النقد

التابوت رواية الحرب الليبية التشادية

رواية التابوت للروائي الليبي عبدا لله الغزال تصطحبك إلى عالم لم تقترب منها الرواية الليبية كثيرا،فهى أول رواية ليبية وربما الوحيدة حتى الأن التى جاست فى تفاصيل الحرب الليبية ضد دولة تشاد التي دارت رحاها في ثمانينيات القرن المنصرم.

فى رواية “التابوت”…نصطدم بأسئلة بطل الرواية عن معنى الوجود والحياة والموت عبر أحداث الرواية الهادئة التي تتمحور في أحداثها عن حقيقة الموت حين يصطدم بطل الرواية بالموت المبكر للأم ثم الوالد.

قضية الموت التي أصطدم بطل الرواية بها عند وفاة والديه أصبحت أكثر إلحاحا عند مواجهته شخصيا لخطر الموت بكل لحظة فوق تراب الصحراء العريضة المقفرة.

التابوت رواية فلسفية تستشعر حين تقرأها بروح روايات” كامو ” و”كولن ولسن” الفائضة بالأسئلة الفلسفية ولكنها أبدا ليست أسئلة عدمية وأنما أسئلة تنضح بنبضات صوفية روحية عبر الأيمان العميق لبطل الرواية وتمسكه بالله خالق الكون .

كما أن الرواية زاخرة بوصف الطبيعة والشجر والسهول والأمطار والمزارع في لوحات جمالية ينشدها أحد أبطال القصة “زيدان” الرجل القروي القادم من منطقة نائية ” عين الشرشارة” والذي يمتلك أيمانا قويا يجعله يقدم نفسه دفاعا عن الأرض التي يحبها.

في حين يبدو بطل الرواية ناقم على الحرب كخيار أنساني وغير قادر على التعاطي معها أو الأعتراف بها ويتساءل في سخرية : لماذا يرمى أولئك الزنوج أنفسهم للقتل والموت؟ولعل عنوان الرواية “التابوت” هو رمز مبطن يعبر عن رفض الكاتب لمجانية الحرب العابثة التى دارت رحاها بين جنود ليبيين لاحول لهم ولاقوة ….قادهم إليها جنون الطاغية حاكم البلاد الليبية أنذاك دون رغبتهم …..وكل من حاول الفرار أو الهرب منها كان مصيره أما الموت أو القتل ….لهذا فالرواية تهجس بالموت كثيرا وبالمشاهد الوصفية والسردية للقتلى و للأطراف المبتورة المتناثرة فى كل مكان .

لذلك لم يكن غريبا أن يكون سؤال الموت هاجس يلاحق بطل الرواية وأغلب تفاصيل أحداثها سواء عبرسرد التفاصيل الدامية للقتل وللتوابيت أو عبر التأملات الشفافة لبطل الرواية عن قدر الموت الذى يلوح أمامه فى كل مكان فى الحرب التى تدور رحاها بين الليبيين ….والافارقة فى صحراء تشاد …كما يقول بطل الرواية …

“نحن عندما ندفن شخصا مات إنما في الحقيقة نوارى جسده تحت التراب أما هو نفسه فيبقى قابعا في مكان ما على هيئة ما في ركن مجهول لا نعرفه وللسبب ذاته نضل ندعو له ونترحم عليه”ص208

هذه الفكرة الصوفية تنبعث من أيمان عميق لدى بطل الرواية ومن امتزاج بطل الرواية بالفتاة التي ستصبح زوجته فهو لم يرى فيها مجرد جسد وأنما أمتزج بعقلها وروحها قبل جسدها:

” أن ذلك الفيض المتواري خلف جسدها أكبر من أن يوصف بعبارة حمقاء”ص208

“فبتول ” زوجة بطل الرواية والتي يحمل أسمها رمز للمرأة الطاهرة النقية هي الجزء الأخر لبطل الرواية التي يرى فى عينيها ذاته فهناك أحترام للمراة كروح وعقل قبل الجسد عند بطل الرواية.

الروائى “عبد الله الغزال “…يقدم فى روايته “التابوت” صورة إنسانية للمراة عبر تعامل بطل الرواية معها كما يقول فى أحد مقاطع الروايةا”لم أشأ أن أنحو فى علاقتي مع بتول ذلك المنحى التافه القائم على غلق الأشياء وصبغها بلون لا اعرفه فتحت لها نفسي وفتحت لي قلبها”ص33

فبطل الرواية لا يرى فى المراة مجرد جسد يقضى فيه رغباته فقط …وأنما روح وعقل يحاورها وتحاوره وتنتقده أحيانا دون أن يخجل من تعريتها له روحيا وعقليا وتواجهه بذلك بعقلها المتأمل.

بطل الرواية كما يرسمه الروائي “عبدا لله الغزال” ذا أفق واسع لقدرته الفائقة على قبول الانتقاد والحوار مع زوجته دون أن يشعر بأن فى ذلك امتهان لرجولته فهو نموذج لشخصية متفتحة للحياة ولطريقة التعاطي والتعامل معها ، وهذا ما منح الرواية قدرة كبيرة على الإدهاش لطريقة السرد ا المتأملة في الحياة والكون كما يقول البطل فى أحد مقاطع الرواية:

“أن شعورنا بأننا أحياء نمشى ونندهش هوشعور عظيم وسر من الأسرار العالية شيء خارق ولكن الألفة والتوالي والتصاقه بنا من الداخل وصخب الحياة فى الخارج جعلت منه أمر مألوفا عاديا لا نشعر بأهميته وقداسته إلا عندما نشرف على مهاوى الموت”ص191

رواية “التابوت” لعبدا لله الغزال رواية تعتمد في كثيرمن سردها على تقنية” الفلاش الباك” التي يستخدمها المؤلف بطل الرواية عند تذكر أحداث حياته منذ الطفولة وهى ايضا رواية زاخرة بالمونولوجات الداخلية الصادحة من أعماق بطل الرواية الذى أبدع الروائي في رسم أبعاد تفكيره وعلاقته بالمكان الذي قاد ته أليه ضروف الحرب وواجه فيه جميع أبطال الرواية مصير الموت وجها لوجه ..

وتبقى رواية التابوت رواية جميلة مفعمة بالحياة والأسئلة وتستحق جائزة الشارقة للإبداع الأدبي التي نالتها والتي أثبتت أن الرواية الليبية الجديدة بها قدرات إبداعية متجددة تحرك الساكن وتقدم المختلف الذي يشد القارىءالى عالم الرواية الرحب الفسيح.

مقالات ذات علاقة

ايقظت فى ذاته أسئلة الوجود أحمد إبراهيم الفقيه أكثراً شغفاً بفتنة الرواية

المشرف العام

إِخْفَاءُ المَحَاسِنِ وَإِظْهَارُ العُيُوبِ

جمعة الفاخري

قراءة سيميائية في لوحة الفنان عدنان معيتيق

أمينة هدريز

اترك تعليق