من أعمال التشكيلي الليبي عمران بشنة.
قصة

البوابة

من أعمال التشكيلي الليبي عمران بشنة.
من أعمال التشكيلي الليبي عمران بشنة.

 

كان صراخها عند البوابة الخارجية للمنزل مدويًا منتظمًا؛ حاولت أن أهزها بقوة لأستفهم لكنها لم تستجب لي!؛ “آية” كعادتها لا تعرف طريقًا اهدأ للتعبير عن وجعها؛ تجاوزتها وركضت مع الوافدين باتجاه المدخل ؛ أصوات الصراخ عالية متداخلة لا أكاد أميزها؛ يأتي من بينها “كالنداء!” آنين أمي متموجًا مجروحًا مرتبكًا كأنها تحاول ايقاظ آثر لنهاية مبكرة!

دفنتُ جسدي بعنف وسط الحشد صرت أدفعهم بقوة لكنهم لم ينزعجوا لا بل لم يلتفتوا لي؛ حتى عمتي شامخة التي يتراجع أمام خطوتها كبار الحي قبل صغاره، وعمتي ميزونة سليطة اللسان لم يلتفتن لقوة قبضتي على أكتافهن!!؛ بيد أنه لم يهمني شيء في تلك اللحظة إلا اختراق الجدار البشري الذي يفصلني عن الواقع!
بدأت أقترب، وبدأ نواح أمي يتضح إنها تشكو من فقد ! لا ليس فقدًا عاديًا أحدهم انتزع جزء من روحها؛

بصورة متقطعة بدا لي وجه أمي بعيدًا منكبًا على .. أقدام ناعمة!؛ الإصبع الثاني تنازليًا في كلتا القدمين معكوف قليلًا!! إني أعرف هذه الأقدام جيدًا!؛ “منى” ..إني أحفظ هذه الأقدام، ومنى لم تظهر أمامي إلى الآن إذا هي أقدامها !!؛ في نفس اللحظة التي شعرت بقطعة الثلج تنسكب في رأسي استطعت أن أميزها رغم خديها الغارقين في الدم تلطم وجهها بمحاذاة أمي ؛ لطالما كانت “منى” لا تمانع في تقديم جمالها قربانًا للوجع!

لكن .. لمن هذه الأقدام التي .. أعرفها!؛ صرت أحشر وجهي من خلف كتف عمتي رايقة التى تردد بكائيتها الدائمة في كل مآتم “يانا يا بوي وعازتك” تحتاج عمتي رايقة على الدوام لاستحضار ذكرى والدها حتى تستطيع مشاركة أهل الميت أحزانهم؛ بيد أن هذه الأقدام قطعًا ليست لوالدها.

لم اعد أطيق هذا التجاهل المقصود صرخت وسط الزحام: “ابتعدوا عن طريقي هذا بيتنا، هذه أمي، تلك شقيقتي آية، هذه شقيقتي منى؛ من حقي أن أقترب، وأحدد لمن هذه الأقدام ذات الإصبعين المعكوفـ…”؛ قطع صراخي صوت خشن قادم من المدخل يطالب بإفساح الطريق لاستخراج الجثة ! تعالى النحيب، وشق آنين أمي طريقي بين الزحام بدأت أقترب شيئًا فشيئا .. هذه الأقدام أعرفها؛ هذا الــ ..”جينز !” شعرت به مرارًا !!؛هذاالقميص ..الأبيض ..لي !!

لقد ارتديته صباحًا قبل خروجي!!، وفي حركة لا إرادية مررت كفّي فوق جسدي .. إني عارية تماما!! أخذت أرتعش، واستر عورتي، حتى انتبهت لأنهم لا يروني .. لم يعد أحد يراني.. !!

خرجت مسرعةً بارتباك؛ استوقفني استجداء آية لاسمي عند البوابة الخارجية، وهي لم تنته من تبديد الحُرقة التي تشتعل في جوفها لأنها لم تستطع اللحاق بساقي المتدليتين في غرفتي، ورفعهما في الوقت المناسب؛ هكذا سمعتها تخبر النساء الملتفات حولها، وهُنّ يحاولن استرجاعها إلى المدخل، وستر عورتها فيما تمزق صدرية ثوبها، وأنا واقفة أمامهن عارية تمامًا لم يستفزهن ذلك !!؛ عرفت أنني صرت الآن حرة، وبإمكاني البداية من جديد دون أن أطلب المغفرة ممن لن يقبلها؛
مع استدارتي باتجاه البوابة الخارجية لفتت نظري طفلة تجلس فوق حافة الأصيص الحجري؛ شعرها منكوش إلا من بعض الخصلات الملتفة بشريط أصفر يكاد يقع في حجرها، وهي منهمكة في تمزيق غلاف الحلوى؛ ترتدي شبشب كبير ينزلق من مقدمته أصابعها الصغيرة اللذيذة؛ اقتربت منها مذهولة في إصبعي قدميها الثانييين تنازليًا .. معكوفان قليلاً !!؛ رفعت رأسها، وابتسمت لي فقرفصت أمامها؛ وضعت كفي على شمال صدرها؛ ضغطت بقوة حتى اخترقت يدي الكبّي الصغير، وانسحبت كلي وراء يدي.

مقالات ذات علاقة

خُلّيطة

عزة المقهور

رسالة..

حسين بن قرين درمشاكي

الموظف الجديد

حسن أبوقباعة

اترك تعليق