عن (هي) والأخذ بالإخبار عن (عاداتها)، بعودة الضمير (ها) على (هي).. لتقدم لنا الشاعرة، البعدين كون:

– هي.. الممثلة بالضمير، البعد الداخلي للشخصية، الذي تعيشه وتحسه هي فقط. أو الذاتي.

– عاداتها.. الممثلة بالضمير (ها)، البعد الخارجي للشخصية، المتقاطع مع الآخرين، أو الظاهري.

والشاعرة تقدم النص في ثلاث مقاطع، كل مقطع من وحدتين هما (هي/ وعاداتها)، لكنها لا تفلت من ذاتها، فتهرب إليها في كل ختام.

 

في المقطع الأول.. ثمة (هي) واحدة، وأن قدمت مرتين، فلقد أرادت الشاعرة الفصل بين الإعداد والتقديم.. إنها تعد نفسها لمحبوبها، لذا فهي تحمله مرة واحدة في عينيها (لا حظ معي دلالة القارورة ورغبة الاحتفاظ)، إذ أنها ستحكي كل الذي لا يباح (ولنلاحظ أيضاً العلاقة بين البحر ورحابته، وعلاقته بإمكانية حمله لكل شيء حتى الذي لا يباح)، ثم تقدم نفسها فتسبح فيه ولا تبالي أن تتقدم، فيأخذ في مسام جسدها رحلته، قارئ كل الذي يباح (حالة التوحد هنا تتعدى مجرد التماس بقدر ما تعول الشاعرة على أن يكون التوحد حالة اكتشاف، لذا فهي استخدمت (س) سوف، والذي سوف يكون نتيجة الكشف عند التوحد بالبحر)، والشاعرة في هذا المقطع تقدم لنا معادلتها الأولى (الحاجة = حبيب بحجم البحر)، إنها تسقط البحر حالة على حبيبها، من باب التمني.. لذا فإنها في (عاداتها) تكشف عن الحاجة بإرجاعها كل التاريخ من العادات بالضمير (ها)، لتؤكد أنه تحتاج، أو تحتاجه بكل هذا التاريخ، وبكل من كانوا سيأتون (تضم الصغار إلى قلبها/ وتزرع في الليل دمعة، حين لا ترى دفء الفصول في فراشها).

 

المقطع الثاني.. في هذا المقطع تتغير المعادلة، ناحية رضا الغاية (الرضا= بلوغ الغاية)، وبأي الطرق كان، نرى أن البحر توسد ركبتها ونام، السؤال كيف؟، لقد تأكد أن قلبها أكبر من أن يحتويه، فهو لا يحفل كثيراً بما مضى، وتكفيه دمعة تتكا نخلة، وقادر على أن يحتوي بلدته كاملة.. لذا فإن (عاداتها) تكتفي بكوب الحليب والشاي (عادة يومية)، تؤنسها الأم في انحنائها على (الطابون)(3)، (أن تؤثث يوماً آخر بكوب الحليب والشاي/ تستنهض فراش طفولتها،/ لتـفوح قهوة الأم العالقة في دخان الطابون/…)، ولنراقب كيف مزجت هذا المشهد في عملية مونتاج رائعة من خلال استخدامها فعل (تستنهض)، فعلاً تحث به فراش الطفولة الذي كان، فيحرك كل هذه المشاهد، الحاضر على خلفية من ماضي، أو ذاكرة يتحول فيها الحس في حضور شخوصه إلى حقيقة، يؤكدها كوب الحليب والشاي (الذي يمثل عادة، استطاعت أن تستحضر/تستنهض)

 

في المقطع الأخير.. تربكنا الشاعرة إذ تعود بنا لنقطة ما قبل، وتقدم المعادلة الأولى بصيغة المعنى (الحاجة= هي وحيدة)، ورغم بساطة هذه المعادلة وسذاجتها، إلا أنها تكتشف هذا، وهي تقف على أن الكائنات لها (لماذا أكون وحدي والكائنات لي؟).. وبذا فإنها تمنح الجميع قلبها، سحابة ينزل مائها وتغادر لمكان آخر، ترى الأنجم تشاركها السباحة، تقف لتحلم لو أنها تصادقها ذات يوم (إن الشاعرة هنا تتعدى معنى الرغبة في الرحيل بعيداًَ، إذ أنها في هذا الحلم إنما تؤكد رغبتها بأن تكون دليل هداية وإرشاد للجميع).. إنها تتعلق بالرحيل بعيداً، وفي قصور بلوغه ترحل في الكائنات، في هيئاتها المختلفة، ومعانيها البعيدة.

في قراءة هذا النص، نجد أنفسنا نقف على ثلاث حالات، استطاعت الشاعرة أن تدخل لها بهدوء ومن ثم تصعد بنا إلى ذروة الدفق، ولنا أن نتبين هذا من طول بعض الجمل التي رافقت أو حوت هذا الدفق القوي (وتزرع في الليل دمعة، حين لا ترى دفء الفصول في فراشها).. وإن كان النص حديثاً لا يعتمد موسيقى العَروُض (التفعيلة كوحدة بناء)، إلا أن نوعاً آخر من التناغم كان واضحاً، في ورود المفردات على ذات المخارج (آلية وصل)، أو التنويع على الجمل القصيرة (آلية تقطيع).. ولأنها متلبسة بالشعر فإنها تحت وطأته لم تحاول إلا أن تقدم الصور كما تراءت لها (تلحس بلسانها قطرات المطر – تتشمم عبق الترابا الشبعان)، فالشاعرة تريد القبض على الحالة، فقدمتها كما هي، فلم تستعيض عن مفردة (اللحس باللعق)، أو (الشبعان، بالمرتوي)، فحدة السين في مفردة (لحس) تمنح الصورة بعداً فاعلياً أو ديناميكياً (حركياً) يقفز بالمشهد مباشرة للذهن، وكأنه يحفز ميكانيكية حاسة التذوق على استرجاع مذاق قطرات المطر المتأيِّنة، وإسقاط فعل الشبع على التراب، يمنح التراب الراحة والهدوء الساكنا فيه والانتفاخ (الامتلاء).. ولأنها وقفت على الرصد ابتعدت الشاعرة أن تقدم نصها بالعود على البداية، بمعنى أن يكون نصها دائري البناء، فاختارته أفقي البناء، فيأتي بختامه ختام الرصد، الذي استطاعت أن تفعله بالكثير من الصور، (تضم الصغار إلى قلبها) إنها هنا تقفز إلى الحلم الذي تريد، فتتعدى دلالة الضم إلى الرغبة.. في قراءة أخرى، أرى سرداً روائياً ما في هذا النص (هذه الصفة يمكن ملاحظتها في نصوص الشاعرة)(4)، من حالة الإخبار والتضمين، وهو فعل روائي، أو يمكن القول بأنه فعل سرد، حيث يتفاعل في السارد مع النص المسرود، فلا يختار حالات حلوله في النص (أو ما أسميته غواية النص)، أو حالات الخروج والتعامل بمباشرةٍ معه.. وإن جاء غير متعمد إلا أنه يبدو واضحاً في بناء تضمينات لمشاهد على الخط (الدرامي) الأساس للنص، هذا الذي أتاح خروج المعادلات الثلاث، أو المعادلتين والمعادلة الثالثة.

وحتى لا أكون مهولاً، إليكم النص للقراءة:

نص/ هي وعاداتها، الشاعرة/ حواء القمودي(5):

هي

سابحة في لازورد البحر

تلملم الأزرق في قارورة عينيها

تستنطق اللون

لتحكي لحبيبها كل الذي لا يباح.

هي

سابحة في عبق نسمة

تأتلق البحر

تخبيء في مسام الجسد،

كل الذي سيباح.

من عاداتها

أن تقول: صباح الورد للطائر الذي يتحدى هدير الوقت،

ويغرد فارشاً جناحيه مدىً أزرق لشمس يومٍ جميل.

تلحس بلسانها قطرات المطر العالقة بالنرجسة الناصعة البياض.

تتشمم عبق التراب الشبعان

وتصهل بالضحك حين يبتسم البحر.

تضم الصغار إلى قلبها

وتزرع في الليل دمعة،

حين لا ترى دفء الفصول في فراشها.

هي

ضاحكة من كل الذي كان

اتكأت جذع نخلة وبكت

خبأت (سوق الجمعة) في القلب،

توسد البحر ركبتها ونام.

من عاداتها

أن تؤثث يوماً آخر بكوب الحليب والشاي

تستنهض فراش طفولتها،

لتـفوح قهوة الأم العالقة في دخان الطابون

تهسهسها أساور الذهب،

فتتلمس تعاريج الزراقة،

كما لو أن هذا الوقت لها تنشده الأغنيات

ولا تخاف سيفه الذهب.

هي

غارقة في اتباكها

تلملم طرف رغباتها

تسأل الأزرق

لماذا أكون وحدي والكائنات لي؟.

من عاداتها

أن تربك أصدقاءها بوهج الألفة

ثم تنثني متلاشية في غيمة بعيدة

تعد الأنجم السابحة

تحلم أن تصادقها ذات يوم قريب.

12/1999

 

 

________________________________ 

هوامش:

1- سوق الجمعة: منطقة شرقي طرابلس، وهي أرض زراعية تشتهر بالزراعات الموسمية والدائمة، يكثر بها النخيل، والمزارع الصغيرة والمعروفة عندنا بالـ(سانية، وجمعها السواني).

2- طوابي الهندي: الطابية هي مرتفع من التراب، والهندي هو نبات التين الشوكي.. والتعبير طوابي الهندي، يعبر به عن صف التين الشوكي والذي كان يستعمل حداً فاصلاً بين المزارع.

3- الطابون.. أسم لأحد أنواع الأفران التي تتخذ في المنزل الريفي للخبز، والشاعرة هنا، تستذكر ما كان.

4- راجع موضوعي (المتن وغواية النص).- صحيفة الجماهيرية.- العدد:3634 / 15-16/03/2002.

3- هي وعاداتها.. مجلة الفصول الأربعة، العدد:95، السنة 23، إبريل/2001.. تصدر عن رابطة الأدباء والكتاب (ليبيا).

مجلة المؤتمر- تصدر عن مركز أبحاث ودراسات الكتاب الأخضر- السنة: 02- العدد: 21- التاريخ: 11/2003- شهرية

 

 

مقالات ذات علاقة

ليبيا واسعة – 18 (عافر)

المشرف العام

مدخـل لمـسألة الشـعرية الليـبية

رامز النويصري

كوثر نجم.. بين الفجر والغيوم!؟*

حواء القمودي

اترك تعليق