النقد دراسات

البناء النصّي في شعر عبدالمنعم المحجوب (6) .. ليل المتاه ومعراج الصمت

بقلم: فضة الشارف

 

2.2- ليل المتاه:

يظل الوجع ناجزاً في تشغيل الحواس وخلخلة منظوماتها الباحثة عن رؤيا الشعر في أتون لهيب القصيدة الآتية من أعماق مكتوية بلذة البحث عن نسق يؤلف بين التناقضات الروحية والمادية التي بها تنوجد محطات تأمل فاعلية بناء الصورة الشعرية، ومن ثم القصيدة برمتها… هذا ما نقرؤه هنا عبر منظومة الأسئلة الشعرية المندلقة على ضفاف ليل المتاه الشعري الذي انغمس فيه عبدالمنعم المحجوب:

غربانُ الصحراءِ

فضاءٌ من العلاماتِ الشاهقةِ

تتدلّى من الزّرقة

 الأليفة

قبْلَ الليلِ يضاعفُ المتاهات

الدمُ يطلبُ دماً

والجبلُ يحنّ لعِرْقِ الذّهبِ.([1])

يتخذ الشاعر في هذا النص من الصورة الجزئية باباً يلج من خلاله إلى فضاءات الروح الإنسانية (فضاء من العلامات الشاهقة) إنَّه التسامي الإنساني للروح البشرية التي تكابد للخلاص المتمثل في النجوم التي غدت علامات شاهقة قد علقت في فضاءات السماء الزرقاء، والتي تدل على الداخل ما يحمله من صفاء وهدوء قبل أن يغزوه سؤال الشعر الذي يتقد في الرؤيا الإنسانية المعذبة في الكون من أقصاه إلى أقصاه، والذي يدل عليه سواد الليل الذي يغطي تلك الزرقة، ويمحو العلامات، إنها حالة من التمرد والتضحية في الآن ذاته، فسياق الصورة الجزئية يرينا أن هناك شاعراً يتحدى الوجود، ولا يهتم إذا اختفى النَّهار، واختفت النجوم، لأنه صاحب رؤيا إبداعية.

يرمز الدم في النص إلى الإنسان والحياة؛ لأنهما يطلبان دماً للخلاص من هيمنة المادة، والغزو الثقافي الكوني الذي يجتاح عالمنا العربي، وكأن الشاعر يستحضر مقولة الحلاج الشهيرة ((ركعتان قي العشق لا يصح وضوؤهما إلا بالدم))([2]) فالبعد النفسي في هذا ((الرمز كامن في امتلاك المفردة لدلالة مستمدة مما تثيره في النفس في إيحاءات وتداعيات))([3]) نفسية متعددة، وهذا هو عنوان التضحية التي يسير الشاعر في سبيلها، إذ إن ثمن الحرية لا يكون إلا بالدماء التي تنكتب بها القصيدة، حيث لا يكون الإبداع إلا مكتوباً بمداد القلب؛ ليغدو هذا الإبداع نبعاً إنسانياً يحن إلى دقات المعاول الباحثة عن عروق الذهب، وعن حياة تحلق فيها النفس البشرية دون أن يقف في وجهها عوائق وتحاصرها الأوهام.

إن الفجوة بين الداخل والخارج تمثلت في مساحات البياض التي تركها الشاعر بين بعض أبيات نصه التي توحي بحالة القلق والترقب التي تعيشها النفس البشرية، و ((تظلّ الصور التي تديرها هذه البنية، تتراءى في النص وتوقظ في الذات البشرية رعبها الدائم من التلاشي في الهوّة المرعبة))([4]). هذا ما يدفعنا إلى مصاحبة قول المحجوب:

كلّما أَشفقَ على نفسِهِ

تعاوده الحمَّى

كلّما استفاقَ

رأى صورتَهُ أمامه،

يعود ثانيةً يغيبُ

في طلبِ الأَصل.([5])

يتجلى في هذا المقطع الصورةُ القصيدةُ التي هي مشروع الشاعر الإبداعي بشخص أثقلته المعاناة، فيعيش في حالة صراع مستمر معها، فلا يفيق منها حتى يجد نفسه مرة أخرى بين براثنها، وهي ترمز إلى التطلعات المتوالية التي يعيشها الشاعر مع حمى الكتابة الشعرية، فهي ترمز إلى (الآخر) الذي يحتويه، وهو مستلق في فراشه، فتنقضّ عليه وتحضنه إلى أن يفقد وعيه مكوناً تجربة جسدية، تنهض بمعاودة الحمى له ليلاً، إذ لا يكون حضورها إلا في الليل، وهو يخلد إلى النوم.

إن لحظة التقاء الحمى ومعاودتها تجسد بعد الرغبة في العلاقة بين الشاعر والقصيدة من خلال المعاودة. فالأنثى تشكل حضورها الحمى (حمى اللذة) فالشاعر يشفق على نفسه منها. فكلَّما استفاق رأى صورته أمامه على صدى لذة أو نشوة لا يمكن معها سحب الأنفاس، فهي الصورة التي رسمتها رغبة الشاعر التي تدعوه في طلب الأصل، الذي هو التوحد الجسدي بين الشاعر والقصيدة (الأنثى) التي يشكل حضورها فضاء النص، وفضاء الشاعر، وتمكنه هذه التجربة من استعادة دوره الذكوري الفاعل.

تجسد هذه الصورة معاناة الذات في سعيها إلى لحظة الخلق الشعري التي تتخلل بنية التجربة الشعرية منتشرة في اتجاهين متناغمين: اتجاه الدلالة المعنوية واتجاه الفاعلية على مستوى النفس، مستوى الإثارة لما بين أشياء العالم والذات الإنسانية من فعل واستجابة، وتنافر وتعاطف([6]) حيث يعيش الشاعر في حالة صراع مع نفسه، بين الأنا والأنا، بين ما كان وما ينبغي أن يكون، فهي لحظة تنصهر فيها الذات الكاتبة في بوتقة الوجع الشعري، بذلك تولد القصيدة، ترصد من خلال الأنا المسيطرة على الذات الكاتبة التي تبرز بين (الأنا – الأنا) فالكاتب لا ((يتواصل عبر قناة: هو – أنا ليبثّ رسالته؛ بل يجرد من ذاته ذاتاً ثانية يحاورها خلال عملية الإبداع عبر قناة من نوع: أنا – أنا))([7]). حينئذ تكون هذه الصورة تجسيداً لمعاناة الذات الكاتبة، وتجلية للممارسة الشعرية لحظة انبثاقها؛ لينوجد الإبداع الذي يوسم القصيدة بميسمه، مستدعية حضور الآخر – القارئ؛ ليسهم في هذا البناء وإنتاج الدلالة.

3.2- معراج الصمت:

تبدو الصورة الجزئية مجسدة لحالة تشظي الذات الكاتبة واندماجها لحظة الكتابة الشعرية، حيث يكون الإنصات لهدير الوجع الشعري النازف بصمت في أعماق هذه الذات التي تراها مندلقة هنا على بياض الورق:

«كلمتي.

صمتٌ يستدرُّ الصمتَ

أنْ ينصتَ أكثرَ»

معراجُ كتابي إِلى ذاتِهِ

أَنا

سيّدُ متاهاتٍ أصنعها

معلّمُ وهمٍ كلّما يُذابُ يأخذُ اسماً جديداً.([8])

ترتبط هذه الصورة بفعل الكتابة الشعرية، إذ تشي بذلك العلاقة التي يعقدها الشاعر بين الصمت الذي يستدر الصمت، وأن ينصت أكثر، وبين المتاهات التي يصنعها هو فيكون سيدها، حيث يوحي استدرار الصمت بلحظة الكتابة التي يغمض فيها الشاعر عينيه؛ لينصت لذاته الكاتبة، بصمت، وهي حالة تستدعي القصيدة نفسها، إذ يسند الشاعر المتاهات التي يصنعها إلى الذات الكاتبة، فهو بذلك يفترض وجود قناة خاصة به ((بحيث يندر الصمت في فوضى التأمل المفضي إلى العزلة المسافرة إلى فضاء التيه والذي يفضي هو الآخر إلى الغياب الباحث عن وجوده في أحضان الآخر))([9]). فالذات الكاتبة ذاتان عندها تتجلى الذات الخفية لتكتب إلى الذات الظاهرة، إذ القصيدة تحوّل عن حالة الصمت، وسفر في فضاء التيه الذي تصنعه الذات نفسها، من هنا نقرأ:

أين لا يمكننا غضّ البصر

نرى جوهرَ الصحراء

مكتظاً بالصمتِ

مدجّجَةً بالسكون

صحرائي!

اختلاجُ الذّات غير قادرٍ على إحكامها

الذّاتُ في رؤيا عابرةٍ

في عبارةٍ تضيعُ كلما عَبَرْتُ.([10])

لقد عكست هذه الصورة الجزئية ارتباطها بالصورة الجزئية السابقة، فهي وحدة حيوية ضمن شبكة تخيلية عامة بالصورة الجزئية تمنح القصيدة أبعاداً دلالية يصبح اعتبارها ظلاً أو معاني ثانية لذلك المحتوى([11]). إذ تبرز الصورة الجزئية في تأملات الذات الكاتبة التي ترحل عبر أصداء الكلمات، إذ كُتب هذا النص عبر عناصر لها دورها الفاعل في إنجازه بالصورة التي جاء عليها، إذ جاءت صورة جزئية جديدة تتضمن معياراً فنياً ((يكمن في الإبداع والتجاوز وفي كونه مليء لا يستنفد))([12]). فصورة غض البصر ثم اكتظاظ جوهر الصحراء بالصمت، ثم اختلاج الذات وعدم القدرة على الإحكام، ثم صورة الرؤية العابرة للذات، وعبارة الضياع كلها صور جزئية ذات دلالات فنية أسهمت في تكوين النص وإنجازه، بيد أن الصورة الجزئية مرتبطة بطريقة إيجابية تضامية بعثت في النص تصوراً حاضراً لاستجابة حاضرة من الآخر، فقد عبر الشاعر بصيغة المضارع (الحاضر) في أكثر تعابيره؛ ليومئ بالاستمرارية.

أما مسألة البياضات التي شكلت عنصراً آخر من عناصر بناء النص وتقويتها، فكانت حافزاً محركاً للذات الكاتبة من جهة، وللآخر من جهة أخرى، إذ إن الشاعر قد ترك فجوات وبياضات؛ ليتسنى للمتلقي سدها بطريقته وهذه العناصر جميعها شكلت نصاً ذا صورة جزئية جديدة شملت تجربة شعرية خالصة، فالشاعر يعبر عن الصحراء بوصفها المكان الوحيد الذي يستطيع فيه الإنسان غض البصر، كونها مكاناً أليفاً للإنسان، وأليفاً للذات الكاتبة التي تنسبها إلى نفسها في قوله (صحرائي).

تبدو الصحراء بؤرة دلالية شاملة للنص بأكمله، ومغذية له من ناحية، ومعينة على تحليل مرجعيته من ناحية أخرى([13]). تختلج الذات مع عدم القدرة على الإحكام مع أنها في رؤية عابرة لم تكن فيها تفاصيل عمّا رأته، ولكنها في مجرى العبور يستنفدها الضياع في كل مرة.

 يبدو هذا النص بصورته الجزئية فوضى رائعة، الفوضى الطبيعية فالقصيدة يجب أن تكون فوضى طبيعية([14]) ينمطّها الانضباط الذي يفلت بناؤها بغيابه، فتستحيل إلى العدم على الرغم من حضور عناصرها الفنية.

_________________________________

[1]– عبدالمنعم المحجوب. عزيف، ص: 21.

[2]– أوردها محمد عبدالرضا شياع في: فيديريكو غارثيا لوركا وعبد الوهاب البياتي: دراسة في التناص، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا (السلك الثالث-الماجستير) في الآداب، أُنجزت بإشراف الأستاذ الدكتور: أحمد الطريسي أعراب، جامعة محمد الخامس-كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، شعبة اللغة العربية وآدابها، عام 1996م، ص: 172.

[3]– عبدالله راجع. القصيدة المغربية: بنية الشهادة والاستشهاد، ص: 264.

[4]– محمد لطفي اليوسفي. لحظة المكاشفة الشعرية، ص: 111.

[5]– عبدالمنعم المحجوب. كتاب الوهم، ص: 8.

[6]– انظر: كمال أبوديب. جدلية الخفاء والتجلي: دراسات بنيوية في الشعر، ص: 56.

[7]– إدريس بلمليح. المختارات الشعرية وأجهزة تلقيها عند العرب من خلال المفضليات وحماسة أبي تمام، ص: 10.

[8]– عبدالمنعم المحجوب. كتاب الوهم، ص: 1.

[9]– محمد عبدالرضا شياع. تجليات الذات الكاتبة في حرارة السؤال الشعري، ص: 74.

[10]– عبدالمنعم المحجوب. عزيف، ص: 29.

[11]– انظر: إدريس بلمليح. المختارات الشعرية وأجهزة تلقيها عند العرب من خلال المفضليات وحماسة أبي تمام، ص: 199.

[12]– هاني خيّر. أدونيس شاعر الدهشة وكثافة الكلمة، ص: 12.

[13]– المرجع نفسه، ص: 13.

[14]– المرجع نفسه، ص: 20.

مقالات ذات علاقة

ليبيا واسعة – 28 (فاهـق)

عبدالرحمن جماعة

جماليات بناء الحكاية والنص في رواية المولد لأمين مازن

عبدالحكيم المالكي

كانت لنا أيام

شكري الميدي أجي

اترك تعليق